أضيف في 2 أبريل 2018 الساعة 00:41

أنغام الأغنية الخالدة على معزوفة الفراق والحيرة بديوان: متى يعود النورس؟ للشاعر عبد الحق حسيني.......خيرة جليل


خيرة جليل
أنغام الأغنية الخالدة على معزوفة الفراق والحيرة بديوان: متى يعود النورس؟ للشاعر عبد الحق حسيني

اليوم عملي هو تقديم قراءة في ديوان الشاعر عبد الحق حسيني " متى يعود النورس؟ هذا الديوان الذي من 61 صفحة طبع بمدينة بركان سنة 2018 بغلاف أنيق .
قراءتي لن تكون نقدا بالشكل المتعارف عليه ، بل قراءة تنطلق من الغلاف الى المضمون الى التحليل والتركيب والتعميم للخروج بالبصمة الادبية للشاعر.
الغلاف: تصميم فني باذخ من الوهلة الاولى نرى العنوان بلون برتقالي واضح يطرح فيه سؤاله الذي يعكس حيرته وامله في العودة، ثم نورس واضح الملامح يطير في سماء مدينة نيويورك الامريكية ، لوحة فنية يغلب عليها اللون الازرق والابيض مع لمسات خفيفة من الرمادي ، مما نستنتج غلبة الامل والتفاؤل مع فكرة عودة هذا النورس واقترانه بالديار الامريكية اساسا. فالجهة الاخرى للغلاف نلاحظ استمرارية اللوحة الفنية للصفحة الاولى والشاعر في جلسة متأملة وحائرة ومتطلعة على حافة حائط بارض الوطن ، هذا التمويه الفني جميل بحيث استمرارية الامتداد الفني للصورة يحيلنا على استمرار الارتباط الجسدي والروحي للشاعر كذات مبدعة بنورسه الذي هو دلالة عن ابنه المهاجر. والذي خلق له ارتباك روحي وحيرة في امكانية عودته أم لا ؟ مما يجعلنا نطرح سؤال عن سبب هذه الحيرة والتخوف من امكانية عدم عودته؟
الديوان يتكون من عشرة قصائد طويلة النفس مضغوطة الحجم مركزة الكلمات ودقيقة المعنى وشفافة الوصف ومشحونة بالاحاسيس والانفعالات والتساؤلات ، وبعيدة الرؤية وعميقة المعنى. نسبة 60 بالمائة منها تعكس التفاؤل والامل في عودة هذا النورس والاتباط بالوطن والاحلام ( قصائد أحلام، اشتياق، ميلاد...) ونسبة 40 بالمائة الاخرى تمثل الحيرة والبوح والألم والاغتراب ( قصائد أرق ،جراح....)
سنقف عند قصيدة الغلاف والتي هي جزء من قصيدة متى يعود النورس؟ وهي تلخيص مركز بوضع الشاعر، يقول بنبرة المتسائل الحائر :
أحيانا أجدني
في موقع لا سلم ولا حرب،
بين الحقيقة الخيال
أجلد نفسي أمام ظلي
المصلوب على حائط مبكاي،
أسأل شريذ الذكريات
هل غادرتني كل الأمنيات؟
هل حقا استشرى وباء الشتات؟
هنا يطرح السؤال الواضح لماذا دخل الشاعر في هذا الوقت بالذات لدوامة السؤال ، ماذا يقصد بالحرب والسلم كذات مبدعة؟ ولماذا جلد النفس وهو من اقصى واعمق العقوبات التي يقوم بها الشخص في اتجاه نفسه؟ لماذا يجلس على حائط مبكاه ويسترجع ذكرياته؟ ولما يحس بان الامنيات تغادره بدون استئدان؟ لماذا احس بان الشتات والفراق اصبح وباء ؟
اكيد الشاعر يمر بمرحلة حيرة فدخل في حالة حرب وحالة سلم ليقف احيانا ويجد نفسه اصبح خارج الحالتين كذات خارج الزمان والمكان فلا يدرك هل هو في الزمان والمكان الذي يرغب بهما ؟ أم انه لا يدرك موقعه من كل هذا؟
فبين دوامة ومتاهة الاسئلة يجتاحه احساس بالامل فيبتسم وهذه الابتسامة تعبر عن رضا الذات عن وضعها والثقة في النفس لتختزل جميع أسئلتها في :
- كي يخلد السؤال الوحيد،
- متى يعود النورس البعيد؟
وهنا نستنتج ان الشاعر في وضعية الامان النفسي والروحي والمادي ويحتاج فقط لنورسه البعيد لتكتمل فرحته والذي هو ابنه المهاجر، الذي يحاول استحضاره في ذهنه ليشاطره سعادته والذي طرح له اشكالية الاطمئنان الى جانبه حيث يقول في الصفحة14:
يا طائري
أنت القادم الراحل
في آن واحد
الساعي بين موج اشتياقي
العائد من أبعد أعماقي
مازلت أذكر
ذات يوم جميل
بين الف رغبة ورغبة
أتيت تسبح في مخيلتي
بين سحاب وشمس
بين شتاء وربيع
تحمل كل كلام وهمس
ومن هنا يظهر قمة اضطراب الشاعر وإحساسه بالشتات بين الحقيقة وبعد ابنه، وهي حقيقة مؤلمة له وبين وخيال حيث يستدعيه لمشاركة احاسيسه. هو اذن يداعب خياله لاحضار ابنه الى جانبه على امل عودته القريبة فيحس ان هذه الذكرى تسجنه بقفص حريري جميل، انه سجن ارادي يدخل نفسه فيه حتى ينسى ليالي الشتاء الطويلة الباردة التي يعشق ان يسامر فيها قمر ليله الذي تحجب عنه الفراق والهجرة حيث يفقد ضيائه بالبعد والجوى.
في قمة انفعالاته النفسية الفكرية يفقد الشاعر مفهوم الزمان فلا يفرق بين صبحه ومسائه لان اللغة اشتبكت وعجزت عن التعبير عن دواخله، ويحس انه داخله مثخن بالجراج لانه لم يكن مهيئا سابقا لفراق ابنه ليعيش التجربة وكأنه استيقظ على واقع لم يكن يتوقعه،وهذا يحيلنا على حياة الشاعر التي قضاها منشغلا بعمله والتزاماته الكثيرة بوظيفته الشاقة والتي سلبته من وسطه الاسري ليتتبع مسار ابنائه ونمو شخصيتهم ورسم مسارهم الدراسي والحياتي، لينتبه الان بعدما تفرغ كليا لاسترته سيجد أن الكل قد كبر وحلق في سمائه وعالمه:
لم أفكر أن اليوم أو غدا
سوف تصعد للسماء
أو بكل بساطة
سوف تطير مع سرب النوارس،
القادم من الشمال
نحو الجنوب.
لم يخطر ببالي أن الفكرة
تنمو في أعماقك كالآخرين
أه نورسي، لم أنتبه
أن ريشك قد اكتمل
وأن جسمك قد اكتمل
وأن كل شيء فيك تبدل...
أن كل شيء فيك تحول...
إنه اكتشاف لذات الشاعر ولذات ابنه ، اكتشاف أتى متأخرا بعد الفراق حين نورسه هاجر باحثا عن وطن بدل الوطن الذي خذله، ترى اين هو الخذلان ان كان النورس قد نشأ واستطاع ان يكون له اختيار حر؟ ولكن الشاعر يرمي اللوم على الوطن تهربا من رمي اللوم على نفسه لانه انشغل عنه، وذلك ليكسب عاطفة ابنه بتحريك انفعالاته اتجاه والده ليعود باحثا عنه لانه في نظره حتى هو ضحية وطنه الذي سلبه وقته وماضيه واهتمامه باسرته ليجد الان نفسه وحيدا يجتر مرارة الفراق والحيرة وهو ايحاء ضمني خجول من الشاعر بسر معاناته اليومية لانه يحس بالذنب ويجلد نفسه لان في الوقت الذي كان ابنه يكبر ويترعرع ويرسم مساره كان هو منشغلا عنه، في قصيدة رحيل:
كيف تحلم لوحدك
كيف تكتب كل الحروف
لم يكن ذلك
الا حلما أجهضه غيري
عن قصد،
أو غير قصد
كنت التمس لنفسي الاعذار،
وكنت تبحث لك عن الطريق
أو ما تبقى من الطريق،
عن مستقبل تدفن فيه أحزانك.
كما ان ابنه كان يفتقده الى جانبه ولما لم يجده أخذ يبحث عن البديل بين أصدقائه ،هؤلاء الذين تفرقت بهم السبل في الحياة ، ليجد نفسه باحثا بدوره عن منفذ يخرج به من وطنه حيث يعاني اغتراب محلي فيفكر في الاغتراب بأرض المهجر بحثا عن وطن يعوضه عن الوطن الذي سرق منه والده بعد أن هاجر أصدقاؤه ولم يفكروا في العودة. هذا الابن الذي سيقرر في سن الخامسة والعشرين أن يرحل مختزلا احاسيسه ووطنه وحياته في حقيبة يحملها معه ، لينبهه الاب ان الوطن ليس تراب او ما ترسمه من أفكار عن المكان والزمان بل هو احساس وانتماء وعلاقات اعمق مما يتخيل للذهن( قصيدة وطن)
اللغة التي استعملها الشاعر تدخل في خانة السهل الممتنع والبسيط العميق والجميل الشائك، كما يستعمل مفردات قوية للتعبير عن معاناته النفسية وتأرجحه بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والمتخيل بفراق ابنه( قصيدة : غربة)
عم الصمت
بين الحدود
والقيود،
بين الوجود
واللاوجود....
يستحضر صورا ادبية وفلسفية للتعبير عن ذاته من تغذيته الفكرية ليبرز قمة الحزن واللعنة ، لكنه يذكر ابنه باصوله الشرقية ليبعث في نفسه الثقة بجذوره.
اي سحر اصابك؟
أية لعنة؟
كالتي اصابت
علويس المقدم
ـــــــــــــــــ
زمن الطوفان
ـــــــــــــ
عالم الظلمات
ــــــــــ
انت القادم من غرب الشرق
اين تختلف الحضارات
اين يولد الرجال
من صلب الرجال
كما يستعير صورا ادبية كصور كليلة ودمنة حتى يوصل الرسالة لابنه بانه سيلتقي بشرا كالحيونات قد يحاولون افترسه ، لانه يستحيل تقييد البشر في حراكاتهم ورحلاتهم رغم القوانين الدولية الصارمة فالهجرة تجمع جميع اصناف البشر الصالح والطالح بطريقة جد مشفرة ومرمزة حتى لا يجرح احاسيسه او احاسيس الاخرين ، كما يستحضر لحظة فراقهما ويناجه للتذكر لعله يرسم خريطة طريق العودة. قصيدة عودة:

الحيوانات يا طائري لا وطن لها.
لا حدود بالسماء
كالطيور غرباء
إن الانزياح الادبي والفني الذي اضافه الشاعر للابداع الشعري المغربي المعاصر هو كون هذا أول شاعر في زمانه يخرج من صمته ويعبر عن معاناته واستلاب وقته وعمره واسرته منه بعدما اشتغل لعقود بالادارة العامة للامن الوطني باسلوب سهل ممتنع وكلمات مضغوطة وعميقة. انه من شريحة اجتماعية تعاني في صمت بعد ان كرست قتها وحياته لخدم الوطن هذا الاخير الذي خذله او شكل خيبة أمله. لاول مرة سنرى ان رجل الامن ينزل من برجه العاجي ليقول لنا انه بشر مثل جل المغاربة يعاني في صمت، وهذا تطلب منه جهد كبير ليعلن انه استفاق اخيرا ليجد العالم الذي حوليه قد تغير وتبدل شأنه شأن جميع المتغيرات وابنه كان من ضمن هذه المتغيرات.
فعلا انه في ظل انشغاله بعمله الذي سلبه كل اهتمامته الابن يكبر ويختار لنفسه المسار الذي يظن انه يخلق له وطن جديد عوض الذي سلبه والده. يستفيق الوالد على فاجعة الهجرة والفراق والبعد ، يستفيق بعد تقاعده ليواجه الواقع ، فراغ زمني وفراغ عاطفي وغياب الابن الذي كان من المفروض ان يكون هنا ليشاطره امانيه فيسجن نفسه بقفص الذكرى والحاضر بين المد والجزر، بين الظلمات والنور، بين الوجوم والابتسامة بين الرحيل وامل العودة ، فيفقد الشاعر الثقة في اقوال الحكيم الذي نصحه وفي الوطن وفي المحيطين بابنه....بل ويلوم الحكيم على عدم اخباره بمصير الطائر الذي اختار صخرة وسط البحر لتكون وطنا له ليعيش بين المد والجزر حين هرم واصيب بالضعف او المرض او الشيخوخة ولم يصبح قادرا على مسايرة اللعبة مع البحر، وهنا رمزيا بحر الاشواق والرحيل والذهاب والاياب وحين يكتشف هذه المعاناة يكون قد فات الاوان وفقد اسرة وعشيرة وان عاد سيجد ان وطنه الام قد هاجره الاقاريب والاحبة الى دار البقاء . وهذا ما يخيف الشاعر، هو ان تكون عودة الابن بعد فوات الاوان، وهو مفزوع فعلا كانسان ، وهذا ما يجلد عليه الشاعر نفسه ، كانه يريد ان يقول : ضاع مني ابني في لحظة انشغالي بخدمة ابناء الشعب، وانه يغضب ويحزن بهذا لكن في نفس الوقت هو يبتسم لانه الابن ناحج واستطاع ان يطير في سمائه بجناحيه فيتفاءل ويمني نفسه بامكانية عودته يوما ما.>>>>>خيرة جليل







قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب