أضيف في 28 مارس 2018 الساعة 23:04

الناقدة خيرة جليل : التشكيلي زهير بناني المعروف Palomero تجربة تؤرخ سفر الفن بين الأكاديمي والعصامي


خيرة جليل

التشكيلي زهير بناني المعروف Palomero تجربة تؤرخ سفر الفن بين الأكاديمي والعصامي
وإذا كان بعض علماء الجمال قد عرفوا الفن بأنه إرادة الصورة في ذلك ، فإنهم فطنوا إلى أن العمل الفني هو في جانب كبير منه مجرد خلق لمجموعة من العلاقات الصورية، كما أن العناصر التي يستخدمها الفنان ترتب على نحو يجعلها ذات قيمة فنية عميقة. وإذا كان "هربرت ريد" قد نفى أن يكون معنى الشكل متضمّنا لمعنى الانتظام أو التوازن، فإن "جُيروم ستولنيتز" قد رأى أن هناك أربعة معاني من أكثر معاني اللفظ (أي الشكل ) شيوعاً سنعود لتوضيحها بشكل دقيق في تناولنا لبعض التجارب المغربية، فحين قررت توثيق تجارب مغربية كان لزاما أن اخذ عينة بحث مختلفة التكون ومختلفة الأسلوب ومختلفة المرجعية الفلسفية والفكرية لتمارس إبداعها داخل ثقافة الجمال والإبداع. عينة الدراسة كانت عينة عشوائية من حيث العدد لكن مستهدفة من حيث الكيف في ا لممارسة، يعني أنني لم اختر الكتابة عن فنان دون الآخر لمركزه الاجتماعي أو قربه العائلي أو سلطته، بل اخترتهم على خلفية أعمالهم الفنية وعمقها الفني والفلسفي ومن أوساط فنية واجتماعية مختلفة ومنهم الفنان الذي تلقى تكوينا أكاديميا وفنانا عصاميا... فحين قال بيكاسو: "تعلم قواعد الرسم كمحترف وكسرها كهاوي لتكون فنانا" لم تأتي هذه الفكرة من فراغ لان بيكاسو تلقى تكوينا أكاديميا صارما وقويا، لكن هذا التكوين كان عائقا أمامه ليصبح فنانا عوض أن يبقى مجرد رسام، خصوصا أن مرحلته لم تكن تخلو من المنافسين، وهذا ما جعله يكسر كل القواعد المتعارف عليها أكاديميا ليرسم مساره كفنان مبدع ومجدد، وهذا ينطبق الى حد كبير على الفنان زهير بناني الملقب ببلومرو بدرجة مائة في المائة . فهو تخرج من مدرسة الفنون الجميلة بتطوان لسنة 1986 ومن جامعة البوليتكنيك بفالانسياسنة1991وفضل أن يبقى فنانا عصاميا بورشته الفنية. وهذا يعني أن رغم تكوينه الأكاديمي الصارم فهو تخرج كرسام محترف لكنه فضل آن يمارس الفن العصامي ببوهمية فكرية حتى يكون فنانا تشكيليا حرا يطير بالألوان والأشكال حيث تفضل روحه أن تستقر وترتاح وهذا قمة العشق للفن لأنه لم يبحث عن الألقاب والأسماء. قام بمعارض فردية و أخرى جماعية داخل الوطن وخارجه. فضل أن يكون مع طيور الحمام التي تفتنه وأصبحت تشاطره لحظات انتشائه الفكري بمرسمه. فهو يعتكف بمرسمه ليعزف ألحان الألوان وعشق الإبداع بعفوية العصامي تاركا ما هو أكاديمي للأكاديمي وما هو عصامي للفن بلا حدود.
في عودته للعصامية وابتعاده عن الأكاديمي هو يحرر روحه الفنية لتسمو متخطية كل ماهو عابر من حواجز وتكسر القواعد لتتجلى الرؤية وتزول كل الحجب التي يمكن أن تقيد روحه الفنية وإبداعاته. حيث تتبلور أفكاره بالقالب الذي اختار لها أن يحتضنها فهو يحرر ابتكاره الفني ليطير بعالم مرسمه وخارج العوالم المقيدة له مثل طيور الحمام التي تفتنه ويعشقها إلى درجة تسكن معظم لوحاته العصامية. فتتضح رائحة البوهمية الفنية المعقلنة في نفس الوقت بين ثنايا البشر. فترى أن روحه تثور كأنها براكين إحساس لا تنتهي في لوحاته التجريدية الأكاديمية متلاعبا بكتله اللونية بين البنفسجي والرمادي والأسود، و ترفرف كالفراشة لتقبع على طرف لوحاته العصامية إلى جانب طائره الجميل.. ففي لوحاته التجريدية الأكاديمية هناك رمزية إشارة مجده التشكيلي الجمالي المنحدر من تكوينه الأكاديمي والتي تتغذى من روح والدته الفنانة التي أرضعته مبادئ الفن التشكيل الأولى قبل أن يلتحق بمدرسة الفنون الجميلة وهو من نشأ وسط ثقافة الرسم والتشكيل والألوان والأشكال والزخارف منذ أن كان صبيا إلى أن أصبح راشدا يسكنه عشق اللون والسكون، لكن بلوحاته العصامية هناك تجسيد الواقع بلمساته الفنية المتمرسة والعميقة. أعمال تنجز في حضرة الحمام والسكون التام والهدوء الدافئ لتولد لوحات تعج بالانسجام والثقة في النفس وتضج بالحركة والانفعالات النفسية الفكرية... يحرك الكتلة اللونية بدراية على مجال منشئه الفني كي تستمر معه الحياة وفق تعرجات الضوء واللون لتتوالد الألوان فيما بينها بانسجام وتحقق متعة بصرية ونفسية ليكون مخاضه تتمة لمراحل آتية من عالم واقعه الإنساني بتعبير فطري تلقائي انفعالي. تخرج اللوحة التجريدية عنده وكأنها عوالم الميتافيزيقية التي استلبت أعمق أعماق وجدانه وإزالة كل الشوائب التي تراكمت عبر دراسته الأكاديمية. ولوحات عبرت عن قصص الجمالية وحكايات اختار لها العقل الباطني لتولد بلغة الفن العصامي والتشكيل العميق وتزدهي بملمس مساحة تكاوينه التصويرية التي يشتغل عليها بشغف العاشق الجمالي الولهان في قوام الحمام والطبيعة وإمكانيات التعبير من خلالها في ظل وجودها الإنساني ضمن كونية الواقع وسوداويته التي يحاربها الفنان لتولد من جديد في حياة جديدة بلوحات للطبيعة تعكس الغنى المغربي بالضوء وحرارة الألوان، وكأنها إشارات الخلود للنقاء والبيئة التي نشأ فيها الفنان ويفتقدها الآن في ظل عصر العولمة وما ترتب عنها، هذه المناظر التي يستدعيها الفنان وفق دراسات جمالية لتمنح للوحاته حياة جديدة تعج بالضوء وألوان الفرح من خلال الألوان المشتقة والمركبة والتي يستمدها من البيئة الشمالية المغربية والغنية بالماء والزرقة كقيمة فنية وسيكولوجية، لأنه هو الفنان الملون وفق إشكالية جمالية تُنَظّر لها ولضروريات الفن عندما يكون الفن له عشق وتفاعل واستدعاء لعوالم وجود الآخر فينا. انه الملون الذي يسكن هندسة الروح الهندسية، فمن خلال أشكاله الهندسية تتداخل الكتل اللون للتولد عنها أشكال واضحة بمعمارية جمالياته، فهي في عملية توليدها لألوان مركبة تتوالد مع حركاتها متناغمة بضربات قوية ودقيقة بالفرشاة لتعزف خبر الحان ألوانه لوحات بمنظومة متناسقة الريتم. عموما إن التبسيط الشكلي هو مجال الإبداع لدى الفنان زهير بناني الذي به تسكن انفعالاته واستفزازاته المثيرة للتفاعل البصري وكل قيم من وحي المنطقة التشكيلية بالمنشأ الفني وروحه التي تسكن عميق الأثر في نبض موهبته التشكيلية وفي حرارة اللون وتفننه على منهجية اشتقاقاته من الألوان الأخرى لتصل فكرته إلى نبض خاصية فهم عوالمه الجمالية وسر مواقفه الإنسانية في واقع الحال من المحال ، بلوحات ترسم رحلته اليومية بين الأكاديمي ولعصامي . ....خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب