أضيف في 27 مارس 2018 الساعة 22:27

فرحة في قلب السحر والجمال


المصطفى سالمي
في عتمة الظلمة تجمع التلاميذُ متحلّقين حول الحافلة التي ستنقلهم في الرحلة المدرسية اتجاه مدينة (إفران)،لقد جاؤوا قبل الوقت المحدد بدقائق طويلة، كانوا متلهّفين على تغيير الأجواء من خلال رحلة انتظروها على أحر من الجمر بعد أن تأجل موعدها لأزيد من أسبوعين بفعل عوامل إدارية، أغلب التلاميذ في هذه البلدة الصغيرة لم يتجاوزوا سهول (دكالة) ولم يسافروا أبعد من ذلك، هم لا يعرفون عن (إفران) إلا ما يذكره الإعلام عن ثلوجها وجامعة الأخوين المتواجدة بها.
أخيرا أخذ كل تلميذ مكانه المحدد له من طرف المشرفين على الرحلة، وانطلقت الحافلة كالوحش العملاق الذي لا يلوي على شيء، واخترقت ظلمة الطريق الغارق في صمته ورهبته ممزقة سكون الليل القاتم، لكن في داخل الحافلة كانت هناك أناشيد وترانيم البهجة التي ضغطتها وخنقتها أسابيع متتالية من الدروس المرهِقة والتمارين المتعبة التي أصبحت تشكل ثقلا وعبئا متزايدين على هذه الأجيال التي تسعى للانفلات من كل القيود التي تكبلها ولو كانت قيود العلم والمعرفة..
مرت ساعات قبل أن تصل الحافلة لبلدة (سيدي علال البحراوي)، ونزل مَن فيها على شعاع أول ضوء منبعث من صبيحة يوم أحد ليس ككل الآحاد، وتناثر المدرسون وتلاميذهم على طاولات إحدى المقاهي الكبرى، جلسوا يحتسون كؤوس الشاي والقهوة، ويلتهمون الفطائر الساخنة في أجواء من المتعة والفرحة، وبعد حوالي عشرين دقيقة، عاودت الحافلة انطلاقتها ساحبة خلفها دخانا كثيفا، ومر وقت ليس باليسير قبل أن تعلن لوحة في الطريق عن المدينة التي هي مقصدهم، وأخيرا توقفت الحافلة لتكون الفرصة متاحة كي ترتاح الأجساد المتعبة بطول الطريق والسهر، خرج الجميع من الحافلة حتى يطردوا بالهواء الطلق المنعش كل رواسب هذه الرحلة الطويلة التي ما اعتاد على مثلها تلاميذ هذه المؤسسة الإعدادية التي تنتمي لبلدة صغيرة بسيطة ومنغلقة على نفسها. وها هي أشجار مدينة (إفران) تبدو شامخة عملاقة، أغصان متفرعة مجردة من أوراقها، بينما بنايات المدينة مزينة بالقرميد تعلوها المداخن. كانت الأجواء ضبابية، بينما قطرات خفيفة من المطر لم تتوقف عن التساقط خلافا لحالة الجو الصافية الصحوة في باقي المدن التي عبرتها الحافلة.
تدفق سيل التلاميذ يوجههم مدرسوهم وهم ينحدرون نحو وسط المدينة كأسراب النمل، توقفت الجموع أمام تمثال الأسد، تلاميذ آخرون من رحلة مدرسية أخرى ما زالوا يلتقطون الصور التذكارية هنا، اختلطت الجموع ببعضها، كان كل واحد أو مجموعة يجد لنفسه المكان قرب التمثال الحجري الذي شاخ وهرم وتحجر وسط مركز المدينة، بينما أحاط بضيوف المدينة باعة التحف التذكارية الذين عج بهم المكان، وانطلق بعض التلاميذ نحو محلات بيع الحلويات والمشروبات قبل أن يتجمع الجميع في الساحة وتنطلق بهم الحافلة نحو منطقة (عين فيتال) التي تقع في منحدر يضم عيونا وشلالات وحدائق غنّاء. لم تتوقف قطرات المطر التي بقيت خفيفة رقيقة ناعمة، لكنها لم تؤثر على الرحلة أو على بهجة وصفاء الأجواء النفسية للتلاميذ ومدرسيهم، بل إنها زادت المكان بهاء، إذ بدت البحيرات خضراء اللون، وبدت الأشجار داكنة والسماء أقرب للون الرمادي، إن اللون المسيطر هو خضرة ماء وسط ضباب الأجواء، وكأننا في البلاد الاسكندنافية شمال أوربا.
بدا التلاميذ في سعادة عارمة تعبر عنها ملامحهم المبتهجة، لقد توالت عليهم أسابيع متتالية من الدراسة والتحصيل المتواصلين لم تتخللها أية عطلة ولو كانت قصيرة الأمد، أسابيع قاسية متعبة من شهري فبراير ومارس مل فيها المتعلمون ومدرسوهم على حد السواء، إلى أن جاءت هذه الرحلة أخيرا كأنما هي هدية من السماء. تمنى الجميع في هذه اللحظات لو يتجمد المكان والزمان، ولكن لابد بعد هذه السعادة الغامرة وهذا الجمال الطبيعي الفائق من العودة، لكن قبل ذلك لابد من التوقف ببلدة (بوفكران) من أجل تناول وجبة الغداء.
انطلق الحافلة أخيرا بعد أن امتلأت البطون وقبلها العيون والقلوب فرحة، وزفرت الحافلة دخانا يعبر عن الألم المضغوط، وخفقت ذاكرة وقلوب مَن فيها بصور تراءت بهية ممزوجة بخيال وأحلام مزركشة مشرقة قادمة من وراء عوالم غير مطروقة، وانطلقت حناجر التلاميذ بأناشيد على وقع إحساسهم بخفة تبددت فيها حمولة وأثقال وتعب، لقد شُحن الجميع بطاقة هائلة من أجل عطاء أكبر داخل فصول الدراسة، بينما كانت الأمطار تنهمر على زجاج الحافلة الأمامي، تمسحها ماسحة تتحرك بخفة ورشاقة، تزيحها كما انزاحت هموم تراكمت على قلوب هؤلاء الصغار ومدرسيهم.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب