أضيف في 24 مارس 2018 الساعة 18:18

حلال وحرام


المصطفى سالمي

مرر السيد (إدريس) يده ـ برفق وكالمعتاد ـ على لحيته الكثة وهو يتوجه بالحديث إلى زميله (حميد) قائلا:
ـ إن قاعة الأساتذة التي يختلط فيها الرجال بالنساء هي رجس من عمل الشيطان!
لم يتفاجأ (حميد) بهذا الكلام الذي اعتاد سماع مثله من زميله مدرّس مادة الفنون التشكيلية، لكنه قرر هذه المرة أن يجادله، بل ويستفزه إن أمكنه ذلك، فردّ عليه قائلا:
ـ ولكن المدرسين يكتفون فقط في هذه القاعة بشرب الشاي وتبادل حوارات قصيرة في فترات الاستراحة!
ـ المدرسون يا زميلي يصافحون المدرسات في هذه القاعة ويجالسوهن، وهذا حرام شرعا!
ردّ (حميد) بسؤال موغل في الاستفزاز:
ـ وما موقفك الشخصي أيها الزميل من النظر إلى وجوه النساء السافرات في الشارع وفي العمل؟!
ـ الاضطرار قد يحمل على ذلك، لكن مجالسة النسوة ومصافحتهن شيء آخر..
ـ لكننا قد نضطر لأشياء أخرى كثيرة مكرهين، ألا تتعامل أنت مع البنوك الربوية حيث تأخذ منها أجرتك على رأس كل شهر؟! ألا تحضر الاجتماعات التربوية ومجالس الأقسام؟ ألا تمارس أشغال الحراسة مُجالسا زميلاتك وتُقدم دروسا لتلميذات كثير منهن يرتدين بدلات عصرية أصبحت يوما عن يوم تكشف أكثر مما تخفي وخاصة في فصل الصيف!
ـ لكنني أمارس التوجيه والإرشاد، وكثير من تلميذاتي ارتدين الحجاب وأصبحن متسترات بعد سفور.
ـ تمارس التوجيه من خلال مادة الرسم؟! إن التصوير رجس من عمل الشيطان، والمكان الذي به صور لا تدخله الملائكة!
توترت العلاقة بعد هذا الجدال بين الرجلين لأمد ليس بالقصير، وازداد (إدريس) انغلاقا على نفسه، وكبرت لحيته وطالت وأصبحت أكثر كثافة، وأصبحت كل تلميذة لا ترتدي ما يراه صاحبنا لباسا محتشما يوجهها نحو الإدارة بسبب أو بدونه، متعللا تارة بغياب اللوازم الدراسية، ومتحججا أخرى بالتأخر في الحضور أو إحداث الشغب في الفصل الدراسي وما إلى ذلك...
تمر الأيام وتقل اللقاءات بين (إدريس) و (حميد)، خاصة وقد باعد بينهما جدول استعمال الزمن المدرسي، فأحدهما حين يشتغل صباحا يكون عمل الآخر مساء أو العكس، إلى أن كان اللقاء الذي خططت له الأقدار. كان (حميد) وقتها ينتظر دوره لمقابلة الطبيب السيد (الفاسي) حين لفت نظره في القاعة الفسيحة منظر زميله (إدريس) برفقة امرأة تبدو زوجته، كانت الأخيرة تلبس لباسا أفغانيا يستر كل جسدها، حينها تناسلت الأسئلة في ذهن (حميد) بسرعة البرق:
ـ تُرى كيف سيكشف الطبيب على هذه الخيمة المغلفة بالستائر من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها؟ وكم سيستغرق ذلك من الوقت في ظل هذا الطابور من المنتظرين؟ وهل سيسمح صاحب هذه اللحية الكثيفة بأن تلمس اليد الغريبة هذا الجسد الأنثوي المنغلق؟ ولماذا لم يتوجه هذا المتشدد إلى طبيبة من طبيبات البلدة وما أكثرهن؟ ثم ما هذا التناقض في كراهة مصافحة أستاذة باليد أو بالتحية وبين السماح لطبيب ـ بصيغة المذكر ـ أن يكشف على مخبوء جسد يمثل الزوجة والعرض؟!...
انتظر (حميد) حتى التقت نظراته بنظرات زميله (إدريس) ليبادله تحية مختصرة قالت رموزها ودلالاتها ما لم تتفوه به الحروف والشفاه، نظر وقتها (إدريس) لزميله نظرة شزراء أول الأمر قبل أن يتحول الأمر إلى نظرة بلهاء، ثم تبسم الرجل كما لم يسبق له أن يفعل.
مرت لحظات عصيبة على (إدريس) وهو محاصر بنظرات زميله إلى أن أنقذه ولو مؤقتا نداء مساعدة الطبيب وهي تتلفظ باسم زوجته التي هبت وهبّ هو في إثرها يجران ملابس فضفاضة تفوح منها رائحة هي مزيج من اللبان والصندل والبخور. وانغلق الباب على هؤلاء، وتمتم (حميد) لنفسه:
ـ سيعاين إذن عالم زمانه وعنترة التدين المشهدَ دون أن يعلن للملأ الحلال والحرام والكراهة والمباح والجائز... هكذا رددت أعماق (حميد) وهو لا يكاد يخفي ابتسامة ندت عنه، وربما رآها وعاينها المنتظرون في القاعة الفسيحة.
مر أسبوع كامل قبل أن يلتقي (حميد) بزميله (إدريس)، بدا الأخير وقتها على غير العادة، كان اللقاء يوم اجتماع ضم جميع مدرسي المؤسسة التربوية، فعلى خلاف التجهم والنفور اللذين كانا يبدوان على (إدريس) في مثل هذه اللقاءات، ظهر الرجل مرحا منبسط الأسارير، يحادث حتى زميلاته المدرسات في حبور وسعة صدر. احتار (حميد) في التفسير والتبرير، هل يكون الأمر مجرد رد فعل أبله على أن زميلا له رصده في ذاك الموقف المناقض لادعاءاته؟ ! أم أن الطبيب الذي هو مختص بالأمراض العضوية تحول بقدرة قادر إلى معالج نفسي لتشدد صاحبنا وانغلاقه؟! ومنذ ذلك التاريخ ما عاد أحد يسمع من صاحبنا حديثا عن الحلال والحرام وما يدور في فلكهما من أصول الفقه والتشريع...!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب