أضيف في 23 مارس 2018 الساعة 10:01

نهاية الفكرة و بداية السلطة


رشيد اليملولي
نهاية الفكرة و بداية السلطة .
يكتسح السيسي السلطة في مصر بمعدل سريالي .
و يتفوق بوتين على جميع معارضيه بفارق مريح .
و يحيا بوتفليقة حياة جديدة ، بتصويت يفوق الممكن و الخيال .
و لو عرض الدستور المغربي على تصويت الناخبين ، لحاز نسبا تلتقي حقيقتها مع حقائق مثلث بيرمودا ، الذي تنهار أمامه كل قواعد العلوم النظرية منها و العملية .
ماذا يعني ذلك ، و أي معنى تنتصر " قيم " التعالي و السطوة و الوحدانية ؟.
و هل في إنجاح السلطة إفشال للفكرة و الايديولوجيا ؟.
لقد بات في ظل الأنظمة الوحدانية الحديث عن الفكرة و الايديولوجيا و الاختلاف ، و بمعنى أدق للمعارضة حديثا عن الفتنة بمعناها الحربي ، و بدلالة الردة التي وجب قتلها بفتاوى دينية مستمدة من فقهاء أصبح همهم الأساس الافتاء خارج القواعد الإنسانية التي رسختها الرسائل السماوية ، ووجب أيضا وأدها دستوريا و حقوقيا باسم أنبل و أرقى المبادئ المسجاة على رف وثيقة تدعى دستورية .
لقد ولى زمن الصراع على خلفية بناء النماذج ، لصالح بناء " أنموذج " التسلط و السلطة ، و أضحى الهاجس محاربة كل فكرة مهما كانت بسيطة ، بدعوى أنها ترفل في سديم الفوضى و العدمية ، و تحولت التنمية و إنسانها إلى مشاريع ثانوية في عرف من يتغذى على الفرعونية ، و يقتات على موائد الحجاج و نيرون و القذافي و طغاة العصور على اختلاف مرجعياتهم و ظرفياتهم التاريخية .
لعل الدلالة الموحية لاختفاء الأفق المفتوح و صراع الأفكار ، لصالح العسكرة و الأمن و الخطاب السلطوي ، يكمن في جانب منه خلف مرجعية السياسة الواقعية و النفعية و الأداتية ، التي تؤطر المشهد السياسي من دون أي حصيلة إيجابية سياسيا و تنمويا ؛ فالنماذج المساقاة أعلاه ، تجر وراءها خيبات متتالية و هزائم متنامية في سلم إنتاج الثروة بالمعنى العلمي و الرمزي ، و تتجذر أزماتها في كل وقت و حين بإيعاز من وحدانية تفكيرها ، و نزوعها الشاذ لاقتلاع حتى النيات الحسنة و الإمكانات المتاحة التي تقتضيها ضرورة و عقيدة تدبير الاختلاف ، فهل نحن فعلا أمام موت الفكرة و بداية نهايتها " موت الايديولوجيا " و بداية تأسيس السلطة وفق الأعراف الدستورية و القانونية الدولية حسب قاعدة الفوضى الخلاقة ؟ ، أي أننا أمام عهد جديد لموت كل قيم الاختلاف وولادة آلهة جديدة ، لم تنفع معهم فلسفة موت الإله التي يقول بها منطق العصر .
و هل أصبح التوحد في التسلط تعبير عن إرادة جماعية مشفوعة بإطار ديني و فلسفي و ثقافي تفرضه سياقات معينة لدرجة تحول معها إلى مباح سياسيا و مبرر ثقافيا و مدعوم علميا ، أي أن هوية العصر و مضمونه يعكس فعلا الحاجة الماسة إلى سلطة تنافح عن تشظي و تعدد الآلهة في مسرح الحياة العامة ؟.
قد يبدو جليا أن الدفاع عن التسلط ، يفسره الرهاب و الخوف الشديد من الفتنة و القبلية و الصراعات الانقسامية ، قد غذت السلطة و الفقه المرافق لها وضعيا كان دينيا ، لدرجة أن دفاعها عن هذا الأسلوب قد أباح و سير لها كل السبل ، لقتل الفكر و الفلسفة و العقل ، و كل أنواع القيم الإيجابية ، حتى غدا معها النسق الحضاري تكريسا راقيا للفشل العميق في إنتاج مقدمات الثروة ، إلا أن هذا المسعى و التفكير غدا غير ذي جدوى أو قيمة ، لأنه بمعنى أدق ضد الوجود الإنساني بما يعنيه ذلك من استمداد مصادر القوة و المعرفة ، من وسائط و مرجعيات ، أصبحت السلطة نفسها أسيرة له و لمنطقه و مبررات وجوده في البناء و التقويم و التوجيه .
إن الفكرة المستقاة من التحولات و التغيرات الجذرية ، تحيل على أن صياغة السلطة عن طريق التسلط و الدفاع عنه بواسطة أفكار الوجود الإنساني ، و ليس الوجود السلطوي " في أناه المرضية " قد تعني أن السلطة تعيش مرحلة أزمة التشبع و الثخمة التي لن يتأخر زوالها المرهون فقط بالزمن ، إذ إن استمراره المدفوع بالوحي النفعي و الواقعي، يحجب عنه أفق التغيير و التغير الذي تقتضيه الفكرة ، و ما المحاولات " الجادة " لتجديد سبل الشرعية و المشروعية إلا دليل راسخ على الافتقار إليها ، و إذا كان الوجود بالقوة يعني صناعة حضارة القوة فهو ينافي بالمنطق و الحجة قوة الحضارة ، بل إن سيادة التسلط و طغيانه بالشكل المعبر عنه وجوديا و سياسيا و ثقافيا ، يرفل في نعيم مؤجل إلى حين ، أي أنه استمرار لحالة غير طبيعية في الوجود ، مادام يفرض نزوعا محددا نحو التفكير يقصر همه في المباشر ، و ما اختفاء الصراع الرمزي و الفكري و الايديولوجي لصالح المنحى الحربي ، إلا موتا مؤجلا يزيد فقط في الآثار المترتبة عن إهمال تعدد منافذ الصراع و صيغه ، و ذلك عن طريق رعاية الاختلاف و ضمان وجوده و تقويته ، و إضعاف التسلط و مبررات وجوده ، فالفكرة مرأة وفية و حبيبة كل يوم بلقاح و رائحة ، أما السلطة فهي و إن بدت " نافعة " فلا لون لها و لا ريح سرعان ما تزول هيبتها بذهاب راعيها .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب