أضيف في 23 مارس 2018 الساعة 07:59

طرابلس والشعر معنيين لقصيدة واحدة


ناصر سالم المقرحي
طرابلس والشعر معنيان لقصيدة واحدة
أحتفاءً بالشعر في يومه العالمي الذي يوافق الحادي والعشرين من مارس من كل عام , وتواصلا مع العالم بمناسبة هذا الحدث المهم . وإحياءً لهذا التقليد أقامت الجمعية الليبية للآداب والفنون أصبوحة شعرية دعت إليها محبي الشعر وأصدقائه , وكما هو متوقعا حضر أوفياء الشعر وانطلقت عصافير الشعر لتصدح بأعذب القصائد , وبمقدمتها المقتضبة التي جاءت هي الأخرى في هيئة شعر رقراق أطلقت الأستاذة فريدة طريبشان التي أدارت الأصبوحة عصافير البهجة لتنثر من جميل تغريدها وتتحف المستمعين بحلو الكلام .
الشعر الذي لا يؤنث لا يعول عليه , هذا ما قالته أجواء الأصبوحة التي أحيتها وأثثت مساحتها الزمنية شاعرتان لهما في الشعر مهارة ومآرب أخرى .
الشاعرة الأولى التي وقع عليها الأختيار لإلقاء حمولتها من الشعر ونثر معزوفاتها من القصائد كانت , حنان محفوظ , التي هيمنت على الأسماع بإلقاءها المتئد والهادئ الذي رسم أجواء شفيفة ورهيفة تليق بالشعر في عيده السنوي .
الإستهلال كان مع نص من ديوانها الأخير يقول مطلعه :-
ترتمي على صدر قصيدة
طفلة تتبختر بين أزهار ربيعك .
وها هي تقول كذلك :-

تسربت إليك كقطعة سكر
ذابت في كأس ماء ثم عادت وطفت بعد هنيهة .
وهاته الأسطر الأفتتاحية للقصيدة الثانية الطافحة بالعذوبة التي ألقتها الشاعرة قبل أن تنتقل إلى نصّها الثالث الذي أسمتهُ " الوقت " وفيه تقول :-
الساعة تدق
يقف الوقت أمامي
يفرد عضلاته
لم يغمز بعينيه قط.
إلى أن تقول :-
ولكنك اكلت نصف الوقت
ومضغت عقارب ساعاتي جميعها
الساعة تدق .
وكما نلاحظ في القصائد السابقة ثمة غائب وغير مسمى تتجه إليه الشاعرة بخطابها المتوسل بالشعر , وهي هنا تحاول ان تقول مشاعرها بلا زيف وتبث شجونها في هيئة بوح شفيف وإفصاح رهيف ورقيق , ودائماً ثمة من يهم الشاعرة أن توصل خطابها إليه , والشعر لا بد فاضحاً لكل من يقوله , إذ يُظهِر ما يعتمل في النفس من مشاعر وأحاسيس ولا يُخفي شيئاً , والشعر مثل كل الطيبين , الذي في جيبه ليس له والذي على لسانه يقوله .
" المفاتيح " القصيدة اللاحقة التي قرأتها الشاعرة وفيها تُنشد "-
أستدر للوراء
هات تلك المفاتيح البعيدة
إلحق بها قبل أن يجرها الصدأ
وتذوب في إسفلت الطريق
يتماهى في الخليط
والسياج من حولنا يضيق
بصعوبة نتنفس
كلما استنشقنا هوى بعضنا
ضاق أكثر
يرمي الحقد على أصواتنا لونه
يصبغنا بكرهنا وعداءنا
إذهب بعيدا كي نراك
كل صفعاتنا تصل خدك
قبل أن تصفع بوسنا
نحن المأمورون بطاعته
لا نجرؤ على مجاملتك
نتلعثم بخيباتنا
نتوه دونما ظلمة
ونفقد عند العتمة حواسنا
يجرنا تحررنا نحو الهاوية
خاوون نحن من كل شيء
حتى من روح الوطن
جبروتنا حقن الخراب
شراستنا مثل الذئاب
يسيل فينا لعاب الأنتقام
هات المفاتيح التي خدعت بصدأها أسماعنا
قبل أن تحكم على قلوبنا أقفالها .
وهي كما نرى قصيدة متوسطة الطول أحالت من خلالها الشاعرة بلغة يلفها الأسى إلى واقع مرير تعيشه ويعيشه الوطن حيث الحقد يتفاقم وثقافة الأنتقام تزدهر , حيثُ الخراب يستوطن النفوس والشراسة تسكنها , في الوقت الذي نحتاج فيه إلى التآزر والمحبة لنتجاوز مناطق الخطر لا إلى النفور والضغينة .
وهكذا يستمر الشعر متدفقاً ومتبخترا في يومه العالمي ومن حوله أحباءه يمدونه بأسباب البقاء والأزدهار , وحتى لا يضيع الوقت هباءً في حضرة الشعر كان عازف العود " بشير الغريب " الذي ما رفض طلبا لتأثيث أماسى الفرح بألحانه , كان حاضراً بموسيقاه وتوقيعاته الشجية ليملأ الفراغات ما بين القصائد ولتعمل نغماته كخلفية باذخة لها , فما ان تفرغ إحدى الشاعرات من إلقاءها حتى يعلو النغم ويتألق العود .
كأي امرأة تتجمل للمرآة
وحين تقتفي أحلامها
تكتحل بكحل الصبر
عند بزوغ السراب .....
تسكب في صحراء الوجد دمعها
سماً زعافا لذكريات أهلكتها .
مطلع قصيدة أخرى قرأتها الشاعرة على جمهور متعطش للشعر ما انفك يعبر عن إعجابه بالصور والألحان التي تنثال أمام وتمر على ذائقته .
النص التالي هو نص " لا تبتئس " الذي جاء معبرا عن شجون الشاعرة بموسيقاه الخفيفة , ذلك انه امتثل كبعض النصوص السابقة له للوزن ونحت كلماته نحو القافية , الأمر الذي اضفى على القصيدة شيئا من الخفة واللطافة المطلوبتين في كل الأحوال :-
لا تبتئس
فمسرح العرائس الذي ورثته مليء بالدمى
ستجد كل ما تأمل فيه
الطفولة بمرح وضحك بريء
الكهولة بوجع جريء
العجائز فاغرات الثغر
تتساقط أسنانهن ......
لا تبتئس فكل دموع عرائس الشعر تعبأ في قوارير السعادة .
وعند هذه النقطة من الأصبوحة تصل الشاعرة إلى نص " الأسود يليق بنا " وهي الجملة المحيرة والصادمة التي نحتتها الشاعرة لتفاجئنا بها قبل أن تبررها , لماذا يليق بنا الأسود؟ . . لأن :-
الغيم أسود يستغول فوق السفح
السماء سوداء ملؤها سحب عقيمة إلا من الموت
نفقأ مرّراة الأرض
الحقد المتناسل في ضمائر شياطين الحري
يرفع رايته السوداء يهيم كالدراويش في الحضاري
الدخان أسود يكمم انوف البريئين
سواء كالثعابين
كلثام فدائي زجه الخوف إلى النار
فأصبح رمادا أسودا
القلوب سوداء سوداء
لا نجد بينها من ناصع بياضه
الحقول سودها بياض المحاصيل
الدرب ظلمة ليل وانطفاء قنديل
والثوب في الحزن أسود
فلا لون غير هذا اللون يليق بنا
الأسود يليق بنا .
وكأن الشاعرة إذ تختتم قصيدتها تقول لنا نحن الذين نستمع لشدوها الحزين , هل عرفتم بعد كل هذا لماذا يليق بنا الأسود لون الخراب ولون التشاؤم , وبتكرارها للفظة أسود بأشكال مختلفة في القصيدة يستطيع المرء أن يدرك الأسباب التي دفعت الشاعرة إلى امتشاق القلم وكتابتها إذ لا بد أن واقعا مرأً فرض رسمها بحبره القاتم .
مر الوقت سريعا إذ انساب الشعر في دقائقه وثوانيه, الشعر الذي تأكد بما لا يدع مجالا للشك أنهُ يصلح للصباح كما يصلح للمساء ولا فرق بين أصبوحة وامسية طالما أن الشعر يؤثثها ويرافقها .
وبعد فسحة موسيقية هادئة قرأت الشاعرة حنان محفوظ قصيدتها " قصيدة ليست لي " ومنذ العنوان كأن الشاعرة تتنصل من القصيدة وتتبرأ مما ستقوله لاحقاً غير أن القصيدة تأبى إلا أن تُنسب إلى قائلتها فتعكس مشاعرها وتقول أشجانها , أو لعلها تلوم هذا الغير مسمى على تقصيره الشعري في يحقها .
ككل الكلام المنمق في العيون
كتبتُ للغريبة هذا الهراء
ومسحت عن وجهي كل ملامح البلاغة
تؤجج في السماء نارا تحرق قمري
أين أنا
منذ عمر
طويل
قصير
لا أدري
منذ عمر شوّه السديم روح القمر
أحرقت الغريبة لغة السماء
سماء تتلون بلون عيونها
كلما مر لون كان لونها
كلما مات لون كان لونها
ماتت الكلمات في حلق الحياة
هذه قصيدة ليست لي
أنتزعتها الغريبة من بلاغة لسانك
فاحترقت غيوم السماء .
يستمر انهمار الشعر عذبا سلسبيلا ونرهف السمع لتطالعنا صاحبة ديوان زهرة الريح بكلامها المنمق الذي يقول :-
كي لا يسمعني أحد
أضع يدي الني صافحتك يوما عل ثغري
أخفي أثار بهجتي كي لا أفقدها
كي لا يراني أحدا أرتدي لونا لا يليق بحضرة الحزن.
وفي نصها ما قبل الاخير الذي حمل عنوان " عاصفة " تبوح الشاعرة :-
طويت الشراع وراء الشراع
ولم يسكن الحلم ولم تنم الرياح
عاصفة مدت يدها
فأبى السكون إلا احتضانها .
ليكون الختام مسكا مع هذه الومضة عالية الحمولة من الشعر ومن الموسيقى الخافتة التي لا تترك مجالا للمنصت كي يسهو أو يزيغ ولا فرصة لعدم الانتباه إذ لا بد من ان يصغي بكامل حواسه لهكذا شعر مموسق ومليء بكل ما هو مبهج وشهي وعذب إذ تنشئ قائلة :-
هذا هو الالم الحزين ما أثقله
فرح بلا شمع بلا نور ما أبخله
أوكلما آنستُ فرحا جاء حزني جلله
وأنا لي دمعا جارفا وحبيب عازف يملأني بالأسئلة
فكيف ألتقيك
وكل زادي مُكحلة .
حدث هذا الذي قصصناه عليكم وما تلاه في غياب مكبر الصوت الذي خذل المنظمين للنشاط فكان ضروريا أن يرهف المرء سمعه لألتقاط ما تناثر من دُرر وأنغام حتى لا يفوته شيئا , كان لا بد ان يشحذ حواسه ويستنفر مشاعره كي يفوز بالشعر في يوم الشعر .
وحتى تكتمل باقة الجمال باجتماع كل مقوماتها من البهجة والضوء , أنطلقت الشاعرة هناء المريض في إلقاءها و وبعكس الشاعرة السابقة كان الشعر جريئاً وحماسيا والإلقاء صادحا وواثقا وجهوريا حتى يتناسب مع محتوى القصائد التي بدأتها بقصيد لا يذهب إلى هنا أو هناك وإنما اتخذ من ذات الشاعرة مركزا ومحورا ظلت تدور حوله الصور والذكريات والمشاعر , وفي هذا النص المتفوق الشاعرة وعلى غير العادة , قدمت نفسها للمتلقي بطريقة شعرية وسردت بعضا من سيرتها عبر القصيدة , ومن خلال القصيدة ذاتها يستطيع المتلقي أن يتعرف إلى ما تؤمن به الشاعرة من أفكار وما تحمله من مبادي بل انه سيتعرف إلى عمرها البيولوجي والشعري - إن جاز التعبير – والأرض التي انبتتها وشهادتها العلمية التي تحملها , وغني عن القول أن القصيدة اكتظت بالصور الشعرية الرائقة ولم تنقصها الجرأة في طرح الأفكار و التي تعززت بقولها – هي التي تعود أصولها إلى إحدى المناطق الجبلية – كافٍ هذا لأن يهبني صلابة الزيتون , وهي الجملة الشعرية القابلة للتأويل داخل سياقها وخارجه .
وبين استحسان الجمهور للشعر وتعبيره عن الإعجاب ببعض الكلمات المشجعة وبالتصفيق تساقط الشعر رطبا جنيا فاستمعنا إلى القصيدة اللاحقة وهي مثل أغلب قصائد هناء المريض لا تحمل عنوانا , إذ يبدو أن الشاعرة في خضم الكتابة تتجاهل العتبات لتلج إلى العمق مباشرة وتذهب إلى الهدف قدما فتتغنى :-
أنا هو الوجع الذي يعقب
مسوغات خيانات النساء المتزوجات
جميعهن يتفقن على حجة الغربال والماء
فيستحلن الوفاء جسدا ويطعن
أنا هو الصمت الذي يعقب شرح المومسات وجع صفعات الحياة
فقر اللصوص
لاءات الخائفين وخطيئة العاشقين
معاناة المقارنة في وجه يتيم
نظرة العري باستغراب الرداء
حلم الخمر أن يكون نهرا في الجنة
أنا هو الصمت يا رفيقي الواقف عند اللا معقول إلى أن يُعقل .
وإذا ما انطلق الشعر فلن يتوقف دفقه قبل أن يتيه ويتكبر وينتشي في يومه العالمي المرصود , وهذه قصيدة اخرى لا تأتيها الهشاشة من بين يديها ولا من خلفها وفيها تحدد الشاعرة مواصفاتها لمن أراد أن يفهمها ويتعرف إليها عن قرب , لمن يهمه أن يراها بعين الحقيقة الدامغة .
أن الكافرة بالبدايات
الأعتراف الذي لا تفتأ تنكره
ونهاية كل الطرق المؤدية إليك
أن هي التي ليست كباقي النساء
أبوابي المشرعة لمن شاء البقاء والرحيل أيضا
لا أنصب فخاخا
ولا أريدك ان تقع بي
أريدك مدركا آتياً صوبي بعينين مفتوحتين كمترصد لهدف .
وتنوع الشعر وتمدد هنا وهناك سوى أن ملمح تناصه مع القرآن الكريم كان واضحا في بعض الجُمل التي أدخلتها الشاعرة على القصائد, فهي تقول مثلاً :-
والشوق دس صواعه في رحالك , إلى أن تقول قُدَ قميصها , قبل أن تضيف , تركت قلبي بوادٍ , و أشعله صلصالك , و ألقيت في يمهم تابوت , في كل الجُمل السابقة تماس صريح مع القرآن الكريم واستثمار لثرائه اللغوي ونهل من معينه الذي لا ينضب , وهي حيلة تنبه إليها الكثير من شعراء العربية فكتبوا شعرهم ورسموا صورهم ولونوا لوحاتهم بالأستناد إلى إعجازه اللغوي وبلاغته الصافية .
وفي كل ما قرأت الشاعرة امتثلت العبارات للقافية ونحت نحوها إلا فيما ندر , وهذا وافق تماما نبرتها الحماسية والمتحدية لا سيما في قصيدتها الأفتتاحية التي كما قلنا قدمت فيها نفسها للقارئ بطريقة مبتكرة وغير تقليدية .
بيني و أياه
مجرات قمح وبيادر شوق وأسباب للعشق جمة .
وهذا مطلع قصيدة أخرى عنوانه " هودج نور " قرأتها الشاعرة .
واستمعنا إلى هذه الومضة الشعرية :-
أحتاج العودة إلى بضع سنين ونيف
إلى طفلة لا تعي أن الحب زيف
أن الفرح ضيف
أن الأروع طيف
وأنه لا ثمة للوجع موسما , فهي تمطر ذات صيف .
قرأت الشاعرة بعد ذلك نصاً قديما كتبته عندما كانت في سن التاسعة عشر وهي تتقبله كما هو بضعفه وهشاشته التي هو عليها كما قالت وإلا لما قرأته بفخر , ولا غرابة أن كانت البدايات متعثرة .
ولن تتوقف الشاعرة عن الكلام الشفيف قبل أن تفرغ ما في جعبتها منه , ولن تكف عن اجتراح الشعر حتى ينصاع لقريحتها .
أكتب لعل الحرف
يهدي هذا الضليل الكفيف الطريد .
وقولها هذا يحيلنا من حيث ندري أو لا ندري إلى أمرؤ القيس الشاعر الضليل وإلى أبو العلاء المعري الشاعر الكفيف رهين المحبسين وإلى الشنفرى الشاعر الطريد المغضوب عليه من قومه وأمثاله من الشعراء الصعاليك .
ومع نص بعنوان " قبلة " يكون الختام على أمل الألتقاء في مناسبات قادمة ومسرات موعودة وبهجات طفيفة يتيحها الشعر كل مرة .
هذا فيما يخص الفترة الصباحية من النشاط التي خُصصت للشعر وما قرب إليه من قول أو عمل وفي ذات السياق واستكمالا للخطة الموضوعة التئم شمل المثقفين من جديد في الفترة المسائية بذات المكان – دار الفنون – حيثُ انطلقت أعمال الندوة المصغرة التي خُصصت لتناول تجربة الشاعر الراحل علي صدقي عبدالقادر .
أفتتح الكاتب حسين المزداوي المنشط بكلمة قصيرة عرّجَ فيها على شيء من سيرة الراحل قبل أن يتحول الأستاذ ابراهيم حميدان إلى المنبر ليقرأ كلمة الجمعية الليبية للآداب والفنون التي اعدها مشكورا الأستاذ أمين مازن بمناسبة اليوم العالمي للشعر , وفيها ذكّرَ الكاتب بأهمية الشعر والتواصل ما بين الاجيال والدور الذي لعبه الشعر على الدوام في مناصرة قضايا الوطن والإنسان والأنتصار لقيم الخير والمحبة والحرية والجمال والتسامح .
الورقة الأولى بعنوان " الشاعر الطفل الذي يشرع الباب " كتبتها الشاعرة والباحثة حواء القمودي وفيها حشدت بأسلوبها الذي تماهى مع الشعر وغلبت عليه الشفافية والعذوبة الكثير من التحليلات لشعره ولمواقفه الوطنية والنضالية وتطرقت إلى علي صدقي عبدالقادر الإنسان الذي كان امتدادا لشعره بشكل من الأشكال أو كان شعره الإنسانيّ امتدادا له , لا فرق فكلاهما يُكمل الآخر حيث الحب والخير والجمال والانحياز للحياة أمور لا يخلو منها شعره , كما لا تخلو منها شخصيته كل الوقت , إذ لطالما ردد الشاعر جُمله الأشهر والأثيرة على قلبه " يحيا الحب " و " يعيش الشعر " أو " سنلتقي بعد مليون سنة " .
الباحثة تحدثت باستفاضة وبرصانة عن ريادته لقصيدة النثر في ليبيا وعن خروجه عن السائد في الشعر مبكرا في هذه الأرض ولم تنسى أن تتحدث عن المشهدية التي حفلت بها قصائده وعن كتابته عن الجسد " وتحديدا جسد الأم وحضورها الطاغي والفاتن " وهي ملامح لم تكن واضحة في الشعر الليبي حتى ذلك الوقت وخلصت إلى أن بصمته واضحة وأكيدة في تطور الشعر الليبي وبين هذا وذاك من التحليلات قرأت الباحثة ما تيسر من شعر الراحل واستحضرت ما يؤيد أحكامها الي خلصت إليها , غير أنها في كل ما استعرضت قامت برصد أهم ملامح التجربة الناجزة والمكتملة التي انحازت لمشروع الحداثة واعتبرت في ورقتها التي اختصرتها امتثالا لضرورات ضيق الوقت أن الشاعر الراحل بأشعاره الغزيرة وبقفزاته الشعرية المحسوبة بل بمغامراته الغير مسبوقة , أعتبرته الشاعر الذي شرع الباب ليدخل كل من جاء بعده من الشعراء الليبيين إلى براح الحداثة والتغيير .
الشاعر رامز النويصري من جهته في دراسته التي اعدها تحدث عن بناء القصيدة لدى الشاعر وأحال إلى النسق الشكلي الذي كتب وفقا له وبيّنَ أهم ملامح لغة الشعر وتركيباته ودلالاته , وبكلمته المختزلة والمليئة بالمقاربات النقدية الرصينة رصد الباحث تحولات علي صدقي عبدالقادر الشعرية وانتقاله السلس والواعي إلى ما عُرِفَ لا حقا بقصيدة النثر وأساليبه التي اعتمدها في ذلك .
وكعادته مدير الندوة الأستاذ حسين المزداوي كان يستغل الفواصل ما بين الورقات النقدية ليسرب بعضا من أرائه حول الشاعر الذي شغل الناس بشعره وبإنسانيته و استحضار ما يعرفه عنه من حقائق حيثُ أشار إلى مجلة شعر اللبنانية حاملة لواء قصيدة النثر في بداياتها ستينيات القرن الماضي مع مؤسسيها يوسف الخال وأدونيس وشوقي أبو شقرا وغيرهم أشار إلى هذه المجلة فقط ليخبرنا بأن علي صدقي عبدالقادر هو الشاعر الليبي الوحيد الذي نشر فيها أشعاره .
الشاعر خالد درويش صاحب الورقة الثالثة والذي يمتلك ارشيفا مهما عن الشاعر , صوره وقصائده المكتوبة بخطه والمقالات التي كتبت حول شعره واستعرض علينا بعضا منها وكان يأمل أن يتم عرضها بجهاز العرض المرئي سوى أن الظروف لم تسمح بذلك , خالد درويش الذي يعد كتابا موضوعه الشاعر علي صدقي قرأ ورقة قال أنها جزء من الكتاب تحدث فيها عن علاقته المباشرة بالشاعر , تحدث عن طيبته وابتسامته وتواضعه وتواصله السلس مع المحيطين به والمعجبين بشعره , تحدث عن تلبيته للدعوات التي توجه له لحضور المناسبات الثقافية المتنوعة دون استثناء ودون تمييز , خالد درويش الذي رافق الشاعر في عدة رحلات داخل ليبيا وخارجها حكى عن حضوره الذي يبث البهجة في المكان واسترجع بعضا من الذكريات الجميلة بهذا النص الحميمي الذي حمل من الحب الشيء الكثير للشاعر ورسم للشاعر ما يشبه البورتريه الشخصي المتكامل , الشاعر الإنسان الذي كان نسيج وحده كما يقول الباحث .
الكاتب امين مازن من مقعده مع جمهور الحاضرين تدخل بعد انتهاء الباحث من قراءة ورقته ببعض الملاحظات التي تخص مسألة ريادة الشعر الحديث في ليبيا وفض ذلك الألتباس ما بين نسبتها لعلي صدقي أو لعلي الرقيعي .
الورقة الاخيرة في الندوة قُدمت من الدكتورة فريدة المصري وأعطتها عنوان " الكلمة والشعر في قصائد علي صدقي عبدالقادر " ومن خلالها وقفت على أهم دلالات أشعار وكلمات الشاعر الراحل , وفيما استثمر الشاعر قوة الكلمة التي كان يؤمن بها وسخرها لمواجهة الواقع الغير عادل ولمجابهة المستعمر وكافح بها كل أشكال القمع ونادي بها إلى الحب , وفي سبيل تقريب فكرتها حول الكلمة لدى الشاعر ألقت الباحثة حزمة من الأشعار التي تعود له قبل أن تنوه إلى رسالة ماجستير عن شعر علي صدقي عبدالقادر ستتم مناقشتها الأيام القادمة بجامعة طرابلس تحت إشرافها .
وعند فتح باب النقاش والحوار أدلى بعض الحاضرين بملاحظاتهم وارائهم القيمة وعند نقطة معينة تحول النقاش من جلسة رسمية إلى حديث تغلب عليه العفوية , خاصة مع الحكايات والمواقف الطريفة التي سردها الأستاذ ابراهيم حميدان وكان الشاعر الراحل علي صدقي عبدالقادر طرفاً فيها .
*************
ناصر سالم المقرحي



قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا