أضيف في 19 مارس 2018 الساعة 21:30

تداعيات


المصطفى سالمي
انسابت الذكريات كالسيل الجارف، لقد مر وقت طويل حين كان (محمد) طفلا يجمع النقود المعدنية التي يتحصّل عليها في الأعياد الدينية من الوالد ومن الجيران، ويجمعها في حصالته الخشبية حين كان الجار ـ في ذاك الزمن الجميل ـ مثل الوالد، يجود بالمال وبالنصح والإرشاد والتوبيخ إن اقتضى الأمر. كانت أخت (محمد) التي تكبره بعامين تشتري وقتها بما تُعطَى من عملة نقدية حلويات ولفافات حبات فستق، وفولا مسلوقا وغيرها من المشتهيات، في حين كان (محمد) يمنّي النفس بأن يدّخر ويجمع مبلغا ماليا يمكنه من شراء سروال أو قميص لائق بدل هذه الملابس التي بها عاهات وعيوبا فاضحة، والتي ترقعها الوالدة مرارا وتكرارا، كان الجيل الذهبي لذاك الزمن لا يلتفت إلى الملابس ومدى رقيها، فالعوز والحاجة عملة رائجة في بلدته وقتها قبل مدنية اليوم، وحتى لو التفت هؤلاء وتفحصوا وعاينوا فلن تطيش سهام التجريح من البعض اتجاه البعض الآخر، تلك أيام لا تُنسَى لفّها الزمن وبقيت الآثار شاهدة عليها، وها هي الذكرى البعيدة تنساب كأنها الحاضر، وها هو الوالد يبدو ـ على غير المعتاد ـ بملامح كئيبة حائرة، وهو الذي لا تغادر البشاشة والبسمة محياه، إنه يفكر كيف يتدبر لوازم السوق الأسبوعي من خضر لا مناص من شرائها، فلم تترك له هذه الأيام الصعبة إلا قنينات زجاجية فارغة، وأكياس دقيق مطوية ترهلت وارتمت في زوايا دكان البقالة الصغير، والذي كان في يوم ما مطبخا حوّله الوالد إلى وسيلة لتدبر العيش الحلال، بأن أغلق بابه الداخلي الذي يفضي إلى فناء الدار، وفتح الجدار إلى الخارج ليصبح المطبخ متجرا للمواد الغذائية، وها هو (المعلم الزيراوي) يملي على الوالد نصائحه بأن يبلّط فناء البيت بالزليج "البلدي" بعد إقامة أدراج من الحديد والإسمنت عوض السلم الخشبي الذي كان يشكل خطرا على أهل الدار حين كانت تصعد عليه الوالدة لنشر الغسيل، ويتبعها و(محمد) وأخته (السعدية) يتسلقان كنسناسين سلالم متهافتة لا أمان فيها. كان (الزيراوي) البنّاء يفكر حقا في إصلاح حقيقي للبيت، ولكنه كان يفكر أيضا في مستحقات إضافية سينالها جراء هذه الأشغال، وقد كلف كل هذا مبالغ لا يستهان بها...
لم تطل حيرة الأب كثيرا، فقد التمعت الفكرة في أذهان الأم أيضا، إنها الحصالة الخشبية لـ (محمد)، هي الحل الذي لا محيص عنه، هجم الوالد عليها هجوما شرسا مدعيا أول الأمر أنه سيقوم بعدِّ النقود وتحويلها لورقة نقدية، فقد امتلأت العلبة الخشبية وما عات تتحمل وضع مزيد من القطع المعدنية بداخلها. كان الصغير يرقب أباه وهو يفتح الحصالة بملقط وكأنما يعبث بأحشائه الداخلية، وشرعت الأيدي تعمل عدا وإحصاء: ثلاثون، أربعون، تسعون، تسعة وتسعون ريالا، ووعد الأب ابنه بأن يعطيه ورقة نقدية من فئة خمسة دراهم، ولكن ليس الآن، ومخافة أن ينفجر الصغير بالبكاء أو تكون ردة فعله غير محمودة العواقب، فقد وعد ابنه بأن يشتري له بدلة جديدة بضعف هذا المبلغ، أو ربما أضعافه...
انطلق الأبوان نحو السوق الأسبوعي في هذه الأيام المفعمة بالروح الوطنية عقب انطلاق المسيرة الخضراء نحو الصحراء المغربية، كانت الأعلام تزين الشرفات والبنايات لمدينة (سطات) التي تمثل ممرا رئيسيا بين مدينتي الدار البيضاء ومراكش، وما كاد ينتصف النهار حتى عاد الوالد بقفة كبيرة ملآى بالبطاطس والجزر والبصل والطماطم واليقطين وغيرها من الخضر الطرية التي تجود بها سهول (الشاوية) المعطاء، وكانت هذه القفة الضخمة كافية لأسبوع كامل، وأما اللحم فالبركة في القديد المتبقي من أضحية العيد وبعض شحومها التي تمّ تيبيسها على شمس غشت الحارقة ملفوفة داخل أطراف معدة الشاة...
تمر الأسابيع وتخف وطأة الضغط المادي عند الأب بعد أيام من الرواج التجاري المربح، والذي مسح آثار البناء الذي اكتملت أشغاله، وأصبح داخل البيت مشرقا جذابا، وتناسى الصغير أمر النقود التي جمعها واذخرها طيلة أيام عديدة، بل لم يعد أصلا يذّخر نقودا، فوعود الليل يمحوها النهار، وأخته (السعدية) حظيت بملابس العيد مثله، بل كان فستانها أكثر إشراقا من سروال (محمد) الجديد، لقد حنق الصغير على أيام الحرمان التي كان يضع فيها القطعة النقدية فوق أختها، ويحركها في حصالته ويستمتع برنينها، بينما أخته تنعم بالحلويات المختلفة المذاق، في طفولة أحلامها ومذاقها لا يزول أبدا من الذاكرة مهما تمر السنون وتتعاقب الأيام. سلوان (محمد) الوحيد أن يقنع نفسه حين كبر بأنه ساهم بالتخفيف عن الوالد الذي حلت الابتسامة محل تقطيب الجبين وهو يفكر كيف يتدبر أمره، إلى أن كانت الحصالة هي الحل!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب