أضيف في 18 مارس 2018 الساعة 20:12

المدرسة، فسحة للتفكر ج2 ترجمة


نورالدين البودلالي
انشغال المربي بالانتباه
وهكذا –وعلى الرغم من العمل السيزيفي لعدد من المدرسين والأطر التربوية- يهيم جزء كبير من التلاميذ على وجوههم بمساحات غير متمايزة، وقد انطبق جهاز التحكم عن بعد على عقولهم، غير قادرين على تركيز انتباههم طويلا... في مواجهة هذه الظاهرة، يبلور الراشدون أربعة أنواع كبيرة من السلوكات. هناك، أولا، مربون يحاولون تقليل الأضرار بالحث على المتفاني في العمل: هؤلاء يطبقون ما يمكن تسميته ب«بيداغوجيا النادل». إنهم يحيطون علما بحجم التشتت والانفرادية المعممة و، بعدما يحالون من جديد تقديم التمرين للفصل بكامله، يركضون من طاولة إلى أخرى، ومن تلميذ إلى آخر، ليعيدوا على مسمع كل واحد ما قالوه لكل القسم، يعيدوا آخر للعمل، ويذكروا الآخر بضرورة فتح المقرر، ويفيقوا الثالث الذي يغفو قبل أن يوقفوا الرابع المنشغل بهاتفه النقال. بطبيعة الحال، لن يتأخر عنه الارهاق... لهذا السبب يتحول هؤلاء الراشدون إلى نوع ثاني من السلوك: الإنذار المنهجي. هم يميلون إلى نوع من التفكير السحري، فيعتقدون أن التفوه ببضع كلمات – المغرية أو الغاضبة، مهددة أو المتوسلة- كافية لرد المجموعة إلى وضعية الانتباه ليلتم ذهنهم حول مشروع التعلم... للأسف يفشلون في محاولاتهم هاته مرة أخرى! لهذا السبب، من دون شك، تأتي الرغبة سريعا لتغيير الأهداف المدرسية إلى شروط مسبقة للتمدرس طمعا في تبرير الاستقالة أو الإقصاء. الواقع إنها عملية سهلة لعكس ترتيب العوامل: بما أن المدرسة لا تستطيع التربية على الانتباه، فما عليها إلا أن تضع شرطا مسبقة للولوج إلى المدرسة وتعلن، بصوت منخفض، «لا يدخل المدرسة من انتفى فيه شرط الانتباه». من المسلم به أنه مادام التمدرس إلزاميا إلى حدود السادسة عشرة سنة، فلابد من إيجاد حلول مقبولة: هذه الحلول تسمي التوجيه نحو الأقسام الخاصة، وبرامج الدعم أو المصاحبة، العمومية أو الخصوصية، و، بطبيعة الحال، وبشكل سريع، توجيههم نحو المصالح الطبية الأكثر أو الأقل تقدما... بذلك تنمي المدرسة –تحت غطاء الفردانية- عملية طرد مركزي، محدثة بمركزها حالة كآبة –مشغولة أساسا بأنشطة تقويمية- وتبعد أكثر فأكثر الذين لا يعرفون مسبقا إنجاز ما هو موكول منها أن تعلمهم إياه.
يبقى الطريق الصعب للبيداغوجيا. صعب لأنه، سواء بالنسبة للانتباه أو مجموع القضايا التي تحيل على التعلم ونمو الفرد، تبقى الامكانية المحتملة الوحيدة هي التي صاغها روسو في كتابه إيميل: «أيها المدرسون الشباب، أعظكم بفن صعب: أن تفعلوا كل شيء دون فعل أي شيء». حقا، لا يستطيع رجل التربية فعل شيء بالتأثير مباشرة على الفرد: لا يستطيع أي مربي إجبار أحد على التعلم أو أن الانتباه، سوى أن يشيّد بالموازاة مع انتباه الآخر علاقة خضوع لا تتساوق جذريا مع الانخراط الضروري للإرادة والتأهب العقلي المطلوب لتحصيل المعرفة المناسبة. لهذا السبب لا يمكن للمعلم، بل، ولا يجب عليه منافسة وسائل الاتصال في تملك نفسية تلاميذه: على العكس من ذلك تماما عليه تدريبهم على الممارسة الحرة للانتباه و، بالتالي، مقاومة كل أشكال التملك... لكن إن كان رجل التربية غير قادر على التأثير المباشر على وعي التلميذ و«إثارة» انتباهه، فعليه «القيام بكل ما يستطيع»، كما يقول روسو، لجعل الاستثمار المتعمد لفردٍ حيال موضوع معرفي ما أمرا ممكنا. ونقصد ب«القيام بكل ما يستطيع» توفير الشروط إيجابية جدا لكي يوجه التلميذ وينمي انتباهه بشكل مستقل حتى ينخرط في تفاعل عميق ومثمر مع الآخر كما هو الحال مع الأعمال الثقافية التي ستنمي ذكاءه وحساسيته.
إنها المفارقة البيداغوجية في أجلى صورها: 1) لا أحد يمكنه التعلم أو النمو مكان آخر؛ 2) لا أحد يمكنه أن يتعلم أو ينمو لوحده؛ 3) كل فرد، لكي يتعلم ولكي ينمو، في حاجة لتوفر ظروف مواتية يكد المربي باستمرار لتحضيرها وإغنائها. وبعبارة أخرى: 1) يمكن كل كائن أن يتعلم وينمو: وهذا هو مبدأ القابلية للتربية الذي يسمح لنا بتجنب الاستقالة وأن ندفع القدرية؛ 2) لا يمكن لأحد أن يتعلم وينمو عوض آخر: إنه مبدأ الحرية الذي يجنبنا السقوط في الترويض؛ 3) لم نتوقف أبدا في إعداد الظروف المواتية المساعدة على تعلم الفرد ونموه: إنه مبدأ المسؤولية الذي يغذي التزامنا وابتكارنا في المجال البيداغوجي.
العدة التربوية والتكوين على الانتباه
حينما نتمعن عن قرب مقال «انتباه» لصاحبه ميشل ابريال ، الصادر بقاموس البيداغوجيا والتعليم الابتدائي لفيرديناند بويسون ، نجد أن الانتباه يعرف بكونه «توجيه كل القوى العقلية نحو موضوع واحد»: فالتلميذ المنتبه «يركز كل قدراته» ليستمع للفرض، أو يقرأ نصا أو ينجز عملا، و، لهذا السبب، لم تعد «الدعوات المتكررة للانتباه كافية البتة». وعليه فالمعلم مدعو لتحديد علامات عدم الانتباه، دون أن يتعب نفسه كل مرة في شجبها: إذ أن «آذان التلاميذ تتعود بسرعة على الأصوات العالية التي لم تعد، حينها، تفيد في شيء». بالمقابل عليه أن ينشئ مجموعة طقوس بيداغوجية تطبع مسار الصف وتسمح، في كل مرحلة، بتحديد السلوك المرتقب: «من الضروري أن توجه الأسئلة للقسم برمته: وهكذا يضع المدرس أولا السؤال، ثم يترك الوقت الكافي للإيجاد الإجابة، وبعدها يعين التلميذ الذي سيجيب.» لن نفي التعبير حقه –لأساتذة اليوم بالخصوص الذين يتخوفون من تشتت الانتباه في لحظة صمت- عند وصف كم هي حاسمة هذه «اللحظة» لانبثاق الفكر... وفي تنظيم الأنشطة نفسها، يدعو بريال إلى التفكير في أفضل السبل لتعزيز التعبئة: هكذا يعكس الكثير من البديهيات: «نبدأ بأصعب التمارين وننتهي بالذي يتطلب جهدا أقل»، حتى لا يضعُف انتباه التلميذ في أسئلة لا قيمة لها ويستطيع، منذ البداية، أن يستثمر جهده في مسائل يدرك أهميتها، ما دام أنه غير متعب. وفي الأخير يشير بريال إلى أن انتباه التلميذ يتعبأ بسهولة أكثر كلما «كان المعلم سيد عمله، إذ كل إهمال منه سيكون له بالتأكيد عواقب على التلميذ»: «في اللحظة نفسها سيكتشف، وبالتعاون مع لتلاميذ، قواعد الحساب والنحو التي يدرسها للتلاميذ.» ما الطريقة الأفضل للقول أن الانتباه ليس مسألة ضغط، ولكنه استعداد في التعلم عن رغبة وتقاسم متعة الفهم؟ ما الطريقة الأفضل للتأكيد على أن العلاقة التي يتداولها المعلم مع المعرفة هي التي تشكل نقطة السند المؤسسة لانتباه الآخر؟ فهنا بالضبط، فيما يشكل رهانا بالنسبة للمعلم نفسه، حين يجعل من نفسه باحثا عن وفي معارفه الخاصة، يتبين للتلميذ أن المعرفة مغامرة تحقق إشباعات عديدة محتملة، وأنها تتطلب التزاما وجهدا من شأنهما أن يجلبا، في نهاية المطاف، المزيد من الارتياح الذي يضاعف التضحية التي يقدمها في الوقت الراهن. فهذا التلاقي هو منبع الانتباه العميق، وهو الذي يسمح بتفادي عدم الانتباه وأيضا ما يسميه ألان «الانتباه المعقود»، الذي «يشل الفكر (كما تفعل دوما المفاجأة أو التأثر)»، حين تخنق الدهشة التأمل.
لا ننسى أن ألان بلور «نظرية في الانتباه الفكري» التي، على الرغم من الإيجاز في تطويرها، تستحق النظر إليها عن كثب . فهو يميز بين ثلاث أنواع من الانتباه: «الانتباه الوجداني» (الذي تخلقه الدهشة، «عند ولادة كل انتباه، لكن يجب التغلب عليه»)، «الانتباه النشيط، أو بالأحرى العامل»، كما يقول ألان، والمتعلق بالفعل (بما فيه الفعل اللعبي) الذي نرغب كلية -وبشكل مهووس تقريبا- إنجازه كاملا، و «الانتباه الفكري، الذي تجب مراقبته دوما، وعليه يجب أن يربى الطفل». هذا «الانتباه الفكري يتجاوز، في نفس الوقت، الانفعال والحاجة للفعل»، إنه تمرس على التفكير، «التحليلي، والمنظم، والبناء»، كما يقول ألان، الذي يجد رضاه في امتلاك وبلورة نماذج ذهنية تيسر فهم العالم.
تدرج من هذا النمط لايزال اليوم ملائما وهو يتجاوب مع طروحات فيجوتسكي –التي يتأكد اليوم على نطاق واسع مدى فاعليتها السيكولوجية والبيداغوجية -. نعلم أن هذا الباحث، الذي توفي سنة 1934، قد أسيء فهمه لمدة طويلة نظرا لهيمنة بياجيه شبه القدسية بشكل كبير الذي أكد على الطابع الذاتي للنمو وأهمل بإصرار العوامل الخارجية والقوى المؤسسة لآليات التعلم . أما فيجوتسكي فيقترح تصورا نمائيا يمفصل ديناميكية الفرد الداخلية مع التعلمات المقترحة عليه وتشكل، في لحظة معينة، دعما أساسيا لنموه: يقول «كل وظيفة نفسية عليا تظهر مرتين خلال نمو الطفل: أولاها باعتبارها نشاطا جماعيا واجتماعيا، وبالتالي بوصفها وظيفة بين-نفسية، و، الثانية باعتبارها نشاطا فرديا، وخاصية داخلية لفكر الطفل، وبالتالي بوصفها وظيفة داخل-نفسية» . المرور من البين-شخصية إلى الداخل-شخصية –مما يستطيع الطفل فعله بمساعدة الراشدين إلى ما يستطيع فعله لوحده- يتحقق فيما يسميه فيجوتسكي ال«منطقة الدانية من النمو»«zone proximale de développement»: ومن ثم يرى أن «التعلم الوحيد الحقيقي فعلا هو الذي يسبق النمو ويجعله ممكنا » .
أما يتعلق أكثر بالانتباه، وضح فيجوتسكي بدءا أنها «وظيفة أساسية» -متأتية على نضج عضوي- ومن الضروري أن تكون موضوع عمل تربوي خاص يحولها إلى «وظيفة نفسية عالية»: لتحقيق ذلك، ينبغي تقديم الدعم للفرد يستند إليه في أول الأمر، ليستطيع، في فترة لاحقة، التحكم في نشاطه الانتباهي . الحقيقة أن الطفل في حاجة إلى وساطة منظمة يستدخلها بالتدريج وتمكنه من التأثير على نفسه: بذلك يحول موارد السياق إلى أدوات سيكولوجية في إطار عمليات للمراقبة والاستقلالية حيث يكون دورُ المربين والوضعيات التعليمية التي يعيشها محددةً بشكل مصيري. وفي هذا الاتجاه يؤكد فيغوتسكي على الدور الجوهري لل «علامات» (رموز، خطاطات، بطائق، خطط، وغيرها) ويشدد على أهمية لغة الراشد، الذي يعتبر الوساطة الحاسمة التي يمكن للطفل أن يعول عليها لينمي نشاطه السيكولوجي الخاص...
على ضوء هذا التصور، من الواجب أن نسائل كل بيداغوجيا عن ال«صرامة اللغوية» التي أبانت عليها. الواقع أنه لا يجب أن تتناثر لغة المعلم في خضم الثرثرة -حتى وإن كانت خيرة-، على أن يقترح دعامات بارزة بما فيه الكفاية وصلبة، وأيضا دقيقة وقادرة على شد الانتباه حتى يكون للتلميذ إدراك مستقر يرتكز عليه نشاطه السيكولوجي الخاص. أن تكون للمعلم لغة منظمة، أن يزيح كل التباس أو تقريبية، أن يستعمل وحدات دلالية مميزة ومتماثلة تماما، أن يتجنب الأوامر الزجرية المتكررة دون عواقب كمناجاة تلميحية ممنهجة... هذا، في الواقع، أقل شيء مطلوب ممن تتطلب منه وظيفته، أكثر من أي شيء آخر، معرفة «ما يعنيه التكلم».
من ثم، تفرض الضرورة المطلقة وضع التكوين على «الصرامة اللغوية» في قلب كل تكوين أساسي وتكوين مستمر يستفيد منه المربون و، على الخصوص، الأساتذة. نفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لبناء وضعيات تسمح للتلاميذ بتنمية انتباههم تدريجيا بهدف التمكن من الاستفادة من التعلمات والأنشطة الذهنية التي تتطلب نفسا طويلا. وفي إطار هذه الدراسة لا يمكنني إلا رسم خطوط عريضة بشكل سريع ل«برنامج» في خمس نقط يمكن إدراجها ضمن مجموع التخصصات وبكل المستويات التعليمية: فالانتباه يجب، بالفعل، أن يكون: 1) مستنفرا (لتحقيق ذلك يمكن الاعتماد على ما يسميه ألان ب«الانتباه الوجداني»)، 2) مركزا (ضرورة المرور من «زاوية الرؤيا الواسعة» إلى «الزوم»، 3)مستمرا في الزمان (من خلال نشاط يشترك فيه الفرد)، 4) مصحوبا ليصل مرحلة التجريد عبر مناولة ما هو رمزي (إنها ال«القفزة النوعية» الحاسمة التي يصل إليها للفرد حين يكتشف سلطة المفاهيم، والنماذج والنظريات)، 5) مدعوة للانعكاسية (حين يصبح الانتباه واعيا بذاته وينظم الفرد عن طواعية أنشطته بحسب النتائج التي يتوخى تحقيقها)... رجال التربية القدماء يقدمون أمثلة متعددة تخص طقوسا تجسد هذا «البرنامج» : فمن فينيلون إلى بيستالوتزي، ومن جاكوتو إلى ماريون، ومن ديوي إلى بويسون، ومن كوركزاك إلى مونتيسوري، ومن فريني إلى تورتيل، ومن أوري بروينر، نجد ما لانهاية له من الاقتراحات التي قد تشكل، إذا تجشمنا عناء استيعابها، نماذج بيداغوجية رائعة قادرة على أن تكون ممثلة ل«بيداغوجيا للانتباه» حقيقية.
بناء عليه، تبدو البيداغوجيا، بعيدة عن الرسوم الكاريكاتورية المقدمة، كوسيلة قيمة لمقاومة عدم الانتباه والتفاهة الممنهجين. يمكنها جعل المدرسة أداة لتتولى، دون أدنى تعقيد، مهمة ضبط مؤشر توتراتها : في مجتمع يجعل من التسريع فضيلة، عليه أن يجعل من التبطيء مبدأ. في مواجهة ديكتاتورية «الاستجابة في الزمن الفعلي» -الذي يلغي، تدقيقا، كل زمانية-، عليها فرض تأجيل المرور إلى الفعل وتوفير الوقت للفكر. في عالم يترصده التشتت الدائم والمبالغة في التأثير، عليها أن تبرز متعة الوصول للرمزية، وبهجة الفكر وسعادة الابداع. حينما نجبرها، من كل مكان، على تجزئ برامجها إلى مهارات تقنية قابلة لإعادة تجربتها ليتحسن استخدامها، عليها أن تكون صارمة بالنسبة للرهانات الثقافية للتعلمات، ووظائفها المتزامنة للوصول للأعمال والانتباه الإرادي. في مواجهة نفعية المعارف المدرسية والاستعانة بمصادر خارجية للأنشطة الفنية، على المدرسة أن تجعل من التربية الفنية والثقافية أولوية مطلقة لتنمية الانتباه العميق وتساعد كلٌ على حدة للمرور من الإيماءات غير المنقطعة إلى قصدية الحركات اليدوية ... إنه تحدٍ يفرض قفزة بيداغوجية، في صميم الفعل التربوي، تتجاوز بكثير الإصلاحات المؤسسية التي أصبحت اليوم، وإن بدت ضرورية من الناحية السياسية والاجتماعية، غير ذات قيمة من الناحية الانثروبولوجية.













قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب