أضيف في 17 مارس 2018 الساعة 22:38

التحليل اللساني المقارن و سؤال التجديد ، قراءة في كتاب التحليل اللساني المقارن للباحثة اللسانية توفيق رحمة ــ حسن شويري


نورالدين الطويليع
تمهيد :
"جميلة هي المعرفة إذ لا قرار فيها ،ولا تحجر ،ولا راحة .بل كل شيء تجاوز .لاتثبت الصورة ظرفا حتى يتراءى تفككها .وتبرز خطوط جديدة ،أو نقاط في خطوط ،ثم تكتمل صورة مغايرة .و مايكاد العالم يطرب للاكتمال حتى يواريه كنه آخر ،ويتغير ،و تتبدل الأدوار و العلائق .

مرحى للمبدع في الشعر و القصة !إنه يلتذ ماطاب له الالتذاذ بالصور ،و لذته وقوف ،تذيب و يذيب فيها .

لذة العالم لا تذيب ولا تطول .و الظرف لا يسمح بالتوقف .اللذة هنا تحد .قدرة على البدء كل مرة .السنون المقضاة في البحث و التنقيب تختزل في حبة .و العالم يولد كل مرة جديدا .العالم دائما أول .

اللساني يقرأ النثر القديم فيراكم و يتجاوز ،و النثر الحديث ،فيتجاوز ،و نثره هو و يتجاوز .محكوم عليه كآلته أن ينخرط دوما ضمن "جيل" جديد .لا اكتهال في وسعه و لا شيخوخة "(1)

لم أجد أفضل من هذه الكلمات أفتتح بها هذه القراءة التي عنونتها "بالتحليل اللساني المقارن و سؤال التجديد "

و التي سأحاول الإجابة فيها عن مجموعة الإشكالات التي ترتبط بمعالم التجديد في كتاب "التحليل اللساني المقارن "تطبيق على الأسماء الممنوعة من الصرف "

أهمها :

ماهي معالم التجديد المنهجي و النظري في تناول ظاهرة المنع من الصرف في هذا الكتاب؟

يلمس القارئ المدقق في كتاب "التحليل اللساني المقارن "-بوضوح تام - التجديد في تناول ظاهرة المنع من الصرف على مستوى الموضوع و المنهج الشيء الذي يجعلنا أمام دينامية حقيقية في التفكير اللساني العربي و الذي يمثله مجموعة من الباحثين اللسانيين ك عبد القادر الفاسي الفهري وأحمد المتوكل و نعيمة التوكاني و السعدية صغير و أحمد بريسول و أحمد الباهي و عبد الصمد الرواعي و محمد الرحالي و عبد المجيد جحفة و محمد غاليم ...و الباحثة اللسانية رحمة توفيق صاحبة هذا الكتاب الذي سنقوم بالوقوف على أهم قضاياه .

فعلى مستوى الموضوع نلمس بوضوح بأن الباحثة لا تكتفي بدرس المتن اللغوي و إنما تحاول دراسة الملكة اللغوية التي تقدر المتكلم على إنتاج اللغو .(اللغة )معتمدة في ذلك على التصور التوليدي .

أما على مستوى المنهج فالباحثين اللسانيين المحدثين بصفة عامة لم يعد همهم فقط هو توصيف المعطيات اللغوية المتوفرة لديهم إنطلاقا من متن لغوي محدد .كما كان يفعل النحاة العرب القدماء و بعض المدارس اللسانية البنيوية (اللسانيات السوسيرية ،اللسانيات الكليوسماتيكية ،اللسانيات الوظيفية ،و اللسانيات السلوكية )فدور اللساني حسب (النظرية التوليدية )هو تفسير القوانين المتحكمة في النسق اللغوي و روز الظاهرة اللغوية في جميع اللغات الطبيعية في شموليتها وفق نظرة نظرية و ممنهجة يقول :"كيبلر ،j .kepler "إن تطور العلم رهين بوضع فرضيات عامة كلية و شاملة يتم التحقق منها على ضوء المعطيات الواقعية "2.

وهذا ما يتنافى مع طروحات و تصورات المدارس البنيوية التي ما فتئت تؤكد على أهمية الوصف الدقيق للواقعة اللغوية أي وصف البنية و العلاقات الموجودة في هذه البنية و القوانين المتحكمة في عناصر هذه البنية يقول : ( martin joos ) "إذا تم وضع الأحداث وضبطها ،فمن العبث أن نطالب بالتفسير .نحن نسعى إلى الوصف بكل دقة .نحن لا نحاول أن نفسر .فكل ما هو من قبيل التفسير في الوصف يعتبر بكل بساطة مضيعة للوقت ..."3

ومن هذا المنطلق تسعى الباحثة اللسانية إلى تشريح الظاهرة اللغوية و طرح مجموعة من الإشكالات التي تتعلق بماهية المنع من الصرف في إطار مقارن إعتمادا على منجزات البحث اللساني التوليدي .

فالكتاب المعنون ب "التحليل اللساني المقارن " تطبيق على الأسماء الممنوعة من الصرف للدكتورة رحمة توفيق . أستاذة اللسانيات بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة شعيب الدكالي بالجديدة .

و الذي صدر حديثا عن عالم الكتب الحديث للنشر و التوزيع بالأردن .

يقع الكتاب في 179صفحة موزعة على أربعة فصول و مقدمة و خاتمة .

أهمية الكتاب :

وتكمن أهمية هذا الكتاب في الدراسة التطبيقية التي قامت بها الباحثة على الأسماء الممنوعة من الصرف في محاولة منها لتفسير هذه الظاهرة اللغوية التي حظيت باهتمام بالغ في الأدبيات النحوية القديمة بخلاف الدراسات اللسانية الحديثة التي يكاد يكون هذا العمل "التحليل اللساني المقارن " فريدا من نوعه،فإذا كان الإمام السيوطي قد قال حينما أنجز مزهره :أنه لم يسبقه إليه سابق و لم يطرق بابه قبله طارق .

فنحن نقول :إن هذا العمل الذي قدمته الباحثة لم يسبق إليه سابق ولا طرق بابه قبلها طارق " في هذا المجال.سواء من حيث طريقة التناول أو من حيث الجهاز النظري الموظف بكل دقة وموضوعية علميتين .تقول الدكتورة :"نسعى ،في هذا الكتاب ،إلى دراسة بعض الخصائص التركيبية للأسماء الممنوعة من الصرف مقارنة مع الأسماء التي يتحقق فيها الحد في اللغة العربية و لغات أخرى .وذلك لنرصد أهم التنوعات و الإختلافات بينها من الناحية التركيبية و الدلالية (4)."

وقد أجابت الكاتبة في هذا الكتاب عن مجموعة من الإشكالات التي ترتبط بظاهرة المنع من الصرف أو ما يسمى في اللسانيات التوليدية "الأسماء العارية "(أي عارية من التنوين و أداة التعريف "و أهم هذه الإشكالات :

هل يمكن مقارنة الأسماء الممنوعة من الصرف في اللغة العربية ،و الأسماء العارية (bare nouns)في عدد من اللغات الأخرى ؟

لماذا يغيب التنوين ،رغم أنه من العلامات المميزة للأسماء ؟

و قد اعتمدت الباحثة في معالجتها لهذه الإشكالات منجزات الدرس اللغوي القديم (ابن جني ،ابن الحاجب ،ابن السراج ،ابن يعيش ....)

بالإضافة إلى مجموعة من التصورات حول المركبات الاسمية و الحدية أهمها :(أبنيAbney 1987)و الفاسي الفهري (1990،1994)و( لكوباردي Longobardi1994،1996،1999)

(وروفري Rouvri1994)و (دبريز1999)من بين باحثين أخرين .

و هذا إن دل فإنما يدل على رغبة الكاتبة في إخراج الثرات النحوي العربي القديم من نمطيته الوصفية لروزه و تشريحه وفق نسق نظري منسجم و متلاحم .

وهذا العمل يرد كذلك على أولئك الذين يزعمون بأن القول في اللغة قد توقف مع العلماء السلف "يقول الفاسي الفهري "اللساني لا يقول كلاما معادا أو مكرورا .حتى ولو حسب بعضهم أن القول في اللغة قد توقف .وكل شيء موجود عند من واراهم التراب .العلم في المقابر ،و اللغة أيضا لا توجد إلا هناك ،وغيرها "فسد".فلم تبق حاجة إلا إلى الشراح و أصحاب الحواشي .نحن نجهل ،و الموتى يعلمون !إنه لعالم مظلم ولحسن الحظ أن العوالم تتعدد .إننا لا ننخرط ضمن ذلك العالم ."(5)

عنوان الكتاب :

تعد قراءة العنوان مدخلا أساسيا للولوج إلى عالم النص و تشعباته .وقد اختارت الباحثة لكتابها عنوان "التحليل اللساني المقارن "الذي يعد عبارة عن تعاقد بين الكاتب و المتلقي حول طبيعة العمل .كما يعد مفتاحا إجرائيا مهما ،لأنه يمد القارئ بقراءات أولية لايمكن الإسثغناء عنها لفك شفرات المتن النصي.

لقد كتب العنوان أعلى واجهة الغلاف ،واختير له إلى جانب العنوان الفرعي و اسم الباحثة اللون الأبيض ضمن خلفية زرقاء .كما كتب العنوان كذلك باللغة الإنجليزية(Lingyistic Analysis Comparative )

من الواجهة الأخرى للغلاف ..

و يمكن إرجاع هذا الاختيار إلى رغبة الناشر في لفت انتباه القارئ لهذا المنتوج العلمي المائز .

أما من الناحية التركيبية للعنوان الرئيسي للكتاب ،فهو عبارة عن جملة اسمية مكونة من "مبتدإ"ووصفين .وهي جملة لها وظيفة ايحائية أساسية بمقولاتها الثلاث.فالكلمة الأولى "التحليل "تحيل على طبيعة الإشتغال أو الطريقة التي ستعتمدها الباحثة في مقاربة الظاهرة .والكلمة الثانية "اللساني "تحيل على الحقل المعرفي الذي تتأطر ضمنه الدراسة ألا وهو الحقل اللساني .أما الكلمة الثالثة "المقارن"،فتحيل على المنهج الذي ستتوسله الباحثة في تشريحها لهذه الظاهرة .

و يأتي العنوان الفرعي الثاني "تطبيق على الأسماء الممنوعة من الصرف "خبرا للمبتدإ الوارد في العنوان الرئيسي.

و قد لعب العنوان الرئيسي و الفرعي دورا أساسيا في تخصيص منهج الدراسة و مجالها و موضوعها (المنع من الصرف ).

و إذا كان العنوان يسمح للقارئ بتقديم افتراضات أولية و تساؤلات إلا أن هذه التساؤلات و الإفتراضات تحتاج إلى الإجابة عنها وهذا ما سنقوم به من خلال الوقوف على أهم القضايا التي وقفت عليها الباحثة .

متن الكتاب :

حاولت الباحثة ،من خلال هذا الكتاب ،معالجة مجموعة القضايا التركيبية و الدلالية التي يطرحها موضوع المنع من الصرف عند النحاة العرب القدماء ،وبينت الدكتورة بأن هذا المفهوم يرتبط بمقولة اسمية يغيب فيها التنوين و الإعراب ،بناء علل كثيرة اختلف النحاة في تحديدها "فقد ذهب بعض النحاة إلى أن العلة اللفظية الواحدة لغياب التنوين في الأسماء الممنوعة من الصرف هي وزن الفعل أما باقي العلل فهي معنوية .أما باقي العلل فهي معنوية مفسرين ذلك بقوة المقياس المقياس المعنوي و كثرته في اللغة العربية "

يقول ابن جني في خصائصه "إن مقياس العربية ضربان :أحدهما معنوي و الآخر لفظي ...أقواهما و أوسعهما هو المقياس المعنوي ."(6)

وأهم هذه العلل هي العلمية ،و الوصفية،(أعلم ،أذهب ) و العجمة(يوسف ،إبراهيم ) ،و زيادة الألف و النون(عثمان) ، ،ووزن الفعل(أحمد ،يزيد) ،و العدل(عمر ،زحل ) ،و التركيب(بعلبك ،حضر موت ) ،و التأنيث(فلسطين ،مكناس ) إلخ .و هذه العلل تعزى لمشابهة هذه الأسماء للفعل ،هذه المشابهة التي تتم بناء على وجهين :

غياب التنوين و إعراب الجر .

-من حيث الصيغة الصرفية .

كما بينت الباحثة بأن المشابهة بين الأسماء الممنوعة من الصرف و الفعل مشابهة غير قائمة في كل جوانبها .تقول الباحثة "إذا كانت العلة الصرفية السبب في غياب النون في التراكيب الاسمية الممنوعة من الصرف ،فإنها لا تكون سببا وراء غياب الجر ،لكون هذه الأسماء يتحقق فيها إعراب الجر حين تحقق الحد نحو أداة التعريف و الإضافة "(7)

و بناء على ذلك افترضت الباحثة أن التنوين شيء و إعراب الجر شيء أخر "

كما تحدثت الباحثة عن الأسباب الرئيسة التي تقف وراء وضع النحاة الاسم الممنوع من الصرف بين البناء و الإعراب "و التي يأتي في مقدمتها "غياب إعراب الجر و تعويضه بإعراب نيابي متمثل في الفتحة "7

كما خلصت بعد رصدها للخصائص التركيبية للأسماء الممنوعة من الصرف أن هذه التراكيب تنقسم إلى طبقتين :

-طبقة الأسماء و التي تتكون من أسماء الأعلام و الجمع .

طبقة الصفات،و التي تتقيد بقيود صرف تركيبية خاصة

كما افترضت الباحثة في هذا الكتاب اعتمادا على تصور شومسكي (1996)

أن هذه الأسماء تبنى في مستوى معجمي ،و تكون في هذا المستوى تامة التصريف في المعجم ،ثم تأتي إلى التركيب لفحص سماتها .

كما تحدثت الباحثة عن طبيعة العري في المركبات الاسمية الممنوعة من الصرف تقول الباحثة "و بينا ان العري ليس هو العري من أية سمة حدية على المستوى الصوتي .بعبارة أخرى ،اعتبرنا أن الاسم العاري يكون عاريا من الناحية الصوتية و ليس عاريا من الناحية المنطقية "(8)

و قد انتهجت الباحثة منهجا مقارنا تجلى في مقارنتها بين المركبات الاسمية الممنوعة من الصرف و الأسماء العارية في عدد من اللغات الطبيعية الأخرى ،مستشفة بأن القاسم المشترك بينها هو غياب الحد الظاهر تقول الباحثة :"وجدنا أن هناك لغات تعرف غياب الحد سواء في حالة التعريف أو التنكير مثل الصينية و اليابانية و المركبات الاسمية العارية الممنوعة من الصرف في العربية و يبدو أن القاسم المشترك بين هذه اللغات هو هو غياب الحد فقط "(9)

و قد اعتمدت في تمييزها بين الحد المحقق و الحد المجرد مجموعة من الأعمال اللسانية التي عالجت الأسماء العارية ،بناء على و سائط منها :

-الوسيط الدلالي ،و يتبناه كركيا 1998و يفترض أن الأسماء العارية لا تتوفر على حد فارغ .

-الوسيط التركيبي ،و يتبناه لنكوباردي (1999،1994)و دبريز من بين آخرين .ويفترض أن المركبات الاسمية فيها حد ،حتى و لو كان غير محقق في البنية الصوتية ....

بناء على ما سبق ،نستنتج بأن كتاب التحليل اللساني المقارن يعد طفرة نوعية في مجال اللسانيات العربية التي تسعى إلى موضعة الظاهرة اللغوية و تفسير القوانين المتحكمة في الأنساق اللغوية وفق نظرة نظرية ممنهجة و موضوعية كما يعد ربحا كبيرا للخزانة اللسانية المغربية بخاصة و العربية بصفة عامة .

الهوامش :

1)الفاسي الفهري ،البناء الموازي الموسع :نظرية توليدية جديدة ص11

2)غلفان مصطفى "اللسانيات التوليدية :من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج الأدنى ،مفاهيم و أمثلة ،ص14

3)نفس المرجع ص14

4)الفاسي الفهري، البناء الموازي الموسع ،نظرية توليدية جديدة

توفيق رحمة 2018

السيوطي جلال الدين ،المزهر في اللغة العربية و أنواعها (المقدمة

حسن شويري، طالب باحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب