أضيف في 14 مارس 2018 الساعة 12:29

استغباء الشعوب !


أحمد حسيسو
من يحلم أن يسود الإنسانيةَ هناءٌ وصفاءٌ لا تكدرهما عداوات ولا اعتداءات على متن الأطماع، وأن يعمَّها إيثارٌ ومحبة وصدق فلا يتخللهما جشع وأنانية ولا كذب ونفاق، فإنما يحلم بجنة مستحيلة على أرض الدنيا، ومع ذلك فالإنسان مدعوٌّ شرعا وعقلا ومطالبٌ ضميراً وخلقاً بمدافعة العدوان ومغالبة الشيطان، وبالعمل لإحلال الخير محل الشر وإقرارِ العدل محل الظلم قدر المستطاع.


في قصة موسى وفرعون التي ذكرها رب العزة مرات عديدة في القرآن الكريم بيان ناصع للكذب على بني إسرائيل واستغبائهم والاستخفاف بهم، قال عز وجل على لسان فرعون مخاطبا قومه كاذبا عليهم: "وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وقال تعالى في ذكر دعاية لفرعون ترمي لصناعة رأي عام مؤيد له في محاربة دعوة موسى عليه السلام: "ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد"، وما كانت خدع فرعون لتنطلي إلا على قوم لهم في الأصل قابلية لذلك الاستخفاف، قال سبحانه وتعالى: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين"


ما كان هذا السلوك الفرعوني إلا لتبليد حس بني إسرائيل خوفا من الصحوة بعد سبات والانتباه بعد غفلة، ولأجل الحفاظ على امتيازات الترف والرفاهية والبذخ والعلو في الأرض بغير وجه حق.


ولعل من حِكم البارئ جل وعلا في هذه القصة تكرار شبيهاتها على مر العصور والأزمان في أحضان مختلف المجتمعات الإنسانية والحضارات البشرية، لاحظوا دعاية الولايات المتحدة الأمريكية على شعوبها وعلى شعوب العالم كلما أرادت تبرير شن حروب على أعدائها، هل كانت دعاية أمريكا أو دعاية كافة القوى الاستعمارية تقل عن دعاية فرعون، لنتذكر حالتين على سبيل المثال لا الحصر، أولاهما أكذوبة محاربة الإرهاب، كيف تم التمهيد لغزو أفغانستان لمآرب أخرى غاية في الجشع والخسة تحت ذريعة محاربة الإرهاب، رجل الشارع الأمريكي في غفلة عما يدبره فراعنة البيت الأبيض لتحقيق ما تقتضيه السيطرة وبسط النفوذ ومصالح الشركات العابرة للقارات، وهو في غفلة عما تسوِّق له ملءَ سمعِه وبصره وسائلُ الإعلام المهيمنة المؤثرة، ثانيهما أكذوبة خطر الرئيس صدام حسين وأسلحة الدمار الشامل في العراق، تأمل أخي اللبيب كيف روج دُهاة البيت الأبيض لضرورة مواجهة "خطر العراق" و"خطر صدام" في عقر داره خارج حدود أمريكا بسواعد الجنود و الطائرات المُقنبلة، قبل الاضطرار إلى معالجة ضحايا الدمار، "القادم إلينا من هناك لا محالة" فنتعامل مع انفجارات الصواريخ العراقية داخل بلادنا بالأطباء وسيارات الإسعاف! وبذلك تم استجلاب التأييد الشعبي لشن العدوان على العراق، قبل أن تنكشف الخدع والترهات الرسمية، لكن حتى فات الأوان وخربت حضارة الرافدين.
خدعُ البيت الأبيض لم تنطلِ على الشارع الأمريكي فحسب، بل تعدته إلى شعوب دول "متحضرة" فأتى قادتها لنيل النصيب من كعكة النفط والغاز، وسيقت بعض الدول المتأسلمة التابعة الجبانة، فشاركت في المشروع القذر لسحق بلاد العراق وشعب العراق وحضارة العراق!، آهٍ على العراق، آهٍ آه!
لا دين ولا خلق ولا ضمير يكبح جشع بوش ولا أطماع زملاء بوش وأمثاله المجرمين من حلف الناتو الجبار الذي جند بين يديه حلفا من الرعاع الأتباع الأقزام فجعل جنودهم في الصفوف الأولى وقودا ودروعا لتلقي الرصاص لألا ينتهي إلى صدور وحدات المارينز ورفاق المارينز، لكن ماذا تملك دولنا هذه الذليلة إزاء جبروت و.م.أ. وحلف الناتو؟ طبعا لا تملك سوى الطاعة والتزلف خوفا وطمعا، والاصطفاف إلى جانب القوة الغالبة والاحتماء بها حفاظا على الكراسي والعروش المتململة أصلا، فهي تحت رحمة الخيار التهديدي: "من ليس معنا فهو ضدنا!" و"من ليس معنا فهو مع الإرهاب!"
أكيد أنه لا يحتسي زقوم مثل هذه المذلة إلا من لا يخاف الله ولا يتقيه، وتبارك ربنا وتعالى إذ يقول: "فلا تخشوهم و اخشوني" ويقول سبحانه: " فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين"، ومعلوم في ديننا الحنيف وفي الأثر الشريف أن من لم يخف الله أخافه الله من كل شيء، أنظمة استبدادية بمسوح "إسلامية" لا يقين لها بالله جل جلاله، ولا التزام بمقتضيات الطاعة والنهي، ولا ثقة بالنصر والموعود، ثم هي لا تستند إلى ركن ركين من الشعوب، بلغ حكام الجور والجبر فينا أسفل دركات الخزي والعار عندما انخرطوا إلى جانب الأمريكان في هذه الطوام رغم أنف الأمة المأسورة الرافضة.


أُنظر إلى أي حد بلغه استخفاف الإعلام بالشعوب الأمريكية وغيرها وبساسة الدول، سيل جارف ذكي من المشاهد السمعية البصرية يغزو الكثير من العقول النبيهة حتى الثمالة، فما بالك بالغبية، وذلك عن طريق شعار وخطة "إكذب واكذب حتى يصدقك الناس" هكذا انقلبت الحقائق في الرأي العام رأسا على عقب!


أهمية الإعلام و خطورته في صناعة رأي عام، إيجابا أو سلبا، عبر عنها أحد المفكرين المنظرين اليابانيين عندما قال ما مفاده: "أعطوني قناة إعلامية أصنع لكم شعبا!"


في الأوساط الشعبية الأوروبية يصور إعلام الاستغباء والاستبلاد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وغيرها من فصائل المقاومة الشرعية في بلد محتل مظلوم بكونها إرهابا ينبغي أن يُناهَض وأن يُدان، في الوقت الذي يزين للعالم صورة الدولة العبرية المقامة على جثث أهالي فلسطين، وعلى أنقاض مدنهم وقراهم بعد أن دمرتها العصابات الصهيونية المرسلة المسلحة المدربة من طرف بريطانيا، وعلى حقول أشجار زيتونهم المجتثة، دولة عنصرية صهيونية أضحت بتأييد الغرب الصليبي وسلاحه مصاصة دماء الأطفال والأبرياء، فترى الإعلام الماكر المغرض الذي يتحكم فيه اليهود يستغبي شعوب القارة العجوز، ويُبْدي للبلداء والأغبياء زوراً وبهتاناً شرعية الكيان الهمجي المسمى "إسرائيل"، ويزعم مظلومية شعب إسرائيل "المسكين" الذي يتعرض "للعدوان" فوجب أن يُـناصَر وأن يُعان!


هكذا يتم صناعة رأي عام عالمي، شعوب، بل وأنظمة، يُكذب عليها وهي لا تدري، وتساق إلى حيث تنتهي مصلحة ثلة من الفراعنة المفسدين في العالم، لا يخرق ذلكم الرأي العام الجاثم ولا يخترقه إلا صيحات هنا وهناك من ذوي الضمائر الحية النظيفة والفطرة النقية النبيهة من أفراد وهيئات، لكن ومع الأسف، كثيرا من تكون نداءاتهم بمثابة صرخة في واد، فـنَصيبُ المستضعفين من هذا السلاح الفتاك لا يعدو نصيبَ الأيتام في مأدبة اللئام.


لحساب من وعلى حساب من يتم تزوير حقائق التاريخ والكذب على الشعوب وصناعة رأي عام ضال مضل؟ لقد أشرتُ من قبل إلى قصة موسى وفرعون، يذكر فيها ربنا في كتابه العزيز ما حدث للمستضعفين من بني إسرائيل، يذكر حسن مآل الصابرين مع سيدنا موسى عليه السلام ونجاتهم من الغرق، وسوء عاقبة أتباع فرعون، ومن استخفهم فأطاعوه حتى هلك وهلكوا معه، إنهم كانوا قوما فاسقين، تلك من أحسن القصص التي يقصها رب العزة على عباده المؤمنين، فهي تعاد باستمرار، تتغير شخصياتها كل حين بتغير الزمان والمكان دون تغير جوهرها، وتجسد الصراع الأبدي بين الحق والباطل، بين الظالم والمظلوم، بين المستضعفين والمستكبرين، فمن خلال مفاتيح القصة الربانية إذن نفهم في تاريخنا، وفي حاضرنا ومستقبلنا من يستغبي من، وما غاية الاستغباء... لله الأمر من قبل ومن بعد، والعاقبة للمتقين.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :