أضيف في 14 مارس 2018 الساعة 01:19

سيميائية اللون ودلالة الكتلة بتجربة التشكيلية المغربية سعاد ارفال......خيرة جليل


خيرة جليل

سيميائية اللون ودلالة الكتلة بتجربة التشكيلية المغربية سعاد ارفال
الكل يلاحظ أن الحركة التشكيلية المغربية تتميز بطابع الجديد المنضبط الذي يخول لها اعتلاء مكانة مرموقة، فهي تجارب وإن اختلفت فيها المضامين والتصورات والرؤى،إلا أن التقنيات الجيدة والأساليب التعبيرية تلفت الانتباه لتعبر عن وعي هؤلاء الفنانين ونضجهم ، مما ساعدهم على صنع حيز إبداعي مغربي صرف ،يمتح من الثقافة المغربية الأصيلة ومقوماتها الأساسية، ومن الموروث الحضاري بأسسه المعرفية والقيمية ليطفو على الساحة التشكيلية الوطنية خاصة والعالمية عامة بشكل يستوعب المورث الفني والحضاري المغربي في شموليته ،بل انه يستحضر القيم الفنية والجمالية الصرفة الكونية عالميا. فالتشكيل شأنه شأن الموسيقى والمسرح الميمي...مهما اختلفت لغات الأفراد وحركاتهم وخلفياتهم الفكرية ومرجعيتهم الدينية والسياسية...يظل لغة موحدة للشعوب والمجتمعات. كما أن العديد من الدول العالمية أصبحت تراهن على أن التشكيل أداة فعالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، لتنفتح الحركة الثقافية على جميع القطاعات الأخرى بما فيها الاقتصادية والاجتماعية فتعدد الشركاء الفاعلين في ذلك ليصبح الفن التشكيلي بالإضافة إلى فلسفته الجمالية والفكرية صناعة تستهدف تحريك القطاعات الصناعية والسياحية لتطوير ناتجها الوطني.
لمرافقة القارئ بشكل تدرجي يجعله يغوص في عوالم سعاد ارفال الفكرية والفنية من ملاحظة وفهم وتحليل وتركيب لتعميم الاستنتاج على أعمالها عامة : فمن هي سعاد ارفال؟ وماهي المدرسة التي اختارت التعبير في إطارها ؟ كيف تفاعلت مع منشئها الفني من حيث الضوء والكتلة اللونية ونقط الجمال في أعمالها؟ ما هي الخلفية الفكرية أو الفلسفية التي حركت أعمالها وحاولت من خلالها تحقيق انزياح فني؟
التشكيلية سعاد أرفال شابة من مدينة أزيلال وتستقر بمدينة ابي الجعد ، انطلقت من بيئتها الجبلية الدائمة الخضرة والمياه والثلوج البيضاء ، ترعرعت وسط النسيج الجمعوي حيث تلقت المبادئ الأولى للرسم والتي ستحاول تطوير مهارتها بها من خلال المشاركة في العديد من المهرجانات الوطنية بالدار البيضاء ومراكش والدولية كالمشاركة بأجنحة التشكيل للسلام التي تنظمها غالري أرت كونكشن بنيويورك بواسطة وكيلتها بالمغرب لمدة ثلاث سنوات على التوالي وكذلك بتركيا . كما أطرت العديد من الورشات الفنية لفائدة تلاميذ الثانويات بجهتها وكذلك بالعديد من دور الشباب أزيلال وغيرها.
تشتغل التشكيلية الشابة على بناء اللوحة بشكل عصري من حيث انتقاء مجموعة ألوانها وتمتلك قوة الإدراك للقيم اللونية وجماليتها،وهو ما نستنتجه من العديد من لوحاتها ويوضحه لنا التعارض بين الألوان بخلاف أسس بناء اللون وتدرجه وقابليته والتضاد والتكرار بشكل دائري لولبي، والخطوط في لوحاتها تظهر من خلال الألوان ، وهو ما يجعلها تقارب النص التشكيلي باللوحة إذا صح القول من روح العمل بشكله الكامل، مع التوازن العام لعناصر اللوحة بشكلها الكامل، على الرغم من ثقل الكتلة اللونية أحيانا وتكرارها الدائري مما يعطي انطباع أننا في دوامة لونية وفكرية تطمح للانعتاق مع أنها تبقى محاطة بالفضاء وهذا لا يحرم الكتلة اللونية من التوازن مع الفضاء العام للوحة. فهي تحاول نقل أفكارها في دائرة حياتها اليومية بمنطق دائري لولبي جمالي مضبوط حيث تكون النهايات في كل الأشياء تنبع منها البدايات بها أفكار وأحاسيس تنسج بحبكة وعفوية في نفس الوقت،وبألوان مشتقة أو مركبة عصرية وضوء وتفاعلات وانعكاسات للأشياء وظلال الروح تمارس طقوسها من خلال رقصات الذات المبدعة فأصبحت المبدعة فاعلة ومتفاعلة مع فضائها التشكيلي وبمنشئها الفني، تتفاعل بتفاعل عمودي لولبي وبشكل أفقي دارئي مما منح اغلب أعمالها شكل حلزوني تفاعلي في حركته لتصبح الروح الإبداعية متاهة لأحاسيس وانفعالات يصعب الإفصاح عنها بالكلمات المكتوبة لكن بلغة التشكيل اللونية والكونية لتغذي للذات المبدعة نوعا من الانتشاء الروحي وللمتلقي متعة التأمل البصري والروحي .من خلال أعمالها حيث نعيش أسلوبها بواقع تجريد نبض روح انطباعية الألوان وتدرجها الهارموني والتي استوحتها من بيئتها ، أوان تعج بالحياة وتوظفها بأسلوب عصري ودقيقي وبأسلوب اشتقاقي دقيق يحيلنا على ما تعرفه الألوان من اشتقاق وتفرع وتوالد في خضم هذه التطورات التكنولوجية الحديثة ، والتي تقول أن كل لون ما هو إلا ما لا نهاية من الاشتقاقات اللونية في اطار التلاعب بالكتلة اللونية وخلق نسق لوني لا نهائي في علاقته بأشكال و أحجام وحدود متنوعة تتوالد من نهاية بعضها ولا حدود لها من داخل نفس اللون، وهذا يعبر عن غنى المخيلة لدى الفنانة وانفتاحها على العالم الرقمي و استلهام إحاءاته الذهنية وتوظيفها في لوحاتها التشكيلية بشكل ذكي وجميل. بحيث تصبح اللوحات قطع فنية جمالية يمكن توظيفها في صناعات الفنية للأقمشة المتعددة الاستعمالات والملابس العصرية والديكورات الداخلية للمكاتب والفضاءات المغلقة لأنها تمنح راحة نفسية وتوحي بالانفتاح والضوء والحركية ، وهذا يعطي طاقة ايجابية للفضاءات التي تحضن العرض وللمتلقي كمندمج متفاعل مع العمل المعروض على حد سواء. لتفتح الباب على مصارعه في مجال التأويل على حكايات روحية اختزلها العقل الباطني لتولد بلغة الفن والتشكيل وتزدهي كأعمال تشكيلية مميزة، بحيث تكون أنت كمتلقي لاترى إلا نفسك أنت متفاعلا بحرارة لونه ودفء إيقاعاته وبريق عوالمه المشاكسة دائما بروح الضربات اللونية الجريئة التي تنزل غالبا بواسطة فرشات عادية لكن بشكل تركيبي يخلق مساحات متجانسة في واحاته الواسعة ليستند في منطقه إلى اتجاهاته المتجانسة في اللون وامتداداته.
عمما هذا أعمال الفنية لدي التشكيلية تخفي في طياتها نظراتها الفلسفية نحو ذاتية اللون والأشياء. وهي التي سكنتها أجواء الألفة والانسجام والمتعة البصرية أمام بحيرة سد بين الويدان بين جبال الأطلس المتوسط، مما منحها خبرات تراكمية عبر مسيرة أيامها التشكيلية والحياتية رغم حداثة تجربتها مما يجعلني على أهمية متابعة هذه التجربة الفتية لأنها ذات حمولة عميقة . .....خيرة جليل







قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب