أضيف في 13 مارس 2018 الساعة 08:53

نظرة العامة للفلسفة وحقيقة الفلسفة


Dr. Mougay Bilal
إن ما هو ملاحظ أن كثيرا من الناس ينعتون على الفلسفة جمودها، الأمر عائد بالأساس إلى كونها في نظرهم لا تأتي بشيء جديد ، أي أنها مجرد كلام في كلام ، وخاصة وأن قلت له عن" سقراط "، أو" أفلاطون "و " أرسطو " فإنه يضرب بك وبه عرض الحائط ، ويقول لك بكل سخرية "أفلاطون" كان ميلاده قبل الميلاد، ونحن الآن في القرن 21م فشتان ما بين ذلك واليوم، ومنه فلا فائدة من دراسة ذلك الماضي الغريب ولا حتى التطلع إليه ، لأن زمانهم قد فات فالبركة والخير فيما هو قادم.
إذن الفلسفة في نظرهم عاجزة عن مسايرة الواقع الذي ازدادت مشكلاته وتفاقمت، وإذا بها - كما يقولون - كالريش بدون دجاجة، ريشها يبحث عن دجاجته التي أصبحت شغله الشاغل فراح ينشدها، ناسيا بأن الريش والدجاجة هما وجهان لعملة واحدة.
ومنه فالفلسفة لا موضوع لها، الأمر الذي جعل منها حاضرة في كل شيء الدقيق منها والغير دقيق، الأمر الذي جعل منها عرضة للخطر لأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، وإلا كيف نفسر انفصال العلوم عليها الواحد تلو الآخر، وبقيت هي بدون موضوع محدد. وكأنني أقول لها تتخشع البكاء وما هي بباكية وتتمنى الموت وما هي بميتة .
وإن كنت أقر بأن في بعض جوانب هذا الكلام نوعا من الصحة، إلا أنني اذكر وأقول:
إن الفلسفة لا تكمن في الآراء الشتى لمختلف الفلاسفة القدماء والجدد وغيرهم، إنما الفلسفة الحقة هي التي نحياها كل يوم في أغوار شعورنا، فإنك وأن تأملت في الحياة ستجد كل وكيف يفكر ، كل وسلوكه الخاص ، كل ونمط عيشه الخاص الذي يهواه ....أي باختصار كل ونظرته لهذا العالم الشاسع، وإضافة إلى ذلك كثيرا ما تنتاب الانسان في حياته أسئلة كثيرة تحيره في كل يوم، وكل ساعة ، وكل دقيقة ...أهمها:
لماذا نعيش في هذا العالم ؟
كيف سأعيش في هذا الوسط؟
لماذا وجدت في جماعة بشرية مثلي ؟
لماذا لي عقل فضلت به على سائر المخلوقات ؟
وأسئلة كثيرة تنتظر إجابات، ومن لم يفكر فيها فهو ليس إنسان، بل ولا يستحق أن يحمل صفة الإنسانية باعتباره ذات عاقلة.
إنني أقول أن كل هذه الاسئلة هي من صميم الوجود الانساني وهي موضوع الفلسفة التي نعيتم عليها جمودها.......هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الفلسفة لا تكمن في آراء " أفلاطون " أو " أرسطو " و" هيجل" و" هايدغر "....الخ، أي أن الفلسفة ليست هؤلاء وفقط ، فالفلسفة ليست جمعا بين الآراء السابقة وإتباعا بالآراء اللاحقة.
إنما هي أفكار نابعة من مجموعة أفراد عبروا عن رؤيتهم للعالم، وفسروا رموزه وأحداثه ووقائعه كل بطريقته الخاصة، وكان كل منهم إما ينتقد غيره أو يوافقه وهكذا دواليك، فهي آراء ولكل منا آراؤه وإن كانت غير ناضجة وغير مكتملة وغير منسقة أحيانا، إنما ميزتهم هو أنهم عرفوا إلى حد ما كيفية تنظيميها وتنسيقها وترتيبها والأكثر من هذا هو كيفية توصيلها، إضافة إلى الظروف التي كانت متاحة لهم. فكانوا بذلك عظماء أكثر منهم فلاسفة، فالفلسفة إنما تموت وتحيا بأصحابها والمنشغلين بها.
وما دمت أركز على هذه النقطة حتى وقعت في إشكالية هل الفلسفة علم أم دراسة؟ أم ماذا ؟
فتساءلت إذا كانت علما فلماذا سمحت لنفسها بالتطفل والفضول على العلوم الاخرى ؟
وإذا كانت دراسة معينة والتي تعد شغلها الشاغل، فإنها سوف تبقى تدور في حلقاتها وما أن تنتهي حلقة حتى تجد نفسها في حلقة أخرى وهكذا دواليك.
وتساءلت أيضا هل هي فن؟ فقلت لو كانت فنا لكانت مجالا للتسلية فقط والترفيه عن النفس وحاشا للفلسفة أن تغدوا تسلية ومضيعة للوقت.
والمهم من هذا كله وجدت نفسي في حيرة، لا إلى هؤلاء أصبوا ولا إلى هؤلاء أجد.
إلا أنني أدركت من بعد ذلك ، أن الفلسفة هي أم العلوم (إن في هذا الكلام نظر):
إنني أرى إذا كانت الفلسفة هي أم العلوم فوجب التخصص فيها من طرف دارسيها والمتخصصين فيها وإعطاء هذا الأمر الأولوية، بحكم إننا نعيش عصر التخصص الذي يفتح أفقا للإبداع. مثل: فلسفة اللغة، فلسفة التاريخ، فلسفة السياسة، فلسفة العلوم، فلسفة الدين، فلسفة....الخ ، لأن الفيلسوف في رأي لا يمكنه أن يعرف بدقة كل هاته العلوم وحتى أن عرفها فإنه سيكتفي بشذرات من هنا وهناك. وبفضل هذه التخصصات المتعددة ، والإتقان فيها نستطيع أن نقول أن الفلسفة أم العلوم.
وبالتالي فعار علينا أن خصصناها علما، وعيب علينا أن خصصنا لها موضوعا واحدا وكأنه حصر لحريتها.
إذا أن كل منا يتفلسف بطريقته الخاصة، ولكن لكي تعرفوا محلكم من الإعراب في الفلسفة فعليكم أن تتعرفوا على المراحل الأربع التي فيها وهي:
1 - المعرفة العامية:
هي معرفة ساذجة بسيطة، سطحية، غير عميقة نجدها لدى عامة الشعب أو الناس، وهي تشكل البنية الفكرية لكل منهم ونجدها لدى العام والخاص على حد سواء.
2 - المعرفة العلمية:
وهي التي تأتي بعد جهد معين، أي بعد دراسة وقراءة للفلسفة بحيث نقرأ مثلا لأفلاطون أو أرسطو أو هابرماس أو هيجل...الخ، ولكن قراءة فقط بحيث لا نصدر أحكاما على تلك القراءات فتكون كالنار التي تلتهم ما رمي فيها من حطب .
3 - مرحلة النقد:
من خلال قراءتك الكثيرة والمختلفة والمتفحصة والدقيقة ، فإنك قد تعجب ببعض الأمور وقد ترفض بعض الأمور، حيث تبدأ بعملية توجيه الانتقادات بل والأكثر من هذا تكتسب روحا علمية ونقدية، بحيث تصبح تتقبل أنت أيضا الانتقادات، ويالها من مرحلة.
4 - مرحلة الانتاج:
من خلال قراءاتك المختلفة ، فانك تكون خلفية فلسفية واسعة تبني من خلالها اراء عديدة، فقد ربما تؤلف مؤلفا معينا تجمع فيه قراءاتك لنصوص فلسفية عديدة، أو قد تطور فكرة معينة وتكسبها طابعا متميزا .
وهي مرحلة عالية في الفلسفة بحيث لا يمكن للعامي أن يصلها إلا بعد تخصص وطول انتظار، لذلك عندما قلنا أن كل إنسان يتفلسف فهذا يعنى أنه مشارك في الفلسفة، لكن هذا لا يعني أنه وصل إلى قمة الفلسفة أو التفلسف وإنما هو في المرحلة الأولى منها فقط، وإنما ذلك لنضع النقاط على الحروف.
ووفقا لهذا أخذ مفهوم الفلسفة مفاهيم مختلفة ، فكل وكيف عرفها ، وذلك حسب طبيعة الفكر الذي أنتجها:
فمنهم من عرفها بأنها علم الوجود بما هو موجود.
ومنهم من عرفها بأنها هي التي تعلمنا كيف نحيا سعداء ...
ومنهم من عرفها بأنها طريقة وأسلوب عيش في الحياة، والنظر إلى الحياة من وجهة نظر خاصة...
ومنهم من عرفها بتعاريف أخرى...الخ.
وما بقي لي في الأخير إلا أن أقول للرافضين للفلسفة إنكم مهما رفضتموها وحاولتم النفور منها، فإن الفلسفة لا تواجهكم بالرفض والنفور، بل أقول لكم أنها سوف تلاحقكم أينما ذهبتم وتدخل في أغوار شعوركم، وتطرح عليكم أسئلة كثيرة تجعلكم تتفلسفون وبطريقة لا شعورية، وما أن تتفلسفوا حتى تجدوا انفسكم لا شعوريا تخوضون في الحديث عن الفلسفة، فالله عظيم وتكمن عظمته فيما خلق ...فنحن شئنا أم أبينا نتفلسف، وتبقى لنا الفلسفة لنا عونا فتتحول إلى أسلوب في الحياة يختلف من شخص لآخر.
.......وتبقى الفلسفة.....وتبقى الفلسفة......وتبقى الفلسفة....


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Dr. Mougay Bilal

فلسفة اللغة والتواصل   / أدرار , الجزائر