أضيف في 11 مارس 2018 الساعة 07:37

أفاق أدبية


ناصر سالم المقرحي
أفاق أدبية
من كل الكتاب – هو مجلد ضخم في الواقع – المخصص للشاعر الجاهلي عمر العرجي وحمل عنوان " عمر العرجي حياته وشعره " الذي قرأته مبكراً لم يبقى ببالي إلا بيت الشعر الذي أنشده ذات مرارة بعد ان تنكر له قومه وتناسوا صولاته وجولاته في ميادين النزال من أجل أن تتبوأ القبيلة مكانتها اللائقة بين القبائل في زمن تُداس فيه بالنعال القبيلة المتهاونة التي لم تنجب فرسانا يذوذون عن حماها بفصاحتهم وبفروسيتهم وشجاعتهم , لم أعُد أتذكر إلا قوله :-
أضاعوني وأيُ فتىً أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
أي بإهمالها لفارس من فوارسها خسرتني قبيلتي في الوقت الذي كانت تستطيع فيه أن تكسبني لصالحها , أي أن القبيلة بتنكرها لي قامت بتحييدي وإزاحتي عن صدارة المشهد , وهذا كفيل بأن يجعلها تخسر جهودي وتُزهدني مستقبلا في الدفاع عنها فلا زالت لدي بقية شجاعة وإقدام بعكس ما تعتقد القبيلة , هذا هو لسان حال الشاعر الذي خسرته قبيلته , وللتأكيد يضيف " وأي فتى أضاعوا " لو تعلم قبيلتي أيُ شجاع خسرت لو أن رجل رشيد منها ينبههم إلى ما فقدوا, لتراجعوا عن غفلتهم وعن عدم تنبههم لي وأقبلوا نحوي يعتذرون عما بدر منهم تجاهي ولطلبوا مني الغفران , والأيام ستجعلهم يعضون أصابعهم ندماً , هذا كله يقوله البيت وأكثر , ويقول أيضا , يوم النزال والمواجهة مع إحدى القبائل وهو يوم قادم لا محالة وغير بعيد سيتذكرون أن لديهم فارساً أسقطوه من حساباتهم أيام السلام التي مرت حين لم يكونوا في حاجة إلى مجهوداته , واليوم حين جد الجد ونادى منادىٍ للقتال ها هم يهرعون إليه طالبين الحماية , وأين سيذهب قوم الشاعر إن لم يذهبوا إليه ليرد عنهم غوائل الدهر يوم الحرب ويسد ثغرة كان من الممكن ان يتسلل منها العدو ويتكفل بتنفيذ جل خططهم للظفر بالمعركة , من كل المجلد الذي قرأته عن الشاعر عمر العرجي لم يرسخ بذاكرتي إلا هذا البيت , ومن شعر أبو فراس الحمداني الذي عاصر الشاعر المتنبي وزاحمه على زعامة الشعر ونافسه على الحظوة لدى السلطة ممثلة في سيف الدولة , من شعره الذي وضعه لم ينطبع شيء في الذهن كما انطبع البيت الذي يقول :-
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر .
هذا البيت الذي ذهب عجزه مثلاً كثيرا ما يُستشهد به عند غياب النصير وقت الملمات , ولئِن كنتُ أسيراً في سجن الروم , هذا لسان حال أبو فراس سيفتقدني قومي إذا دعت الحاجة لذلك كما يُفتقد البدر في الليلة شديدة السواد ولئِن سهو عني حتى هذا الوقت فلن يستمر ذلك طويلاً , فمن المؤكد أنهم سيتذكرونني لمَّا تُدق طبول الحرب ويُعلن النفير , هذا هو لسان حال أبوفراس لأن الحروب ما بين قومه والروم لم تنقطع وفي إحدى المعارك وقع أسيرا لسوء حظه ليمكث في السجن المحصن ثلاث سنوات كما يُروى , ويُروى أيضاً إنه تم افتداءه من قبل سيف الدولة , ويقال أنه فر من السجن حين قفز في النهر بجواده من فوق القلعة التي سُجِنَ بها , وتعددت الروايات والمؤكد أنه عاد إلى قومه بعد ان كتب في السجن عديد القصائد سُميت فيما بعد بالروميات , ذهب الكثير من شعره وظل هذا البيت حاضرا كلما دعت الحاجة له لأنه الأقرب للتعبير عن الخذلان والتنكر والإهمال والنسيان للأبطال ومن بين كل الأقوال يتم اختياره في الكثير من الأحيان للأستشهاد به في مثل هذه الحالات .
وغير بعيد عن هذا المعنى يتحرك طرفة ابن العبد في قوله :-
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند .
وهو بيت في قصيدة طويلة بدأها بالتغزل بالحبيبة والحنين إلى الديار ومناجاة الأطلال ليخلص إلى الحكمة والوعظ والفخر بالنفس وبالقبيلة , وفي هذا البيت يصور الشاعر الإحساس المضاعف بالمرارة إذا ما صدرت السيئة أو تحقق الأذى من ذوي القربى وكأني به يقول , ظلم الغريب يمكن احتماله وتفسيره ولا يمكن بأي حال من الاحوال تبرير ظلم الأقارب ممن تجمعنا بهم صلة الدم , فمن سيحس بمعاناتك ان لم يكن الأقارب , وفي الوقت الذي تتوقع منهم الحسنة والمعروف يضرونك فيكون وقع الضرر مضاعفا ومؤلما مرتين .
ولا تخلو حياة أحدنا من خذلان وانكسار وتنكر ولربما وجدنا في هذه الأبيات وتجربة هؤلاء الشعراء بعضا من العزاء والسلوى .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا