أضيف في 4 مارس 2018 الساعة 22:11

تنافر وتجاذب


المصطفى سالمي
كم من الكائنات البشرية المستفزة رحلت من حياتنا فلم تبك عليها السماء ولا انتحبت عليها الطبيعة، وحده السنونو والكروان وفصل الربيع حين يرحل تحزن الغابة والأشجار والوديان، بينما البوم والغراب لا يأسفان لغيابك أيها الربيع الجميل، كذلك حياتنا تتطهر برحيل الثعالب والذئاب والأفاعي وكل السموم بعيدا عن حقولنا الآمنة الهادئة، لا نريد أن يعكر صفونا من يمكرون مكر الليل والنهار، الحمد لله أن أرشيف الأيام لا يرحم، والزمن يعاقب الأوغاد بالسوس والتآكل والخزي والويل والثبور. سنشتاق لك أيها الكروان وأيتها البلابل والسنونو، ولن نهتم حين تباغتنا كائنات أخرى تهاجمنا في دفء الصيف أو في عز الخريف، إذ ستحط ذبابات قميئة على صفحة وجوهنا وأيادينا وبهجة أيامنا، ولكن لن نهتم لها، لن تحرك فينا ساكنا لأنها مجرد كائنات فضولية عابرة، تُرى لماذا لا تحط علينا فراشات زاهية مثلما يطاردنا الذباب؟! إنها تمر هناك عابرة مزهوة بنفسها وجمالها، فيزيد تيهها من حبنا لمنظرها وكبريائها، فتسمو أكثر وأكثر، وحين تولي مدبرة يشدنا الحنين أكثر لبهاء مرّ وعبر من حياتنا، أو انطلق بزهو وفخر، حينها نحس أكثر بفظاعة الطنين الفضولي للذبابات السوداء البشعة التي مهما أصرت على التقرب إلينا بفضولها الفج، فستبقى مجرد كائنات كسيحة تحاول ممارسة رقصة (الباليه)...
قريبا ستذوب الثلوج من صفحة الحياة لينكشف مخبوء الحياة عن كائنات نتمناها أن تسكن حياتنا للأبد ولا يفارقنا دفئها، فنحن نزين بصورك أيتها الفراشات كتب ذكرياتنا، لأنها صور تعطر وجودنا، نشاهدها ونمعن النظر فيها كما يمعن العاشق في صور معشوقه بحسب ما يرويه ابن حزم في كتابه (طوق الحمامة في الألف والألاف)، هكذا نحن أيضا سنطيل النظر ونركزه ولن يرتد إلينا طرفنا في جمال الوجود وسر الخلود، وسنقول سبحان المعبود الذي خلق لنا من جنس جوهرنا ما إليه نَنْشَدّ كالمغناطيس، وبَغّضَ إلينا ما هو ليس منّا، فنحن ننفر منه كما ينفر القط من الفأر والمطرقة من المسمار والخشب من النار حسب تعبير أحد شعرائنا، هي إذن قسمة الحياة تجعلنا نذوب ونتجمد، ونتصل وننفصل، ونشتاق ونحترق، وتتعاقب علينا الفصول وحنيننا هو دائما في تنافر وتجاذب...!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب