أضيف في 3 مارس 2018 الساعة 16:19

الناقدة التشكيلية خيرة جليل :.سهام جواهري فنانة تشكيلية تنحت مسارا فنيا واعد ا في اطار انطولوجية التشكيل المغربي الحديث


خيرة جليل
.سهام جواهري فنانة تشكيلية تنحت مسارا فنيا واعد ا في اطار انطولوجية التشكيل المغربي الحديث
إن تطوير الفن التشكيلي يخضع عموما لنفس الشروط التي يجب توفرها في كل فن، من ثقافة، ومحيط ، وإمكانيات مادية . كما يعتبررافدا أساسيا للتربية الجمالية ، والإحساس الراقي بأهمية الإبداع ، لتصبح رسالة الفن التشكيلي الراقي والمتجدد ، أنجع واقصر السبل لإيصال وترسيخ قيم الجمال والتنظيم والتواصل مع الأشياء والمحيط كواقع ،وطريق للحوار مع الواقع المعاش والذي يبقى البشر المحرك المركزي .
إن الإبداع التشكيلي بجهة خنيفرة أزيلال يعرف زخماً، غير ذي سبق، في عدد "الرسامين والتشكيليين " على حد سواء ، العدد الذي يتزايد يوماً بعد يوم في اطار الحركة التشكيلية النشيطة التي يعرفها المغرب ككل، وذلك لما بات يتمتع به كل من الرسام أو التشكيلي المغربي من حرية واسعة من مساحة العرض بدور الثقافة والفضاءات الأخرى ، كما يلعب الفضاء الأزرق، الانترنت، العامل الرئيس فيها، إن لم نقل العامل الأهم والأكبر، فكل يوم تصادف اسماً جديداً. هذه الحركة الفنية لا تسايرها حركة نقدية جادة تغربل لنا المنتوج لنرى المنتوج الجاد والذي يبحث ويحقق انزياح فني عميق ويحتاج وقفة تأمل لأنه يقحم المتلقي في عملية المساءلة والمنتوج السطحي الذي يَسْتَبْلِد ُ المتلقي ويقوم بإعادة اجترار بعض التجارب السابقة. بل المثير للدهشة أن البعض يقتحم عالم التشكيل كنوع من الرقي الاجتماعي فقط ليقال عنه انه متعدد المواهب، أو أن هناك من يلجأ إليه للاسترزاق للحصول على منح العروض بدور الثقافة بدون أن تكون له رؤية فنية أو مرجعية فكرية ، وهذا النوع هو الأخطر لأنه ينزل بالتشكيل إلى الحضيض لان هذه الفئة طفيلية وعامل مشوش على الفئات الأخرى الجادة، خصوصا مع تعدد أسالبهم المراوغة التي تطبعها الانتهازية. ولهذا كان لزاما علي بعد صدور الكتاب النقدي الأول الذي يهتم بالوثيق الفني والإشكالية التي يطرحها " جمالية التطبيق وإشكالية التوثيق"، أن نعود للوقوف عند بعض التجارب التي تميزت ببصمتها الفنية القوية وهي مازالت شابة تسعى لشق طريقها نحو الملتقيات والمهرجانات العالمية ، محاولة اقتحام المتاحف العالمية إن وجدت من يحتضنها ويوجهها نحو المسار الصحيح لتساير الركب العالمي في تطورات التشكيل المعاصر وهذا على سبيل المثل لا الحصر.
سنعود لطرح أسئلة منهجية لمرافقة القارئ بشكل تدرجي يجعله يغوص في عوالمها الفكرية والفنية من ملاحظة وفهم وتحليل وتركيب لتعميم الاستنتاج على أعمالها عامة : فمن هي سهام جوهاري؟ وماهي المدرسة التي اختارت التعبير في إطارها ؟ كيف تفاعلت مع منشئها الفني من حيث الضوء والكتلة اللونية ونقط الجمال في أعمالها؟ ما هي الخلفية الفكرية أو الفلسفية التي حركت أعمالها وحاولت من خلالها تحقيق انزياح فني؟
سهام جوهاري تشكيلية عصامية من المواهب الناشئة ببني ملال، تحاول أن تنحت لها مسارا تشكيليا واضحا ومسؤولا، حين تقول:" أسكن الألوان لأقول ما أشتهي قوله دون أن اضطر للتبرير" فهي تمتلك ثقة عالية في النفس لأنها تؤمن أن المهم ما تعتقده أنت عن نفسك وليس ما يعتقده الآخر عنك. حاولتْ العمل في اطار المدرسة الواقعية ببصمة وانزياح فني يحمل بصمتها في بداية مشوارها الفني ، فعملت على بناء اللوحة بروحية إيصال الرؤيا المتخفية من جمال الطبيعة للمتلقي لتقحمه في المساءلة وتقاسم الهم الفني التعبيري في اطار المرئي واللامرئي، والنضالي لكي يصبح الإنسان إنسانا بذوقه وإحساسه ومرجعيته الفلسفية والاستستيقية على حد سواء، بتحريكها للكتلة اللونية بدقة ومهارة في اطار الواقعية التعبيرية كنص تجزئه من الواقع لتعيد صياغته برؤية جمالية بخلفية فكرية شابة تعج بالحركة والنشاط. حاولت خلق مزيج غير مألوف بين تنسيقات بسيطة ورؤية مضبوطة للوضع الإنساني في اطار ثقافة العهد الجديد لحقوق الإنسان وما يعرفه العالم العربي من تحولات فكرية وحقوقية فدعت للتسامح والتضامن كتيمات لأعمالها بألوان يغلب عليها الضوء الاشراقة رافضة أن تكون أعمالها ظلالا لغيرها. في جميع معارضها الجماعية أو الفردية حاولت أن تختبر جميع التقنيات لإبراز القيم الجمالية التي تؤمن بها، وتذهب إلى التشخيص من وراء غطاء أو ستار رمادي برمزية كحالة منفردة على اغتراب ذاتي داخلي بشكل بنيوي ومتشعب لتذهب إلى جوهر الأشياء باختصار تساؤلات وجودية دون الانجراف في معالجتها في الزخرفة اللونية الواقعية .
في معالجتي لأعمالها لاحظت أنها كانت مسكونة بهذا: السؤال/الموضوع، إنه سؤال أنطلوجي، فكل الحضارات حاولت أن تجيب عن هذا السؤال، إذ إنه متأصل في اللاوعي الحضاري والاجتماعي للبشرية جمعاء، مثله مثل سؤال "الخلق"و"العدم" والأسئلة الميتافيزيقية الأخرى.. كما حاولت إعادة البناء الجمالي على مرجعية فكرية فلسفية تربي الذوق الفني، لأنها تؤمن أن التشكيلي الذي لا يستطيع أن يأتي بجديد، ما هو إلا صدى لماض زائل، إنه صوت سابقيه، يعشون داخله، يقتاتون على دمه، وغير قادر على التحرر منهم، وهنا يغيب الإبداع الفني، هي تُنَظر لفن مسؤول وعميق يرقى عن ثقافة الاسترزاق والاستجداء للحصول على الاعتراف،هي بفلسفة التحجب تظهر ماهية عملها لان وراء الشكل واللون حقيقة مسلم بها ومعرفة تتم مساءلتها وتقحم المتلقي فيها ما دامت بنية العمل الفني غير موجودة في ذاتها حسب ما أورده العديد من الفلاسفة. هي كتشكيلية شابة استطاعت أن تنتزع الاعتراف بنضالها الفني والثقافي والحقوقي وتوثق ذلك في لوحاتها التي تعج بالحركة رغم عمليات الدفن أو التهميش التي تطالها كأنثى ، فتثور رافضة هذا، ويبرز ذلك من خلال عملها الفني : انتفاضة الرمادي التي تبرز فيه اليدين تحاولان الظهور رغما على عملية التستر التي تمارس عليها بغطاء رمادي من مصدر مجهول. فهنا وقفت الذات المبدعة موقف البينية كأنه بين "الوضوح والوضوح"، ووجود مدعاة للتشكك والارتياب والاستفزاز بهذا الرمادي الذي يلف الجسد كله. اللوحة إذن ، على الدوام، برزخ للإيشاك العالق بين "الوقوع": التعري و "اللاوقوع" :التستر، أو بالأدق بين "الوقوع والوقوع" هناك إبداع صارخ ورافض وثائر. بين حيز "الممكن" وجود الذات المبدعة وراء العمل الفني و"المستحيل" تخطي هذا الحاجز الرمادي. البينية لا هي وضوح من جهة اليمين، ولا هي كذلك من جهة اليسار، ومن هنا تدخل في عملية البينية وكذلك عملية النسبية بين وجودين. والبينية وجود "مشبوه" منقوص يشي بـ"هلامي التمثل" في نظرها فالذات المبدعة هلامية مازالت لم تتشكل في نظرها، مثيرة ومريبة في الآن ذاته لان هناك يد خفية تحجبها. ممنوعة من المعنى والفهم. فهي رافضة لكل تشكل فني فيه نوع من الاستخفاف والغموض و بينية الجنس فـ"المسترجلة والمستأنث" ينوءان بوزر "الاسترجال والخنثية " في نظرها بما هما "بينيان" فهي تحيى أنثى لتموت أنثى في إبداعها ولا ترفض الإعلان عن اعتزازها بأنوثتها، أي نشاز على مجرى الحياة مرفوض في نظرها، لان البينية في نظرها تشكل منطقة غامضة. منطقة يمتنع فيها الجنس عن الانتماء ويرفض وضوحه. "كائن" بين المنزلتين/ الصفتين. لا هو أبيض ولا هو أسود… مرفوض في نظرها.لكن "البين" في الإبداع كذلك برزخ الافتتان والانجذاب واللذة والتعشق. وبرزخ توهج سؤال التحير. الداخل فيه غريب محتار، والآيب منه غريب محتار. فكل متعب بعبء الذات؛ فيه هناك، يتجرد من الوعي والمعنى. ويغدو بلا شجرة ولا ثمرة. متحررا من "الأنا" ومعبرة عن الذات الإبداعية في نفس الوقت ؛ لان "الأنا" وتد للتقيد والعقال والذات المبدعة للتحرر والانبعاث. أفليست الحرية هي حين ينتفي الانتماء. وتنطلق الكلمة بلون الإبداع حرة بلا ربط المعنى وبلا مرمى؟. لتنفتح على مجرة التأويل.
في مرحلة أعمالها التجريدية التي اختارتها مؤخرا وفي "نشأة عملها الفني " تريد إثبات الهوية النسائية أكثر من أي شيء مستعملة أحيانا بعض الرسوم الثقافية لتثمين الموروث الثقافي valoriser، عكس أعمالها الواقعية التشخيصية التي كانت برمزية المتستر وراء الرمادي ولا تبرز إلا الأيادي رمزا لرغبة التغيير والتطلع إلى نزع النقاب عن خفايا الروح، أنها استعملت الرمادي ونحن نعلم رمزية الرمادي في التماهي والصراع الخفي بين الأبيض والأسود، وهنا ينجذب الطبع الإنساني للوضوح وينحاز لضوء النهار مأمنه البصري، خلاف الحلكة، بدون شك. غير أنها في التجريدي، في الوقت نفسه، تنجذب أكثر بكثير إلى الغامض والغريب، والمستعصي عن الإدراك، ولو بنزوة الفضول. عملها التشكيلي مجبول هو على مساءلة الوجود، واستقصاء أثر الأصل والمغزى. فيه غموض وألغاز، بل هو موطن احتدام الخيال والحلم والواقع المأمول وينثر الأشياء خلقا جديدا بجمال وصفاء جوهر الجواهر، وروح الأرواح. فيعاود الكون كونه برونق صفاء البدء الأول..بل في بعض لوحاتها تكون مباشرة حيث ترفع أيادي ببصمة القلب وهي دعوة صريحة منها للحب والإخاء والتطوع ونكران الذات والصفاء بلغة الألوان ونسيجها وكتلها.
عموما إن التشكيلية سهام جوهاري تساءل الألوان والفضاء الإبداعي والرموز التشكيلية لتحمل لواء الجمال الفني والفكر الفلسفي المشكك في كل شيء إلى أن يمتلك قوانين تضبط الظاهرة الإبداعية، تحاول الخروج من النمطية الفكرية الفنية لتساهم في تشكُّل المشهد التشكيلي بمنطقتها خاصة وبالمغرب عامة ، ولهذا وجب عليها أن تستمر في نفس النسق الإبداعي والفكري الذي تُنظِّرله لأنها تبحث عن حقيقة وهذه الحقيقة هي جوهر الحرية كما يقول هيدغر، حتى تكون قادرة على المكاشفة لذاتها من خلال وجودها الإبداعي.......خيرة جليل ,





قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب