أضيف في 2 مارس 2018 الساعة 01:48

النقد التشكيلي بين التأطير .و التنظير.....خيرة جليل


خيرة جليل
النقد التشكيلي بين التأطير .و التنظير







دمقرطة الإبداع التشكيلي والنقدي








لعبت الانترنت دور دمقرطة الإبداع بجميع فروعه وإمكانية القراءة والكتابة والنشر بين كل مواطني الكون وليس البلد الواحد، مما جعل إمكانية الإبداع فعلاً متاحة للكل، وغير مقتصرة على نخبة معينة، والتي كانت تحتكره بكل أصنافه. وخصوصا التشكيل والكتابة النقدية عنه و النشر والقراءة له. وهذا في حد ذاته تبشير بأفق تشكيلي رائد ومنفتح لمواجهة التطرف بكل أشكاله الديني والسياسي والفكري. لكن هذا في حد ذاته سيف ذو حدين بحيث أتاح إمكانية وجود نخبة طفيلية تعيش على اقتناص الأفكار الرائد لتنسبها لنفسها خصوصا إن كانت لها إمكانية الطبع والنشر بنفس القدر الذي فيه نخبة تحارب كل من يحاول أن يظهر بالساحة الإبداعية ،خصوصا في مجال التشكيل والكتابة عليه، خوفاً من الكشف عن ضعفهم لعدم قدرتهم على التطور والخروج من عباءة ماضيهم، وأيضاً الكشف عن مصادرهم التي أوردوا منها ووضعها تحت مجهر الدراسة والتمحيص والكشف عن مواطن الضعف والقوة بها.
يبقى أن التشكيل ليست ترتيب ألوان وأشكال ورموز قرب بعضها البعض في منطق نحوي، بل إنه أكثر من ذلك، إنه تجديد مستمر ومجموعة من مرجعيات فلسفية وثقافية وفكرية تمتح من الموروث الثقافي لتجدد دماء الإبداع المعاصر لتفتح أفاقا فكرية للمستقبل ودمجها مع الإمكانيات التنموية الفكرية والاجتماعية للمجتمع ككل، فالتشكيلي الذي لا يستطيع أن يأتي بجديد فكري أو تقني ....ما هو إلا صدى لماض زائل، إنه صوت سابقيه، يعيشون داخله، يقتاتون على دمه، وغير قادر على التحرر منهم، وكم هذا صعب، لأنه سيكون كائنا يستنسخ تجارب سابقيه ليس إلا. لهذا، إني أذهب إلى أبعد من ذلك في الرمزي، فلا تشكيل بدون حياة، ولا حياة دون تشكيل. لان التشكيل في نظري هو أول إبداع تعرف عليه الإنسان كلغة تعبيرية إلى جانب الرقصات الجسدية و التعبيرات الصوتية مثل الصفير وتقليد أصوات الحيوانات والطيور قبل الكتابة فعل عقلي إدراكي تطبيقي وتقنين فعلها كلغة بنطقها ورسمها الشكلي.
لن أعود للحديث عن التجارب التشكيلية العربية والمغاربية، وعن المدارس المغربية ودورها في النقلة النوعية للتشكيل المغربي عامة لان هذا اصب حالان متجاوزا في ظل السرعة التحولية التي يعيشها المجتمع المغربي والعربي عامة. ولكن سأقول إن البطء في التعامل مع المتجدد العالمي، جعل النقد الإبداعي العربي عموما و في مجال التشكيل خصوصا يبقى حبيس التنظير القديم، والتباين الزمني في التعامل مع النقد الغربي جعل هناك نوعا من التبعية، سواء أردنا الاعتراف أو أبينا. كما جعل النقد التشكيلي المغربي والعربي عموما يطغى عليه طابع المجاملة عوض القراءة المحايدة والمتأنية لأعمال الفنان التشكيلي وسبر أغواره الفكرية، والدليل على ذلك انك تقرأ نصا نقديا تشكيليا لأعمال فنان ما، والتي في معظمها تكون مجرد استنساخ لتجارب إما غربية أو عربية ، فتجد الناقد عوض أن يقف ويشير إلى ذلك فإنه يذهب مباشرة للحديث عن إمكانيات الفنان وتمكنه التقني وجهاده وووو ...... والتمكن التقني عادة لا يعني انه فنان مارس انزياحه الفني والفكري، فكم من رسام ليس بفنان، فالفنان قد لا يتقن الرسم لكن يتقن الإبداع في التشكيل اللوني وببعد فلسفي عميق،علما انه من الممكن أن يكون عمل فنان ما هو إلا إعادة إنتاج أعمال عالمية معروف بتقنياته الخاصة وبأسلوبه الخاص في اطار البحث وإحياء تراث هذا الفنان. لكن ليعلن منذ البداية على أنه في اطار بحثه أو أي شيء من هذا القبيل وعادة هذه العملية لا يقوم بها إلا الطلبة الباحثين في هذا المجال في حفلات تخرجهم بتنظيم معارض من هذا القبيل بحيث يكون بحث تخرجه تحت إشراف لجنة مؤطرة هو محاولة إعادة أعمال ماتيس أو بيكاسو آو ليونارد أو شاكال أو ميكاييل أو أي فنان من جميع الأزمنة والأمكنة والحضارات الإنسانية ....أما عندما يرسم التشكيلي طريقه الفنية الإبداعية يجب أن تكون أعماله لا تعبر عن أي احد إلا عن نفسه وطموحاته وأحاسيسه وتطلعاته وانفعالاته مع محيطه إكراهات زمانه.
ومن هنا يأتي النص النقدي للتشكيل نص إبداعي، في حد ذاته يعكس ثقافة وتنظير صاحبه في الساحة التشكيلية الوطنية والدولية عامة، وهو نص محايد رغم أن كلمة الحياد تظل نسبية لان كل مبدع أو ناقد هو ابن بيئته، ولكن يبقى كعامل أساسي، لهذه التبعية هو تطور الإبداع في حد ذاته ، فالنقد هو دائماً تابع للعمل التشكيلي ومتتبع له ، وهذا الأخير مادام غير قادر على أن يتمرد على القوالب الغربية أو المتعارف عليها عامة فالنقد سيبقى حبيسها أيضاً، فتاريخ النقد هو تاريخ المنقود بالضرورة.
اليوم نلاحظ هناك غزارة في الإنتاج خاصة بالنسبة للشباب وتفسيري هو دور العولمة والانترنيت في حق الحصول على المعلومة والانفتاح على تجارب وطنية وعالمية واضح . لكن لم تواكبه حركة نقدية جادة لان النقاد، وأقول بعضهم وليس كلهم، اهتموا بالمجاملات واستقطاب الأضواء والصراعات السطحية ولم يستطيعوا الغوص في أعمال هذه النخبة الجديدة أو المجددة في مجال التشكيل. بل أن بعضهم يرفض الكتابة على تجارب جديدة أو شابة لأنهم يروا فيها تمردا على سلطتهم الفكرية وهيمنتهم النقدية، والأدهى من ذلك أن بعضهم يربط الإبداع بعدم تلقي التشكيلي تكوينا أكاديميا أو أن لا علاقة له بالتخصص، علما أن بعض أعظم التجارب لدي بعض التشكيليين في الماضي اشتغل بعضهم الطب أو الفلسفة و الشعر والإنتاج الفكري عامة . بل أن بعضهم عرفوا كشعراء وأدباء ولم يعلنوا عن أنهم رسامين رغم أن لهم تجارب عميقة مثل جبران خليل جبران مثلا.
وهذا ما يضعنا أمام "بارادوكس" من حيث أننا أمام وجهتي نظر، الأولى رائية بكون هذا الزخم يفتح الإبداع أمام نوع من "الميوعة" لا تخدم إشكالية التشكيل خاصة في شيء، إذ أن هذه الغزارة تخلق متلقياً غير قادر على التمييز بين ما هو "فني عميق" للتأمل والنقد والمساءلة وما هو سطحي غير صالح "للنقد والتداول" لأنه لا يوفر متعة بصرية ومساءلة فكرية. بينما يرى آخرون، أن هذا الكم هو في حد ذاته مفيد، ويعد نوعاً من مواجهة التراجع والتخلف و"التدعش". إذ أن دور النقاد الحقيقي هو غربلة الأعمال الجيدة العميقة والأعمال السطحية أو الاستنساخية والفارغة من أية مساءلة فكرية أو إقحام للمتلقي في المساءلة الفكرية الإبداعية. والوقوف عند الأعمال الجيدة العميقة التي تستدعي وقفة تأمل عقلية ممنهجة بأدواته النقدية مع الانفتاح على التجارب الكونية المتجددة متفحصا إياها ومبرزا مكامن قوتها وانزياحاتها الإبداعية، وليس ممارسة المجاملة في حق المبدع حتى لا يكون بمثابة النفخ على الرماد باسم انه جمر لاهب ومتوهج ويحمل في مكامنه أشياء صورية، بحيث يكون العمل قابل لتحقيق متعة بصرية وراحة نفسية للمتلقي، لكن في نفس الوقت تحس بانزياح فكري فلسفي فني يمارس ثورة وقطيعة مع الاستنساخ للأعمال السابقة. وغير الجيدة، وفي نفس الوقت الابتعاد عن إطلاق أحكام القيمة بالقول : هذا العمل جميل جدا أو بشع أو غير جيد لأننا في وقت لا نعرف الخلفية الفلسفية لمدارس الجمال الحديثة. وهناك غموض ونسبية الأحكام لأن ما هو جميل في رأيك هو بشع في رأي الآخر والجمال تختلف مرجعياته ومعايره حسب الثقافات والمجتمعات والحضارات... وليس لأحد حق منع الآخر من حق الكتابة النقدية والإبداع فيها بنفس الدرجة في مجال الإبداع التشكيلي ..وإنما كل إبداع هو وليد بيئة معينة من استعمال للألوان والكتل وتوزيعها والرموز والأشكال. فالموسوعة اللونية وكيفية تشكيلها واستعمالها يختلف بين العصور والفترات الزمنية بل حتى بين القارات في نفس الزمن ، فسلسلة الألوان الإفريقية عادة ليست هي نفسها في جنوب شرق أسيا أو سيبيريا أو أوربا في علاقتها مع الضوء والظلال ومدى دفء استعمالها....فكل حضارة أو مجتمع يضع معاير تقنية ولونية منذ ان تم وضع معايير الرسم بمقياس الجسم البشري وتم تحديد مركز اللوحة. وهنا يدخل دور التجديد في المجال الإبداعي بحيث يستطيع الفنان المجدد اقتحام الأوان والأشكال والرموز والاسندة الغير ليكسر القواعد القديمة المتعارف عليها في مجتمعه ويبدع فيها بإدماجها مع موروثه الثقافي بتعدد روافده الفكرية والفنية وانفتاحها على الحضارات والمجتمعات الأخرى. كما يجب على الناقد مسايرة هذا التجديد والتعريف بمكامن قوته او ضعفه، وعدم إصدار إحكام قيمة كقوله : هذا "جميل "وهذا "بشع " فيقارن الحديث المتجدد بالقديم الموروث، لان هذه الأحكام تقتل الإبداع وما كان يوما بشعا اكتشف مع مر الزمن انه فن عميق يحكي عن معاناة مبدعه أو إكراهات مجتمعه أو كارثة إنسانية كلوحة كرنيكا لبكاسو مثلا التي اثارت في بداية الامر جدلا كبيرا وفي الاخير اعترف بها أنها من أهم ما أبدع بكاسو. بل هناك من ذهب إلى حد القول "إن بيكاسو سرق الإبداع الأفريقي برسم ما كانوا يرسمونه على جدران بيوتهم الطينية و ينحتونها على أقنعتهم الخشبية بخلفية المعتقد الديني في محاربة الشر أو الأرواح الشريرة ، وحولها إلى لوحات " وأنا أقول: انه استلهم أعماله من الموروث الثقافي الإفريقي. وأن في التناقح الفكري ليست هناك سرقة وإنما هناك مرجعية فكرية للبحث التشكيلي لاستلهام أفكار جديدة أو تجديد المتوارث لمسايرة التطور، وهذه مرحلة في حياته تعكس تأثره بالمرحلة الإفريقية مثله مثل ماتيس أو سان لوران أو ماجوريل.
إني أأكد أن الناقد التشكيلي العربي يجب أن يكون ناقدا مبدعا في حد ذاته ليساير التطور التشكيلي والانعتاق الفكري للتشكيلين حتى يستطيع نحت منهج نقدي محلي معاصر يفرض نفسه على الساحة الدولية ويكسر التبعية للغرب، لان النقاد الذين يمارسون الهجوم الفكري على المبدعين المجددين والنقاد المجددين هم في الواقع غير قادرين على أن يكونوا مدرسة أو اتجاهاً أو تياراً نقديا عربياً خاصاً – محلياً على الأقل. فالخلفيات التي يستندون عليها نقادنا اليوم كلها غربية محضة مما كتبته مؤرخة الفن طوني مارايني مثلا لتشكيليين أخذوا مراجعهم من مرجعيات متعددة وطرحوا مسألة الهوية التشكيلية والمرجعية الفكرية التراثية الغنية مثل فريد بلكاهية و محمد شبعة وومحمد المليحي والذين استطاعوا دمج التشكيل في الهندسة المعمارية أحمد الشرقاوي وهناك من تجاوز هذه الإشكالية مثل محمد القاسمي وفؤاد بلامين ، وهذه المرجعية الغربية ليست نص مقدس بقدر ما هي اجتهاد فردي. فالنقاد الجدد غير قادرين على تجاوز "الخطاب النقدي الغربي"، ويطغى على معظمهم الطابع المجاملتي والعيب لا يقف عند النقاد فقط، بل إن المبدعين أنفسهم يبدعون انطلاقاً من ما آلت له الإبداعات الغربية الأجنبية، أو بعشوائية أو استنساخ وقرصنة بعض الأعمال الناجحة، حتى انك تحس بالضياع في بعض الانتاجات الفكرية بين الهنا وهناك، لا هو بواقعي و لا تجريدي ولا فطري، ولا يستطعون تأسيس نمط يميزهم عن التجارب الأخرى أو تحقيق انزياح فني وفكري معين، إلا أننا نتحسس أملاً خفيفاً، وضوءً في الأفق في اطار هذا الانفتاح العالمي على تجارب مختلفة لاغناء التجربة المحلية والتي لها تراثا فنيا غنيا وثريا. يمكن أن ترقى به للعالمية والكونية حتى تخرجه من النظرة الضيقة للفن. فالإبداع الناجح يحمل بصمة صاحبه لكنه يحمل جميع خصائص لغة التشكيل الكونية، بحيث يتم قراءته من طرف كل سكان الكرة الأرضية دون الاحساس بالقطيعة اللغوية أو الفكرية. فالإبداع بالدرجة الأولى لغة بصرية تقاس بالإحساس وما هو روحي يختلف التعامل معه من شخص لأخر، وهنا يجب أن لا نستعمل القياس اللفظي في كلمات قد تقتل معنى الإبداع ونخضعها لأحكام قيمة، فما تراه أنت جميل لا يشكل محطة جمال للآخر ولا يستقطب انتباه، بل انه لا يمارس عليه أدنى قوة انجذاب روحية. بل ويغيب فيه الحكم المنطقي ، فما قد تراه أنت لون فرح وضوء إشراقة يراه الآخر نار تحرق الأحشاء وألم في خفاء يعجز عن التحرر منه.
لهذا فأنا اعتبر أن النقد التشكيلي هو علم وإبداع فني واجتهاد متجدد، يجب أن نتعامل معه كما نتعامل مع العلوم الإنساني بمنهج دقيق ينطلق من :
الوصف،التفسير، الاستنتاج، اقتراح بديل في حالة وجود ثغرة فكرية آو تقنية أو تنظير لما سيكون عليه الوضع التشكيلي في اطار التحولات العامة ....خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب