أضيف في 28 فبراير 2018 الساعة 17:49

التلاميذ والفلسفة


نورالدين البودلالي
هل نعلم التلاميذ التفلسف؟ أو، على الأقل، هل يستوعب التلاميذ المعرفة الفلسفية؟ إذا كانت الفلسفة هي الطريق إلى الفكر النقدي، فإلى أي مدى يمارس التلاميذ في حياتهم اليومية التفكير بعقل نقدي وتحليلي؟ ثم هل تحقيق هذا الهدف يستدعي تدريس الفلسفة في أقسام دنيا: الإعدادي، مثلا، أو حتى أقسام الابتدائي؟
الفلسفة ليست درسا يلقن ويدرس، إنها ممارسة؛ وهي ليست كما معرفيا يمتلكه الفرد بتجميع النظريات واستحضارها كلما دعت الضرورة لذلك (مثلما يسرد أصحاب الدعوة آليا وصاياهم الدينية عند كل عقيقة أو زواج أو موت). إنها تبدأ بالسؤال الذي يتطلب تفكيرا وتحليلا لمعطيات واقعية مادية أو غير مادية تؤدي إلى فكرة جوهرية. سؤال الطفل عن وجود الله، مثلا (أين، كيف، لماذا)، أسئلة صغيرة، مضامينها كبيرة، تفرض على الراشد مراوغته: «حتى تكبر وتعرف»! فيتأجل الجواب عنها كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من الأسئلة. حين تغمر الفرد السائل الدهشة البدائية ينتفض التأجيل (الكبت) في ردة فعل المجيب.
وتمر الأيام طويلة إلى حين يلج الفرد أقسام الباكالوريا فيجد نفسه أمام فرصة لتلقي الجواب عن كل ما يسكن سريرته من إشكالات مؤجلة (الدين، الدولة، النفس والمجتمع...). لا تعطى له فرصة إشباعها، فعليها أن تنتظر دورها في قائمة الدروس المختومة بملخصات. أكثر من ذلك ثمة إطار وحدود لا يجب تجاوزها، وإلا اختلط الحابل بالنابل، وعمت الفوضى تلك الدروس. وأخيرا الأسئلة، مع أستاذ المادة، لم تعد ذات قيمة، كل شيء سيأتي بالترتيب في صورة معرفة مكتملة.
بالنسبة للأستاذ المادة الدراسية هي أولا وقبل كل شيء مورد رزق، فلا يسعى لأخذ ملفاتها باعتبارها رسالة على عاتقه يناضل من أجل ترسيخها وإشاعتها. كان من الممكن أن يكون معلما يعلم الأطفال أبجديات المعرفة، أو بالإعدادي مكلفا بمادة ما. المادة الدراسية هي مورد رزق، ثم هي مسؤولية أخلاق المهنة أو، حتى نبقى واقعيين، أخلاق المدرس نفسه هي التي تعين نسبة تفانيه وجديته في إيصال المضامين. أما المادة من حيث هي مادة الفلسفة تدرس في سلك التعليم الثانوي فإنها في نظر التلاميذ مادة، من بين مواد أخر، قد تساعد على النجاح وقد تسبب الرسوب، لكن تحصيلها أصبح يميل أكثر فأكثر إلى الحفظ، ككل المواد "الأدبية"، أو النقل عبر الغش في الامتحانات. وعلى كل حال فإن الفلسفة، وكما أراها، نخبويه لا يستوعبها إلا قلة، بينما العامة تراها مادة ككل المواد، قد تيسر الترقي الاجتماعي.
لا يمكن انتظار الوزراء المتعاقبين على كرسي وزارة التربية الوطنية كي ينصفوا المادة، فهم ينتمون للتربية الإدارية، أقصد الربح والخسارة، من الجانب المادي أو السياسي وحتى الاجتماعي. الرهان موكول على مدرسيها: عامة الناس لا ينظرون إليهم ككل المدرسين، ككل الخلق؛ إنهم طينة أخرى، يزرعون الإلحاد ويخربون عقول الناشئة ويزرعون الشقاق بين اللحمة الاجتماعية. هذا ما تقول عامة الناس، وليس لكم الحق في نعتهم بأي نعت لأنهم لا يرون في الأستاذ إلا المنقذ من الفقر، فإن كبح الترقي فلابد أن يكون "الحائط القصير". من جانب آخر، وككل المدرسين، يهيئ الأستاذ مادته في تحاضير ويبلغها بطريقة تلقينية للمريدين، وأحيانا بدون منهجية، تماما كما بوصل مادة العربية أو الاجتماعيات أو التربية الاسلامية؛ وعند الامتحان، الذي «يعز فيه المرء أو يهان»، تكون القلة هي الحاصلة على المعدل. حقيقة ثمة من الأسباب ما يجعل أغلبية التلاميذ لا يحبون المادة لأنهم، وكما يصرحون، لا يفهمونها ويخلطونها بمواد أخرى.
ما العمل إذن؟ لا سبيل، في رأيي إلا بتصالح المادة مع مجتمعها. أرى أن بعض المهتمين بالفكر الفلسفي لا ينفكون يحيون الصراع القديم بين الدين والفلسفة، ويرون أن كل النكبات هي مقصودة من الفكر الديني المعادي للفكر الفلسفي، في حين غالبا ما يكون سببها مرتبط ليس بالسياسة الداخلية للبلاد فحسب وإنما بإكراهات مالة وسياسية دولية. لابد من ربط الفلسفة بواقعها المادي والمعنوي، لأنها لا يمكن أن تكون إلا نتاج هذ الواقع. كل من فصل الفكر عن واقعه إنما يصر على مخاصمة مجتمعه. وليس المجتمع تلك النخبة التي تتواصل بينها، وتعادي عموم الشعب يد كل إصلاح، بإقصائه لن نفعل سوى تكرار الكلام.
طيب، لدي سؤال سأعلقه: إذا كانت الفلسفة بنت بيئتها، فلماذا يتخمنا فلاسفة المغرب بنظريات لا "تتبلّد"، ويسقطونها، كما في التحليل النفسي، على واقع أعجمي عنها؟ ونطلب من التلاميذ أن يستوعبوا الدرس الفلسفي، وهم يهاجمونهم في أكثر نقط شخصيته حساسة؟ اتركوها أسئلة معلقة!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب