أضيف في 23 فبراير 2018 الساعة 22:53

خيرة جليل : ''في تخوم الشعر تصبح الترانيم بكاء كلمات لتبوح بأسرار معابد الإبداع'' قراءة في ديوان ترانيم من بوح بلقيس للشاعرة فاطمة قيسر


خيرة جليل
"في تخوم الشعر تصبح الترانيم بكاء كلمات لتبوح بأسرار معابد الإبداع"
قراءة في ديوان ترانيم من بوح بلقيس للشاعرة فاطمة قيسر
يقول أحد الشعراء والنقاد أن الإبداع العربي يعرف زخماً، غير ذي سبق، في عدد “الكتاب والشعراء”، العدد الذي يتزايد يوماً على يوم، لما بات يتمتع به الشاعر العربي من حرية واسعة من مساحة النشر، يلعب الفضاء الأزرق، الأنترنت، العامل الرئيس فيها، إن لم نقل العامل الأهم والأكبر، فكل يوم تصادف اسماً جديداً يكتب في جنس أدبي معين، من شعر وقصة ورواية ونقد وغيرها.. وهذا ما يضعنا أمام “بارادوكس” من حيث أننا أمام وجهتي نظر، الأولى رائية بكون هذا الزخم يفتح الكتابة أمام نوع من “الميوعة” لا تخدم الأدب والإبداع، إذ أن هذه الغزارة تخلق متلقياً غير قادر على التمييز بين ما هو “صالح” للقراءة وما هو غير صالح “للهضم”، بينما يرى آخرون، أن هذا الكم من الكتاب هو في حد ذاته مفيد، ويعد نوعاً من مواجهة التراجع والتخلف و”التدعش”، إذ أن دور النقاد هو غربلة النصوص الجيدة وغير الجيدة، وليس لأحد حق منع الآخر من حق الكتابة والإبداع." وأنا اليوم قررت أن أقوم بقراءة في شعر الشاعرة فاطمة قيسر، وحين أقول : قراءة في ديوان، فانا اعني ما أقوله بمفهوم القراءة . فانا لن أقدم نقدا بقدر ما سأقدم قراءة والقراءات تتنوع من شخص لآخر حسب الخلفية الفكرية للقارئ ، وحسب الرؤية التي يُنَظِّر لها. أهدتني ديوانها بمعرض الكتاب بالدار البيضاء على الساعة الرابعة مساء، وعدتها بذلك وما إن ركبت حافلة العودة التي تقلني من الدار البيضاء إلى بني ملال حتى انقضيت على الكتاب ألتهم صفحاته على ضوء هاتفي النقال. وصلت على الساعة الواحدة صباحا ولم ارغب بالنوم رغم تعب اليوم والسفر، وها أنا أجد نفسي فعلا سبية قصائدها أعيد قراءتها عدة مرات لعلي اسبر أغوار أفكارها وهي من لعبت على حبل السهل الممتنع، المكاشفة اللغوية لدرجة التعري الروحي دون السقوط في الميوعة الفكرية آو الوقاحة اللغوية.
الطبعة الأولى للديوان من الحجم المتوسط ب77 صفحة من إصدار مؤسسة الوفاق بمراكش بالمغرب من 44 قصيدة ، بلوحة من تصميم الفنان التشكيلي عبد العزيز العباسي.
ستبدأ القراءة بمنهجية التدرج لتسهيل التعبير على أفكاري التي كانت حصاد ديوانها:
ـ الغلاف: اللون و العنوان ولوحة الغلاف:
الاختيار للون للغلاف واللوحة وكتابة العنوان اختيار موفق في علاقته مع كلمة "ترانيمُ من بوْح بلقيس"
فالعنوان فيه الترانيم وفيه البوح ، فنسأل كيف للبوح الذي يجب أن يكون عميقا وخفيا أن يصبح ترانيما؟ المسالة مقصودة للتعبير على ان الغناء ليس دائما نابعا عن سعادة، فأحيانا الترانيم تكون بكاء بلا دموع. فالترانيم بكاء عميق يجب أن يؤثر في السامع لأنها صادقة وهي أدخلته في خانة البوح لبلقيس هذه الشخصية الأسطورية والدينية التي ارتبط اسمها بسبأ وبنبي الله سليمان. بلقيس الجميلة المؤمنة الوديعة المسالمة التي جاء بخبرها الهدهد لسليمان من سبأ المدينة العريقة الشامخة بجبال جنوب شبه الجزيرة العربية وتعرف بزخارف منازلها وجمال معمارها. هذه المدينة التي كانت موطن كنوز ثمينة مازال العقيق اليمني يستورد منها ، وهذا فيه رمزية كبيرة . فالاحجار الكريمة لا توجد الا بالاماكن الوعرة وتحتاج للتنقيب والصقل والى امرأة حكيمة تدبر أمورها. وهذا يدل على ان الشاعرة تعتبر المنطقة النائية التي تشتغل بها رغم وعورة تضاريسها فإنها تضم كنوزا ثمينة تتمثل في الناشئة التي ستكرس لها الوقت للتنقيب عنها وصقل موهبتها بالتمدرس والتعلم الجاد والهادف. سؤال لماذا اختارت بالضبط شخصية بلقيس وسبأ كرمزية للتعبير عن أفكارها؟ ربما يعود هذا لشدة تأثرها بالأوضاع السياسية التي تمر منها اليمن وما آلت اليه الأمور من خراب وقتل ودمار ، فحز في نفسها هذا الوضع مادامت تجمعها رابطة الابداع الشعري مع العديد من المبدعين والمبدعات اليمنيين والعرب عامة، وجد طبيعي ان يكون هذا التأثر بسبب الانفتاح الفكري للمبدع على كل العوالم الاخرى عبر الانترنيت التي دمقرطة فضاء الإبداع.
هذا تفوق في اختيار اللوحة وفي تموقع الذات المبدعة على آخر حافة حروف قلعة بلقيس، ولهذا دلالة بصرية وفكرية قوية، بحيث أن الشاعرة جالسة بكل اطمئنان على حافة حرف من تحته فراغ بدون اكتراث لما حولها مشيحة ببصرها نحو الأفق البعيد مديرة ظهرها لكل أوجعها وهمومها ومؤمنة بان القادم أجمل مما تركته وراء ظهرها.واستعمل الفنانة ألوانا قاتمة وغموض الأشكال المتراكمة خلفها بكتابة بيضاء على بني غامق في علاقتها بخيوط عمودية وأخرى أفقية تشبه الطلاسم وفي نفس الوقت هو كبقايا سبورة اقتطع منها الزمان أماكن ليست بالهينة، يتخللها اللون الأزرق حول عنق بلقيس بتوزيع مسحاتي ضئيل تعبير عن لعبة النسيان التي تحاول الشاعرة لعبها وكأنها في مهب رياح الكلمة والشعر.
فيما يخص البنية القصائدية للديوان ومحاولة معرفة التيمة الطاغية عليهفي علاقتها مع ة البنية الفكرية التفاعلية لشعر الشاعرة فاطمة قيسر داخل القصيدة نفسها، اضطررت أن أقوم بتقسيمات منهجية فقط لتسهيل القراءة على القارئ حتى يقف على كل خلجات وأفكار الشاعرة بشكل مبسط ويستطيع النفاد إلى عالمها العميق .
دراسة إحصائية بالنسبة المائوية لتصنيف قصائد الشاعرة حسب الموضوع لمعرفة الصبغة التي تطغى على قصائدها انطلاقا من الديوان :
3 2 1 نوع القصيدة
7 21 16 العدد
16 48 36 النسبة المائوية
44 المجموع





1ـ البوح بآلامها وأحزانها وهو يشكل نسبة 36 في المائة من قصائدها
1ـ لم خطفوا القمر.....9
ليلتي ظلماء، رموا روحي كدرا
متى أعانق قمري
متى اعزف الوتر
2ـخيوط الدجى ص 11
خيوط الدجى ترسم السواد
تحجب القمر، تحرق الأكباد
استرق السمع لعلي أعانق
صوت الأطيار ينشد البعاد
2ـ الاستنجاد والنداء للبوح عن ألامها وهمومها 48 في المائة من قصائدها
2ـ قصيدة يا بحر ..ص:13
تتقاذفني أمواجك،لا مجذاف لي إلا أنيني
يا بحر هدىء من روعك أما تكتفي أنهار عيوني؟
قصيدة يا بلقيس...ص28
يا بلقيس
يا بلقيس اكشفي عن صدق البوح
قصيدة يا فؤادي لا تسألني....ص:48
سأسافر....ص:15
يا فؤادي
يا فؤادي لا تسألني عن فرحتي
علمني كيف افرح قد تهت في دروب السؤال
يا قلمي ص:51
يا قلمي لما تعقني؟
3ـ الأمل والتحدي رغم المعانات: في المائة من قصائدها
تطرحها كبديل للوضع لتعبر عن قوة إرادتها في التحدي مبرزة أن الجبل رغم انه شكل لها فراغ زمني عاطفي يبتلعها فانه في نفس الوقت مكان آمن لتمارسها تمردها الإبداعي
قصيدة ـ أمل ص: 22
يا طيور الفرحة عودي
القمر يضرب معدا
غردي على الأغصان وزيدي
.........
سأعانقها وأقول
هاأنذا أبعث من جديد
كفرت بشموسكم وأقماركم،
قصيدة: سقوطُ مأْرِب....ص:42
تفرقت أيدي سبأ وسقطت مأْرب
سآوي إلى جبل يعصمني من الطوفان يقترب
............................
وتشرق شمس الفرحة على سدنا
يسقي العروق جفت دماء
ـ أمل ص: 22
يا طيور الفرحة عودي
القمر يضرب معدا
غردي على الأغصان وزيدي
.........
سأعانقها وأقول
هآنذا أبعث من جديد
كفرت بشموسكم وأقماركم،
قصيدة: سقوطُ مأْرِب....ص:42
تفرقت أيدي سبأ وسقطت مأْرب
سآوي إلى جبل يعصمني من الطوفان يقترب
............................
وتشرق شمس الفرحة على سدنا
يسقي العروق جفت دماء
فإذا عدنا للتحليل التفاعلي لمعرفة النسق الفكر الذي حرك الإبداع لدى الشاعرة نجد ان هذه الثلاثة التصنيفية من حركن موجة وإعصار الإبداع لديها فهي:
المجموعة الأولى: بها الحزن ثيمة ترويض النّفس عمّا تفقد ، الشعور بالألم والخيبة والتوجع والفقدان والعزلة ، لا يكفي أن يكون الرثاء حزناً بسؤال نطرحه أو نداءً نطلقه ، فالانتظار وجهٌ مملُّ لذكرياتٍ مشحونة بالنسيان والذي يحيلنا على المجموعة الثاني التي تهيمن على إبداعها بنسبة48 بالمائة، بما يصاحبها من لحظات تأمل وصمت وهدوء والبحث عن بدائل فكرية وثقافية ونفسية وعن ضالتها في الشعر وهو ما يحيلنا على المجموعة الثالثة والتي تشكل لها دئما بصيص أمل تتشبث به رغم الإكراهات مما جعل نسبتها لا تتعدى في هذا الديوان من الديوان : (قصيدة ستبلغ المنى، يا فرحتي،أمل،...) هذه المعادلة التي تحوّلت لدى الشاعرة ( فاطمة قيسر ) إلى إيضاحات : الحزن ليس اكتفاء ولا رغبة ، بقدر ما هو أمر محتوم وواقع ، يفرض علينا حينما لا نستطيع أن ندفعه عنا ولكن يجب وصفه وفهمه وتحليله واستنباط أحكام منه وتعميم هذه الخبرة، وفي كل هذه العمليات السعادة في ضجّة المكانِ الإبداعي لتكسير الهدوء الفراغ الذي يحاول ابتلاعها ، وهذا إذا رجعنا لشخصيتها القوية والتربوية كأنها تريد أن تخرج بالإبداع كمتخيل لا يخضع للمنطق إلى عقلنه الخيال الإبداعي واستنباط أحكام منه لتجاوز الأزمة التي تمر منها حتى تكون قادرة على مواجهة الارغامات القادمة، وهذا إذا عدنا للتحليل هو منهج من مناهج التحليل في العلوم الإنسانية : إخضاع الظاهر للوصف والملاحظة ثم الفهم والتحليل ثم الاستنباط والتعميم وفي التعميم تطرح البديل في قصائد أمل تشحن الهمة وتعبر عن عدم الاستسلام " قصيدة : سأسافر"....فالشاعرة حتى وهي تريد التحرر من سلطة القوانين والمنطق الغير المجدي فان الشخصية التربوية والعلمية لم تستطع التحرر منها في طريقة معالجتها للأمور في تناولها الشعري للتعبير عن كل ما يقلقها....
تذهب الناقدة الفرنسية سوزان برنار إلى أنَّ قصيدة النثر هي : ” قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية ، موحّدة ، مضغوطة ، كقطعة من بلّور…خلق حرّ ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد ، وشيء مضطرب ، إيحاءاته لا نهائية ” . 1
قصيدة النثر جنس فنيّ يكشف عن جمالية القيم الشعرية في لغة النثر ، وتهيئ مناخاً مناسباً للتعبير عن التجربة من خلال الصور الشعرية المكثفة والشفافة ، وأهميتها ترتكز : أنها تعوض الانعدام الوزني في القصائد التقليدية . وكما يقول الشاعر اللبناني أنسي الحاج -أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية إن لم يكن أهمهم – عن شروط قصيدة النثر :” لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية ، أو محملة بالشعر ، شروط ثلاثة : الايجاز والتوهج والمجانية ” .2
بالرجوع للديوان ترانيم من بوح بلقيس سنجد الشاعرة دخلت التجربة للخروج من الصمت والعزلة إلى البوح بالمكنونات التي هي تجسيميات خطابية لـبلقيس، هذه الأنثى التي استطاعت بما تملكه من خبرة علمية وتربوية وأدبية ، المراوغة والتحايل طلباً للنجاة والخلاص من الهلاك المحتوم بالوحدة والمعاناة، إنها تمثل تأريخاً لأرشفة ماض ٍ بمنطقة نائية عينت بها وهي شابة في مقتبل العمر تعج بالحركة والنشاط والطموح ، فشكل لها الإبداع قارب نجاة ومصدر قوّة البقاء ، لتعلن عن خروجها التامّ الرافض لكلّ الأغلال والأصفاد والنفاق الاجتماعي والمكائد ....لتتحرّر من عبودية التبعية الفكرية والصمت والفراغ القاتل والرتابة المملة . فشكلت هذه الإفاضات البوحية العابرة لمحطات قاحلة منصة لروحها التواقة للانعتاق ، لتطلق ما في خفايا النفس من المخفي والمستور، فهي أنثى وطن متخم ، بالمعاناة والشجن ، إنها خطابات الترنم والبوح ورفض الانصياع لواقع أمسى ممّلاً رتيباً خاوياً على عروش لم نجد فيها إلا هياكل منخورة من السبات لنخرج إلى حرية التعبير والرأي . لكن في رمزية فكرية قد تكون الشاعرة قد تأثرت بما يقع من أزمة اليمن وما عرفته اليمن وسبأ من خراب وقتل ونهب .....
الصورة التي تحاول الشاعرة أن توصلها إلينا فيها احتمالية عن نتيجة معروفة سلفاً لديها ، وهي الترنم للتعبير عن بوح لتحدي الفراغ الذي تعيشه الفراغ المكاني بعيشها بمنطقة جبلية معزولة عن كل مظاهر الحيوية والأنشطة الثقافية والفكرية، والفراغ العاطفي الذي خلفه وفاة والدتها واشتياقها لأحبتها، وبما يشكله هذا الفراغ من قوة خارجية ضاغطة علينا ، لا نستطيع أحيانا إلا أن نهرول وراءه محاولين أن نكون ظلاً له ، نعقد عليه خيباتنا وهزيمتنا التي التصقت بنا ، فالدوران حول النفس / والمحاولات الخائبة ، والتوق بالحلم الزائف بالبعض الذي اكتسح الساحة الثقافية برداءته جعلها تتبرأ في بعض قصائدها منهم ومن شموسهم الزائفة، وان اجتياحهم للساحة الثقافية في لحظة فراغها من فرسانها الحقيقيين ما هو إلا انكسارات نفسية ناتجة عن قاع الفراغ المقيت الذي لم يجتاح حياة الشاعرة فقط بل الساحة الثقافية المغربية خاصة والساحة العربية ككل، وهو بقايا لقطاف غير مجدٍ لوردة المعنى دلالة الحياة واليقظة والضوء والصوت والسمع ، وما تشكله من وظائف متجانسة مع معطيات أكثر بعداً عن المحاولات البائسة للبعض لتصدح الشاعرة وتثور مستعملة مصطلحات تعبيرية قوية أكثر رمزية وعمق في اللغة العربية والتاريخ اللغوي العريق متحدية الركاكة اللغوية والإبداعية التي أصبحت تجتاح الساحة الإبداعية تحت ذريعة العصرنة والعولمة ومن معجمها اللغوي نجد على سبيل المثل: كلمة بلقيس وسبأ ومأرب ...وما لها من دلالة تاريخية ودينية وما تعرفه الآن من انتهاكات وتدمير وقتل بحجة الأوضاع السياسية ومصطلحات أخرى:تختال ،جدائل، سندباد، طمس، سرب القطا، ...... لكن في نفس الوقت تلتقط المصطلحات من بيئتها الجميلة لتعبر عن أحزانها: شقائق النعمان ،أغصان ......مصطلحاتها من السهل الممتنع للتعبير عن العميق الخفي.
نجد إن الشاعرة تعمد إلى تكرار تركيب في النداء أو المناجاة لتعبر عن الاستماتة في التعبير عن أفكارها بكل حرية:" يا بلقيس، يا بلقيس...متى...متى....أما كفاك..أما كفاك...خذ قلبي من قلبي...خذ قلبي من قلبي...يا فؤادي ...يا فؤادي..." وهي قمة الاستماتة على التشبث بأفكارها ومبادئها رغم إنها ضحية ظروف وحياة وحزن وفقدانها والدتها والتي تعشقها إلى درجة لا تخشى الموت من أجل تحظى بفرصة لقائها..." أنا الذبيحة على نصب الحزن أرتقي...أيها الموت خذني إليها...وعدتها أن نلتقي...."
وفي تحليل عام لعلاقة الشاعرة بالإطار العام للإبداع أجد نفسي مجبرة للعودة لضبط بعض المفاهيم العامة للإبداع، فالكتابة كفعل إبداعي ليست شيء أو معنى محدد، أو فعل يُمارس بسهولة، إنها وجود مواز للوجود الجسدي، فالكاتب المحكوم بالكتابة هو محكوم بهمها ونارها التي لا تُخمد ، ونحن هنا أمام ليس أمام كتابة عادية ، نحن أمام كتابة شعرية، يعني أن الشاعرة ملزمة على قطف الوردة من أشواكها، غير آبهة بالألم، ناظرة إلى جمالها فقط، . وأن تكتب يعني أنها تخوض غمار سفر بصحراء لا ماء فيها، ونحن نعلم أنها سيدة تربية وتعليم وتحمل في قلبها وفكرها هم الجودة والرسالة النبيلة التي هي ملزمة بتبليغها للناشئة. ، فهي باحثة عن بئر كأنها نبي يبحث عن خلاص لأنها تعلم أن" المعلم كاد أن يكون رسولا" لترمي بهمومها حتى تتفرغ مليا لناشئتها.. وهذا هو الانتحار الأدبي البطيء لأنها ببيئة قاسية وتعاني من وحدة ووفاة الوالدة والفراغ بعد أن ينصرف تلامذتها إلى بيوتهم، وتبقى هي وحيدة بين الجبال بالسكن الوظيفي الشبه المعزول عن القرية ليبتلعها الفراغ، فتخرج من جسدها المرهق ، لتصلبه على حافة الحرف ، تقتله خارج الزمان ، تنساه بين كراسات الدراسة، تعلقه على مدخل المدرسة الفارغة من تلاميذها وترحل إلى عوالم الاحتراق.. عوالم الكتابة لترتيب الكلمات قرب بعضها البعض في منطق نحوي يعج بالحركة والصخب لتخلق أمامها عوالم أسرية وحوارية تعج بالحركة والحياة حيث تلتقي بوالدتها المتوفاة وتجلس لبلقيس العائدة من التاريخ العميق ، بل إنها أكثر من ذلك، إنها تحاول أن تجدد بشكل مستمر أفكارها لتشحن ذهنها بالطاقة الايجابية وتكون أكثر قابلية ونشاطا لتستقبل تلامذتها صباحا. فالشاعر الذي لا يستطيع أن يأتي بجديد يكسر الرتابة اليومية هو شاعر ميت في نظرها لان واجبها أن تعود لعالمها الواقعي بنشاط و حيوية لمدرسة في منفى جبلي حتى لا تفقد الرغبة في الإبداع الذي يعني لها الحياة ما دامت في عز شبابها وعطائها، فتقتات الكلمات على دمها ما دامت قادرة على التحرر من سلطة الكلمة ، وكم هذا صعب،حيث تصبح الكتابة انتحارا وجنونا، وأنا هنا أذهب إلى الرمزي، فلا كتابة دون حياة، ولا حياة دون كتابة بالنسبة اليها ..
ـ وفي التفاعل الكلي للديوان وحول تجربة الشاعر ة تمتلك قدرة على تطويع المفردة والتركيب وشحنهما بطاقات إرسالية خطابية ضاجّة ، استطاع من خلالها أن تنقلنا معها إلى متابعة الحدث النصيّ الذي كان له تأثير كبير علينا ، بلقيس تعود للتاريخ للتحدث عن آلامها لا وأحزانها وما آلت إليه الأوضاع باليمن لكن في نفس الوقت هو خروج لبلقيس المغربية الشاعرة وسيدة التربية والتكوين من عزلتها المكانية والنفسية بسبب وفاة والدتها في نصوص تستحق أن نقف عليها ، نرصد فيها ثيمات دالة على حضور الأشياء في لغة شعرية متناسقة : حضور تاريخي رمزي وحضور واقع مغربي في تفاعل مع حضور شخصي لها حالات من الجنون الرمزي، أي عدم الانصياع إلى الواقعي والمألوف، أي بمعنى أدق الولوج إلى عوالم خفية تُحدثها الكتابة في منولغ Monologue شعري نابع من حرق واشتعال داخلين وليس اصطناع وتَقَنُّع هي كتابة صادقة إلى درجة التعري.
…………………………………….

) 1 (سوزان برنار : قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، ترجمة د. زهير مغامس ، دار المأمون ، بغداد 1993 .
(2) ينظر : أنسي الحاج : لن ، دار الجديدة ، بيروت 1994 ، ط 3 (المقدمة) .
(3 ) حبيب السامر : شاعر وكاتب تولد البصرة ،عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق عضو نقابة الصحفيين العراقيين ، صدر له : مرايا الحب ، مرايا النار ٢٠٠١ ٢/ حضور متأخر جدا ٢٠٠٥ / رماد الاسئلة ط١ ٢٠٠٧ ، ط٢ ٢٠١٣ لمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية / اصابع المطر ٢٠١٢ / بابيون ٢٠١٥
"3" ديوان ترانيم من بوح بلقيس للشاعرة فاطمة قيسر.







قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب