أضيف في 22 فبراير 2018 الساعة 16:26

هل أضحت الحروب أكثر دقة أم أكثر قذارة؟


أحمد حسيسو
لما كانت الحروب قديما تخاض بالسيوف الممسوكة بيد الإنسان كان هناك معنى للحديث عن المحارب المخلق وغير المخلق، عن الملتزم وغير الملتزم، وإمكانية للحديث عن الانضباط بقيم معينة كونية أو محلية أو إنسانية أو حضارية في القتال، وعن عدم الالتزام بأدبيات القتال، وعندئذ وبناء على معايير معينة يكون لرقي قوم أو همجية قوم آخرين سند وتفسير من خلال تصرفاتهم أثناء النزاع والنزال. فالمحارب ينظر عن قرب ويرى بأم عينه خصما مسلحا أو شخصا أعزلا أو امرأة أو شيخا أو طفلا فيميز ويقرر الإقدام على الضرب أو الإحجام.
أما الآن في زمن الصواريخ البعيدة المدى والقاذفات الاستراتيجية، ورغم دعوى الدقة في توجيه الضربات للجيش الخصم وللمواقع العسكرية الصرفة اعتمادا على الموجات والرؤية الليلية والأقمار الاصطناعية والليزر وهلم جرا، فلا تنجلي نتائج حروب العصر إلا على مآسي غاية في الفظاعة والبشاعة تقشعر منها القلوب والأبدان، تُدين حضارة الجشع والطمع المكيافيلية الي تطبع الغرب على وجه الخصوص بل تفضحه وتكشف سوأته، مشاهد أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ وهي تستخرج من تحت ركام المنازل المدمرة دمارا رهيبا دونما شفقة ولا رحمة، لا لإثم مرتكب ولا ذنب مقترف، إنما لأجل أطماع ومآرب الاستكبار المقيت البغيض، فكلما اندلعلت حرب من الحروب المعاصرة وحيثما اشتعلت إلا وكان أكثر ضحاياها المواطنون العزل والأبرياء الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فهم من يؤدون ثمنها باهضا في الأرواح والممتلكات والمصالح والمؤسسات.
أروني الآن حربا خاضتها جماعات أو دول متخلفة فيما بينها بأسلحة قديمة نسبيا أو شنتها أمريكا أو الكيان الصهيوني على غيرهما بأسلحة غاية في التطور التكنولوجي، فاقتصر ضحاياها على الجنود المتقاتلين أو حتى على المؤسسات العسكرية وأدواتها فحسب؟
بالتأكيد لا توجد، وعلى العكس من ذلك تكون الخسائر من المدنيين أضعاف أضعاف ما يتكبده العسكريون والمسلحون.
وحتى مع افتراض عمل هذا الطرف أو ذاك لاجتناب المساس بالمدنيين العزل لدواعي إنسانية أو خلقية أو لأجل تجنب الحرج، فإن بُعد مدى قذائف الحديد والنار وانعدام التحكم الدقيق في مسارها بعد الإطلاق يجعل النجاح في المهمة ضمن مجال المستحيل.
إن تطور وسائل القتال وبُعد مداها قد حال عموما دون الالتحام المباشر للجيوش، وجعل الجنود تتخذ لها متارس ومخابئ في الأوساط المدنية والسكانية حتى صار من المستحيل استهدافها دون المساس بسلامة المدنيين في أرواحهم وصحتهم وممتلكاتهم ومصالحم مهما تحرج الخصم واجتهد في تجنبها. هذه حقيقة مرة وهذا واقع محزن مؤسف لا يرتفع في حروب هذا الزمان، وما تخفيه الأيام مستقبلا أبشع لا قدر الله.
فإذا كان التوصيف الحالي هكذا، فكيف إذا استعملت الأسلحة الكيماوية والنووية قابلا على نطاق واسع؟ أليست تأتي على الأخضر واليابس لا سمح الله؟
ولذلك نجزم بعدم نظافة الحروب المعاصرة على الإطلاق، بل على العكس تماما قد أضحت أكثر بشاعة وقذارة من أي وقت مضى.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب