أضيف في 21 فبراير 2018 الساعة 16:14

ماذا دها تركيا في عفرين؟


أحمد حسيسو
تعتبر القضية الكردية من أعقد القضايا التاريخية الجغرافية الأخلاقية والسياسية المعاصرة على صعيد المنطقة وعلى الصعيد الدولي، فهي قضية أمة ممزقة الأوصال بين الأقطار وقضية ثقافة وحضارة ولغة ودين وهوية.
أرض الأكراد موزعة بين أربع دول إقليمية هي تركيا والعراق وسوريا وإيران، فهم أمة واحدة منقسمة إلى أربعة شعوب تحول دون وحدتها حدود الدول المذكورة، وكل دعوة للاستقلال الكردي أو الوحدة بين المكونات الكردية تعتبر بالإجماع خطيرة ومحظورة إقليميا.
وقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية و.م.أ ورقة الأكراد وطموحهم في الاستقلال فقامت بتسليحهم في وجه صدام حسين لحسابات وأجندات لا يتسع المجال للخوض فيها حتى تمكنوا من انتزاع الاعتراف بالحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق، مما زاد في رفع معنوياتهم في قتال تركيا سعيا لانتزاع المزيد من المكاسب العسكرية والسياسية في أفق تأسيس دولة مستقلة موحدة.
وعند اشتداد الأزمة السورية على إثر ما سمي بالربيع العربي وجدت و.م.أ فرصة ذهبية من جديد لتسليح أكراد سوريا بدعوى محاربة داعش الإرهابية! صنيعة الاستخبارات الغربية.
بعد انتهاء المهمة المرسومة المخططة لداعش وإزاحتها من شمال سوريا، بدأت تلوح مشكلة التسليح الأمريكي للأكراد السوريين على مقربة من الحدود التركية، لقد باتوا بمثابة دويلة منظمة مسلحة في منطقة عفرين وضواحيها، وكيانا يستفز تركيا أمنيا وسياسيا وعسكريا، إذ لم تكد تمضي بضعة شهور على وأد حلم استقلال إقليم كردستان العراق بتنسيق وتوافق وتعاون بين تركيا والعراق وإيران حتى ظهر للدولة التركية تحد آخر من جهة سوريا.
تركيا التي تعاني وتكابد ولا تزال طموحات حزب العمال الكردستاني بزعامة الرمز الأسير عبد الله أوجلان في الاستقلال، وما يسببه ذلك من اضطرابات وقلاقل وضحايا من حين لآخر، ها هي جبهتها السورية اليوم تزداد حرارة وتوتراً.
كل هذا بالإضافة إلى الرغبة في التخفيف من ثقل اللاجئين السوريين على اراضيها دفع تركيا إلى خيار المغامرة العسكرية ضد قوات حماية الشعب الكردية في ظروف مناخية وجغرافية وقتالية صعبة جدا، أخالها في تقديري غير محسوبة بدقة من طرف القيادة العسكرية التركية، ولا أدل على ذلك من إطلاق الوعود في بداية الأمر بالحسم السريع، لكن الوعود كذبتها الوقائع العسكرية الميدانية وطول المدة الزمنية للمعركة دون تحقيق نتائج ملموسة، وحال دونها أيضا رجال ونساء متمرسون على القتال في الجبال، لحد كتابة هذه الكلمات، تماما كما يحدث عموما في المواجهات بين قوى غازية والمقاومة المستميتة الملتصقة بالأرض الخبيرة بدروبها المؤمنة بعدالة قضيتها.
القيادة التركية وعلى رأسها السيد أردوغان إذن في ورطة لا تحسد عليها ليس في الإخفاق العسكري والسياسي فحسب، بل وفي المجال الأخلاقي أيضا خاصة بعد سقوط ضحايا من المدنيين.
لعل التفاهم الرسمي حول المسألة الكردية بين تركيا وسوريا هو الملاذ المتبقي لإنقاذ ماء وجه القيادة السياسية والعسكرية التركية الأخيرة في عفرين.
في السياسات الدولية البراغماتية لا يخفى على أحد أن هناك حقيقةً أزمة قيم، وهي عار في جبين البشرية، فبأي حق تباد شعوب بأكملها وتحل محلها شعوب أخرى على مرآى ومسمع من العالمين؟ وبأي حق تقسم شعوب وتوزع أراضيها وتحرم من وحدتها وتداس هويتها وتقصى لغتها وتسحق حضارتها بين أمم أخرى ودول أخرى؟
لو توحدت تركيا والعراق وسوريا وإيران وكردستان وتكتلت شعوبها على أساس جامع وتراض مانع لكان الأمر مقبولا ولكان السعي محمودا، وبكل تأكيد فما يجمع هذه الكيانات ويوحدها أكثر وأقوى مما يفرقها، تجمعها الجغرافيا والتاريخ ، تؤلفها الحضارة والدين، يشجعها الاقتصاد والمصلحة، خاصة في زمن التكتلات الاقتصادية والعسكرية العملاقة.
إن هناك إشكالا معقدا بين الحق الإنساني للأكراد في تقرير مصيرهم، وبين المسعى الأمريكي الخسيس لاستعمال الورقة الكردية عند الحاجة وفق ما يسميه المغاربة "مسمار جحا" لإثارة الفوضى والفتن والاضطرابات في المنطقة، فأمريكا تريد إنشاء دولة كردية ليس لعيون الكرد، بل على غرار الكيان الصهيوني في فلسطين الجريحة منذ 1948 للميلاد.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب