أضيف في 20 فبراير 2018 الساعة 01:54

الليلة الثانية : تواطأ مع الكتابة.....ليالي بلا نوافد ولا أبواب


خيرة جليل
الليلة الثانية : تواطأ مع الكتابة.....ليالي بلا نوافد ولا أبواب
إني أتمنى أن أحترف الكتابة الأدبية يوميا، وأنا أعلم جيدا أن حِرفة الكتابة هي الحرفة التي توفر لي قليلاً من القراء ولا شيء من المال. و لماذا المال يا ترى؟ إن مهنتي الرئيسية توفر لي العيش الكريم، والتشكيل يوفر لي الأسفار العالمية والكتابة النقدية توفر لي لقاء أصدقاء يشاطرونني نفس الهموم الفنية. إن أردت أكثر من هذا سأكون جد جشعة بما تعنيه الكلمة من معنى.
أنا لست كفنانات الغرب أو بعض كاتبات الشرق. لا أدخن ولا اعشق الحفلات الصاخبة... ولا أستطيع أن أكلم أحدًا دون أن أنظر مباشرة في عينيه.اعشق قيادة سيارتي لمسافات طويلة على موسيقى هادئة لوحدي. لكي تسري في جسد الليل البارد رعشة، يلزمني كتاب ومدفأة وحاسوب فقط، وحتى أحس أنا بقدر من الثقة والوداعة والسكينة،مثل روح بحّارٍ تجاوزَ خطر العاصفة لأمارس اغترابي الاختياري. إني أعرفُ الغربةً وتعرفني منذ الطفولة. هي الحقيقةُ التي توجزني مثل عبارة، والشتاءُ الذي يقف على بابي مثل شيخ محدودب الظهر. حين ندمنُ العيشَ بين غرباء الوطن، تتأصلُ الغربةُ السحيقة في النفس. ليس بالضبط الغربة بان تهجر وطنك وأهلك، ولكنها حين تعيش بين قوم بالدرب والشارع والمدرسة والعمل لا تجمعك بهم أية علاقة فكرية أو روحية. لا شيء يميزني عن الآخرين إلا أني بطبعي كائن ليلي سقطت منه تاء التأنيث سهوا. أسرق الثواني من أعمال البيت لأصنع منها دقائق إبداع أدبي لا يرضي إلا غروري. حين يأتي الليل يسلطن الخوف، ليس من الظلام لكن من المجهول الذي لا نعرفه ويطل علينا من نوافذ لا نراها، وقد يقتحم خلوتنا من أبواب لم نعرف أنها كانت موجودة من قبل، وكلما يوغل هذا الليل في سفره ،أصبحُ أكثر انتباهـًا ويقظة وكائنا يفترس الكتب والأصباغ على حد سواء. لست ممن يخفي كوابيسه تحت الوسادة، ولا من يرعى شؤونَ الملائكة في حديقةِ رأسه، ولكن ممن ينثر القرنفل على الثوب المجبص لينمو ياسمينا بعبق أسوار المدينة العتيقة وبرودة سجن قارة بمكناس وسخونة رمال مرزوكة. ربما لأن ذنوبي تبدو أصغر في الليل مقارنة مع سارق الميليارديرات بالجديدة. لا يهم،السهر يبدد المسافات والأحجام، والأحكام تصبح نسبية والمخيلة مطلقة إلى ما لا نهاية. معادلة رياضية لا يفهمها إلا المجانين من طينة المبدعين والشعراء. إدمان من نوع خاص. هكذا نُقهر"! ولا تقهر أحلامنا لأنها دائما إبرةٌ تطرِّزُ في النومِ نوافذَ تُفتح بليالي بدون نوافذ. فخاصرةُ الندى لن تحبل بقطرتين من الماء، وأنا لن أنزع قبعة التحدي لأني لا أرغب أن استسلم لأدفنُ الضوءَ حيـًا.فكتاباتي لم تكن إلا غناء فوق حرير سحابة. يقولون أن الكتابات تتشابه في همومها وأسلوبها، وأنا أقول: في الحياة قصة واحدة وسيناريوهات مختلفة، لكنها كلها ترتشف من بقايا حكاياتٍ ورماد أيامٍ مرشوشة بالملح والفلفل الحريف ويغيب العسل في معظمها حين يصبح الأخر قاضيا أخرسا في أمورنا.
لن أكتب قصصا عني وعنكم، لكن سأخطط سطورا في أوراق من مذكرة مزقتها ذات يوم في ارتحالاتي المُتعَبة، من بني ملال إلى تشنغداو،ومن زوانغ هو إلى بكين، ومن نيويورك إلى واشنطن، وصولاً إلى أكادير.. يا لها من مُدنٍ استنزفَ العابرونَ منها الهواءَ قبلَ أن يغادروها! والقصصُ بها كالخمر، تتعتقُ حين تُروَى. هذه السطور ستكون كتابا،لكن هذا الكتاب ليست له نهاية وسيظل مفتوحا وقابلا للتراكم، وللطمي، مادمت حية ......خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب