أضيف في 14 فبراير 2018 الساعة 23:40

رسالة تافهة يطنطن بها المبشّرون! (هتك الستار عما فى رسالة عبد المسيح الكندىّ الحِمَار من عُوَار) د. إبراهيم عوض


إبراهيم عوض

فى عَسَّةٍ من عَسّاتى التى لا تتوقف خلال المشباك وقعتُ فى بعض المواقع النصرانية على رسالتين دينيتين جداليتين منشورتين معا: الأولى من مسلم اسمه عبد الله بن إسماعيل الهاشمى إلى مسيحى يسمى عبد المسيح بن إسحاق يدعوه فيها إلى الإسلام، والثانية رد من هذا إلى ذاك يفند فيها الإسلام ويتطاول على الرسول الكريم ويبين له أن النصرانية أفضل من الدين الذى أتى به سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام وأن المسيح إله نزل من عليائه وتجسد فى شكل بشر ليفدى العالم من خطيئته، على حين أن محمدا ما هو إلا نبى كذاب. وكان الهاشمى والكندى صديقين عربيين يعيشان فى أيام الخليفة العباسى المأمون بن هارون الرشيد، الذى يمت إليه عبد الله بن إسماعيل بآصرة القربى، ويشتغل فى خدمته عبد المسيح بن إسحاق على ما يقول ناشرو الرسالتين. ومن يقرأ ما كتبه هؤلاء الناشرون وما قدم به المستشرق وليام موير لرسالة الكندى فى ترجمتها الإنجليزية التى قام بها، يدرك مدى اعتزاز المبشرين بما كتبه الكندى ونظرهم إليه على أنه شىء متفرد ومتفوق على كل ما يشبهه من رسائل جدلية، إذ تثير فى وجه المسلم شبهات وبراهين لا يمكنه الرد عليها حسب تصورهم. ويمكن القارئَ العزيزَ أن يطالع هذا الكلام فى مقدمة وليام موير لرسالة الكندى المنشورة فى عدد من المواقع التبشيرية، وكانت فى الأصل ورقة ألقاها أمام الجمعية الاسيوية الملكية فى بريطانيا فى أوائل ثمانينات القرن التاسع عشر. وقد استفزتنى الرسالتان إلى قراءتهما ودراستهما بهدوء، فكان هذا الكتاب الذى بين يدى القارئ والذى يبين أن نَقْب هؤلاء الضالين المضلين طلع على شُونَة، فرسالة الكندى رسالة متهافتة أشد التهافت كما سوف يرى بنفسه. ومعنى هذا أن كلامهم عن خطورة رسالة الكندى هو أضغاث أحلام لا حقائق صلبة. كيف؟ تعالوا نطالع معا ما حبّره كاتوبى الظريف، لا حرمنى الله منه ولا من خفة دمه وسحر جماله الذى ليس على أحد! آمين يا رب العالمين!
1- وأول ما يثور فى الذهن عند مطالعة هاتين الرسالتين هو السؤال التالى: منذ متى كان الأصدقاء الحميمون على شاكلة الهاشمى والكندى يتحاورون فى الدين كتابة، وهم يتقابلون فى كل وقت، ويمكنهم النقاش شفاها؟ إن أقصى ما يمكن أن يقع هو قيام طرف ثالث بتسجيل ما دار فى أية مناقشة شفوية بينهما كما فى كثير من كتب المناظرات والمحاورات، مثل كتاب: "الإمتاع والمؤانسة" لأبى حيان التوحيدى، وبعض الصفحات فى كتب الجاحظ، لا أن يكتب كل منهما رسالة وكأنهما عدوّان لا يستطيعان أن يتفاهما دون عراك وتشاتم، أو شخصان متباعدان لا يتقابلان أصلا، ومن ثم لا يمكن أن يتم حوار شفوى بينهما. والمفروض أن كلا منهما قد اطلع، من خلال المناقشات الشفوية، على ما فى ضمير الآخر وعرف ما يجنه من أفكار وآراء، وأدرك أنه من الصعوبة بمكان، إن لم يكن من الاستحالة فى ظل الظروف القائمة آنذاك، أن يتنازل عن شىء من هذه الأفكار أو الآراء، وإلا لكان قد ظهر فى خلال النقاش أنه مستعد لهذا التغيير، إن لم يكن قد تغير فعلا، وعندئذ لا داعى لكتابة مثل هذه الرسائل لأنها ستكون فى هذه الحالة "تطبيلا فى المطبَّل" كما يقولون فى الريف عن المسحِّراتى الذى يترك الأحياء التى لم يضرب طبلته فيها ويعيد التطبيل فى تلك التى سبق أن طبّلها وأيقظ سكانها ليتناولوا سَحُورهم، فما بالنا إذا كان الأمر يتعلق بالعقائد والأديان؟
2- الثانية هى ما قدم به الناشرون لهاتين الرسالتين، فقد قالوا: "في القرن التاسع الميلادي، في زمن الخليفة (العباسى) عبد الله المأمون (سنة 247هـ و861م)، كتب مسلم تقي هو عبد الله بن إسماعيل الهاشمي رسالة لصديق له مسيحي، هو عبد المسيح بن إسحق الكِنْدي، يدعوه فيها إلى الإسلام. وكان عبد الله معروفًا بالتقوى وشدة القيام بفروض الإسلام، كما كان عبد المسيح مشهورًا بتقواه وتمسّكه بالمسيحية، كما كان في خدمة الخليفة مقرَّبًا إليه. وقد ذكر الرسالتين أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني في كتابه: "الآثار الباقية عن القرون الخالية". وقد قيل إن أمر الرسالتين بلغ الخليفة المأمون، فأمر بإحضارهما وقُرِئتا عليه. فلم يزل ناصتًا حتى جاء إلى آخرهما فقال: ما كان دعاه إلى أن يتعرض لما ليس من عمله حتى أجاز كتاف نفسه؟ فأما النصراني فلا حُجّة لنا عليه، لأن الأمر لو لم يكن عنده هكذا لما أقام على دينه. والدين دينان: أحدهما دين الدنيا، والآخر دين الآخرة. أما دين الدنيا فالدين المجوسي وما جاء به زرادشت، وأما دين الآخرة فهو دين النصارى وما جاء به المسيح. وأما الدين الصحيح فهو التوحيد الذي جاء به صاحبنا، فإنه الدين الجامع الدنيا والآخرة". وجاء فى ذلك التقديم أيضا: "كان في زمن عبد الله المأمون أحد نبلاء الهاشميين، وأظنه من ولد العباس، قريب القرابة من الخليفة، معروفٌ بالنسك والورع والتمسك بدين الإسلام وشدة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه، مشهور بذلك عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدب وعلم، كِنْدي الأصل مشهور بالتمسك بدين النصرانية، وكان في خدمة الخليفة وقريبًا منه مكانًا. فكانا يتوادّان ويتحابان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين المأمون وجماعة أصحابه والمتصلون به قد عرفوهما بذلك، وهما عبد الله بن إسماعيل الهاشمي، وعبد المسيح بن إسحق الكِنْدي". وهو نفس ما قاله ناشرو الطبعة الإنجليزية لرسالة الكندى سنة 1887م، تلك الطبعة التى قدم لها وليام موير أحد عتاولة الاستشراق فى عصره. وهذا نص ما كتبوه على الغلاف الخارجى: "THE APOLOGY OF AL KINDY, WRITTEN AT THE COURT OF AL MÂMÛN (Circa A.H. 215; A.D. 830), IN DEFENCE OF CHRISTIANITY AGAINST ISLAM. With an essay on its Age and Authorship read before the Royal Asiatic Society by SIR WILLIAM MUIR, K.C.S.I. LL.D. D.C.L.; PRINCIPAL EDINBURGH UNIVERSITY; AUTHOR OF "THE LIFE OF MAHOMET," "ANNALS OF THE EARLY CALIPHATE," ETC. SECOND EDITION. PUBLISHED UNDER THE DIRECTION OF THE TRACT COMMITTEE. LONDON: SOCIETY FOR PROMOTING CHRISTIAN KNOWLEDGE, NORTHUMBERLAND AVENUE, CHARING CROSS, W.C.; 43, QUEEN VICTORIA STREET, E.C. 26, ST. GEORGE'S PLACE, HYDE PARK CORNER, S.W. BRIGHTON : 135, NORTH STREET. NEW YORK: E. & J. B. YOUNG & CO. 1887"
وهذا كلام لا يدخل عقل صبى ولا امرأة عجوز مخرفة، لأنه لو كان هذا الهاشمى وذلك الكندى معروفين على النحو الذى يذكره التقديم لكانت كتب التراث امتلأت بخبر تلك المناظرة، وبخاصة أن النصرانى قد نال فيها من الرسول والعرب والمسلمين نَيْلاً وقحًا شنيعًا بخلاف ما زعمه وليام موير فى ص 16 من مقدمة النشرة الإنجليزية للرسالة من أن الكندى إنما تحدث عن الرسول باحترام مع تفنيده ادعاءات محمد بعنف، وانتقاده الإسلام بمنتهى القسوة. وهذا نص كلامه كما جاء فى الأصل الإنجليزى: "While our Apologist speaks respectfully of the person of Mahomet, he vigorously denounces his claims as a prophet, and attacks the whole system of Islam with uncompromising severity "، وهو كلام كاذب، فقد قال الكندى عن رسول الله عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات مثلا مخاطبا الهاشمى: "صاحبك أعرابي جلْف، فخَطَر خاطرٌ في قلبه فسجَعه بلسانه وصار به إلى قومٍ بَدْوٍ فتقرَّب به إليهم، وهم يشهدون في كتابهم أن الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا"، وهذا مجرد مثال ليس إلا. نعم لو كان هذا الهاشمى وذلك الكندى معروفين على النحو الذى يذكره التقديم لكانت كتب التراث امتلأت بخبر تلك المناظرة، ولكان انبرى للرد على الكندى الوقح السافل وتطيين عيشته وعيشة أهله كثير من الكتاب. وهذا إن سكتت السلطات أصلا عن هذه السفاهة والسفالة ولم تؤدّبه الأدب الشرعى الذى ينبغى أن يتلقاه كل مجرم زنيم. أما أن يصمت الجميع ويكفأوا على الخبر ماجورا فهذا ما لا يمكن أن يكون، وبخاصة أن هناك كتبا كثيرة جدا فى الأدب الجدالى حبرتها يراعات المفكرين المسلمين كالجاحظ وابن حزم والقرطبى والغزالى والجوينى وابن تيمية، فضلا عن أحبار اليهود وقساوسة النصارى الذين أسلموا ولم يعتّموا أن أَدْلَوْا هم أيضا بدلوهم بوصفهم من أهل البيت العارفين بخباياه المطلعين على أسراره، الجديرين بأن تكون كلمتهم أشد وقعا وأصوب للهدف، وذلك فيما هو دون ما نقرؤه فى رسالة الكندى الخنزير النجس بمراحل، فكيف يمكن أن نتخيل سكوت الكتّاب ورجال الحاشية المأمونية عن الرد على ذلك العلج السفيه وما ارتكبه من سفالات منتنة مثله ومثل صنفه القذر؟ أو كيف يمكن أن نصدق أن المأمون، سيد العالم فى وقته، قد علم بأمر هذه الرسالة وسكت عن سفالة الكافر المجرم التى سوّدها فلم يسوِّد عيشته لو كان له وجود حقيقى ولم تكن الرسالتان منسوبتين زورا لشخصين لم يكن لهما حقيقة، وإنما كتبهما شخص آخر لم يصرح باسمه، ولم يكن يعيش فى عصر المأمون بتاتا كما سوف يتبين بعد قليل؟ بل كيف يمكن أن نصدق تسمية المأمون لرسول الله بـــ"صاحبنا" فى قوله: "وأما الدين الصحيح فهو التوحيد الذي جاء به صاحبنا"! إن هذا لهو المستحيل بعينه!
ذلك أن كاتب الرد المعلن هو شخص اسمه "عبد المسيح بن إسحاق الكندى"، كان قد تلقى رسالة من شخص مسلم يدعى: "عبد الله بن إسماعيل الهاشمى"، فكتب ردا عليها نال فيها من العرب والرسول والإسلام نيلا تجاوز كل الحدود، ولم يترك شيئا فى الإسلام دون أن يتناوله بالتحقير، وهذا الـ"عبد المسيح" لا وجود له فى كتب التراث بأى حال، اللهم إلا إشارة عارضة فى كتاب البيرونى: "الآثار الباقية عن القرون الخالية" ذكر فيها شيئا المفروض أن الكندى قد قاله فى كتابه عن الصابئة، وهذا كل ما هنالك. أمّا مَنِ الكندى هذا فلا أحد يعرف، حتى لقد ظن المستشرق ساخاو (ناشر الطبعة الإنجليزية من كتاب البيرونى: "الآثار الباقية عن القرون الخالية" عام 1879م بعنوان "The Chronology of Ancient Nations") أنه هو الكندى الفيلسوف، وهذا موجود فى الملاحظات الملحقة فى آخر الكتاب (الملاحظة رقم 187 الموجودة فى صفحة 419 على وجه التحديد)، وإنْ علّق وليام مُوِير (ص 6 من مقدمته لترجمة الرسالة المنسوبة للكندى) بأن ذلك غير ممكن لأن الكندى الفيلسوف كان مسلما لا نصرانيا، ومن ثم لا يُعْقَل أن يكون هو كاتب الرسالة التى تهاجم الإسلام وتنتصر للنصرانية.
ومع هذا فإن لويس شيخو الكذاب، وهو معروف بوقاحته وجمود وجهه وغِلَظ جلده حتى لقد جعل كل شعراء الجاهلية الوثنيين نصارى مما أثار عليه بلديّه الكاتب اللبنانى النصرانى الساخر مارون عبود فتهكم على هذا التعميد العجيب الذى يُسْتَخْدَم فيه الحبر بدلا من الماء، هذا الـ"شيخو" الكذاب يمضى فى الغَىّ والتنطع فيزعم أن الكندى كاتب الرسالة هو فعلا الكندى الفيلسوف المعروف، ثم يتمادى فى بطلانه قائلا إنه نصرانى وإن أباه كان يتولى الكوفة للمهدى والرشيد الخليفتين العباسيين، وكأن من الممكن أن يتولى نصرانى فى تلك الأيام ولاية فى الدولة الإسلامية، فضلا عن أن تكون تلك الولاية هى الكوفة التى تقع قريبا من دست الحكم فى بغداد. ومع هذا كله لا يكتفى المتنطع بذلك، بل يضيف أن عبد المسيح بن إسحاق هو من أنسباء هذا الفيلسوف يعقوب بن إسحاق. فانظر، بالله عليك أيها القارئ، لهذه البجاحة التى لا مثيل لها فى الأولين والآخرين، وتعجب ما حلا لك التعجب، فلن تقضى من ذلك العجب حتى لو ظللت تتعجب إلى يوم الدين! ولو كان الكندى الفيلسوف رجلا نكرة، أو كان عليه خلاف كأن يكون نصرانيا هو أو أبوه مثلا ثم أسلم، إذن لكان هناك بعض العذر لشيخو الكذاب، أما أن يكون الكندى مسلما من سلالة مسلمين فى سلسلة طويلة تمتد راجعة فى التاريخ إلى عصر النبى عليه السلام بحيث يكون جده البعيد صحابيا من صحابة رسول الله، فهذا ما يقطع كل عذر لذلك الكذاب الذى لا يعرف وجهه شيئا اسمه الحياء. وهذا يعطيك فكرة عن الأساليب المداورة التى يلجأ إليها هؤلاء القوم الذين مرودوا على التحريف والتكذيب والتزييف طَوَال تاريخهم، وبالذات بعد أن جاء رسول الله بالإسلام، نكايةً منهم فيه صلى الله عليه وسلم وفى دينه، وهيهات! ولنلاحظ كذلك أن شيخو لم يذكر لنا من أين استقى ما قاله عن عبد المسيح ذاك، وهذا أمر طبيعى، فهو من بُنَيّات خياله السقيم ليس إلا، إذ ليس لذلك الرجل ذكر فى كتب التراث كما قلت آنفا.
وهذا نص ما كتبه شيخو الكذاب فى كتابه: "مجانى الأدب فى حدائق العرب" عن الكندى الفيلسوف: "هو يعقوب بن إسحاق الكندي النصراني. وكان شريف الأصل بصريًا، وكان أبوه إسحاق أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد. ويعقوب هذا أوحد عصره في فنون الآداب، وشهرته تغني عن الأطناب. وكان له اليد الطولى بعلوم اليونان والهند والعجم متفننًا عالمًا بالطب والمنطق وتأليف اللحون والهندسة والهيئة والفلسفة، وله في أكثر هذه العلوم تآليف مشهورة. ولم يكن في العرب من اشتهر عند الناس بمعاناة علم الفلسفة حتى سموه: "فيلسوفًا" غير يعقوب. وكان معاصرًا لقسطا بن لوقا الفيلسوف البعلبكي النصراني، واستوطن بغداد وأخذ عن أبي معشر البلخي. ومن أنسباء يعقوب هذا عبد المسيح بن إسحاق الكندي، وله رسالة مشتهرة فنّد فيها اعتراضات ابن إسماعيل الهاشمي على النصرانية ذكرها أبو الريحان البيروني في تاريخه". والحق أن هذا الكذاب يكذب تلك الكذبة البلقاء البجحة دون خجل، فالكندى الفيلسوف مسلم لم يقل أحد قط إنه نصرانى غيره، علاوة على أن المهدى والرشيد لا يمكن أن يوليا نصرانيا ولاية، فضلا عن أن تكون ولاية الكوفة. كما أن عبد الله الهاشمى كان بعد المأمون بزمن طويل، وهو ما سنعرفه بعد قليل كما قلنا، فلا شأن له بذلك الخليفة إذن!
وفى "الفهرست" لابن النديم نقرأ فى ترجمة الكندى الفيلسوف ما يلى: "هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن كندة وهو ثور بن مرتع بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن الهميسع بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب، فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى: فيلسوف العرب. وكتبه في علوم مختلفة مثل المنطق والفسفة والهندسة والحساب والأرثماطيقى والموسيقى والنجوم وغير ذلك. وكان بخيلا، إنما وصلنا ذكره بالفلاسفة الطبيعيين إيثارًا لتقديمه لموضعه في العلم. ونحن نذكر جميع ما صنفه في سائر العلوم إن شاء الله تعالى"، فهو مسلم بن مسلم بن مسلم بن مسلم، أى مسلم أصيل فى الإسلام كما هو واضح.
وفى "القانون فى الطب" لابن سينا نقرأ عن الكندى أيضا: "يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها. وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي وللرشيد. وليعقوب بن إسحاق الكندي من الكتب: كتاب الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد. كتاب الفلسفة الداخلة والمسائل المنطقية والمعتاصة وما وافق الطبيعيات. رسالة في أنه لا تُنَال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات. كتاب الحث على تعلم الفلسفة. رسالة في كمية كتب أرسطوطاليس. كتاب في قصد أرسطوطاليس في المقولات. رسالته الكبرى في مقياسه العلمي، وغيرها كثير".
وفى "طبقات الأطباء" لابن أبى أصيبعة: "يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبر بن الحرث الأصغر بن معاوية بن الحرث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة بن عفير بن عدي بن الحرث ابن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان الأشعث بن قيس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، وكان قبل ذلك ملكًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكًا على جميع كندة أيضًا عظيم الشأن، وهو الذي مدحه الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة، بقصائده الأربع الطوال التي أولاهن: "لعمرك ما طول هذا الزمن". والثانية: "رحلت سمية غدوة أجمالها". والثالثة: "أأزمعت من آل ليلى ابتكارا؟". والرابعة: "أتهجر غانية أم تلم؟". وكان أبوه معدي كرب بن معاوية ملكًا على بني الحرث الأصغر بن معاوية في حضرموت، وكان أبوه معاوية بن جبلة ملكًا بحضرموت أيضًا على بني الحرث الأصغر، وكان معاوية بن الحرث الأكبر وأبوه الحرث الأكبر وأبوه ثور ملوكًا على معبد بالمشقر واليمامة والبحرين. وكان يعقوب بن إسحاق الكندي عظيم المنزلة عند المأمون والمعتصم وعند ابنه أحمد، وله مصنفات جليلة ورسائل كثيرة جدًّا في جميع العلوم".
وفى "أخبار العلماء" للقفطى: "يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبرين الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرقع بن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كيلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أبو يوسف الكندي المشتهر في الملة الإسلامية بالتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، المتخصص بأحكام النجوم وأحكام سائر العلوم، فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها. وكان أبو إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان جده الأشعث بن قيس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قبل ذلك ملكًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكًا على جميع كندة أيضًا عظيم الشأن وهو الذي مدحه أعشى قيس بقصائده الأربع الطوال...".
فهذا نسب الكندى، وهو كما ترى نسب معروف ليس عليه أدنى خلاف، ومظنّة أن يكون شيخو جاهلا بهذا النسب مستحيلةٌ تمام الاستحالة، فهو من مؤرخى الأدب العربى، علاوة على أنه يعرف والد الكندى وعمله وولايته على الكوفة أيام المهدى والرشيد، بما يدل على أنه يعرف كل شىء عن الرجل بما فى ذلك نسبه، لأن كلام المؤرخين عن والد الكندى إنما ورد فى تضاعيف الكلام عن نسبه كما رأينا. فتأمل أيها القارئ هذه الأساليب القذرة التى يلجأ إليها بعض الناس فى حربهم ضد الإسلام، ثم يرمون المسلمين بعد هذا بكل بجاحة بعيوبهم هم، ولا يخجلون!
وكى يتبين القارئ كم كان شيخو الكذاب مُلِمًّا بالتراث العربى الإلمام الذى يستحيل معه أن يكون على جهل بدين رجلٍ كالكندى الفيلسوف الذى طارت شهرته فى الآفاق حتى لقد سَمَّوْه: "المعلّم الثانى" بعد أرسطو المعلم الأول ننقل له النص التالى فى التعريف بشيخو، وهو بقلمه لا بقلم أحد آخر، إذ قال معرفا بنفسه فى كتابه: "تاريخ الآداب العربية": "الأب لويس شيخو مدير مجلة المشرق، له مصنفات مختلفة منها دينية ولاهوتية كالبرهان الصريح في لاهوت السيد المسيح، ومجموعة مقالات دينية لقدماء كتبة النصرانية، وتراجم بعض القديسين كالقديس يوحنا الدمشقي والقديس بطرس كانيزيوس والطوبوي بلرمينوس، وأولياء الله في لبنان، والتعبد لطفولية السيد المسيح. ومنها جدالية كالأناجيل القانونية وأناجيل الزور، ومحاورات جدالية، وردود مختلفة على التنير، والمجلات الوطنية، وكشف أسرار الشيعة الماسونية. ومنها فلسفية كمجموعة مقالات فلسفية لقدماء الفلاسفة، ومقالات في النفس، والضمير والتساهل الديني، والألفاظ السحرية. ومنها كتابية في شرح مشاكل واردة في الأسفار المقدسة وتفنيد آراء فاسدة فيها. ومنها تاريخية كبيروت أخبارها وآثارها وكتاريخ جزيرة العرب حاضرًا، وتاريخ الحرب الكونية، وتاريخ النصرانية وآدابها في عهد الجاهلية، وتاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر وفي الربع الأول من القرن العشرين، والمخطوطات العربية لكتبة النصرانية، وتاريخ أساقفة طور سينا، وتاريخ الطباعة في الشام وفلسطين والعراق، ووصف مخطوطات المكتبة الشرقية (خمسة أجزاء)، وتاريخ الرهبانية اليسوعية، والطائفة المارونية، وتاريخ النهضة الأدبية في حلب، وتاريخ القصادة الرسولية في الشام، وابن العبري تاريخه وآثاره. ونشر من التواريخ تاريخ بيروت وأمراء الغرب لصالح بن يحيى، وتاريخ شاكر بن الراهب، وتاريخ سعيد بن بطريق مع ملحقه لسعيد بن يحيى الإنطاكي، وتاريخ محبوب المنبجي، وتاريخ طبقات الأمم لأبي القاسم صاعد الأندلسي، وتاريخ حوادث لبنان ودمشق سنة 1860. وله في اللغة كتاب نزهة الطرف في مختصر الصرف، والوسائل لترقية اللغة العربية واللغة العامية بازاء اللغة الفصيحة. ونشر من كتب اللغة الألفاظ الكتابية للهمذاني، وفقه اللغة للثعالبي، وتهذيب الألفاظ لابن السكيت، وكتاب الكتاب لابن درستويه، والبلغة في شذور اللغة، وغراماطيق عربي في اللاتينية مع منتخبات ومعجم. وفي الأدبيات الشعرية كتاب شعراء النصرانية في عهد الجاهلية ثم بعد الإسلام، ونشر دواوين الخنساء والخرنق والسمؤل والمتلمس وسلامة بن جندل وأبي العتاهية ومراثي شواعر العرب وحماسة البحتري. وله في الأدبيات النثرية والمنتخبات ترقية القارئ، ومرقاة المجاني، ومجاني الأدب مع شروحه، وأطرب الشعر وأطيب النثر، والأحداث الكتابية، والتشابيه النصرانية في شعراء الجاهلية، وأطيب الفكاهات في أربع روايات، وروضة الأحداث في أطايب الأحداث، ونشر منها كليلة ودمنة عن أقدم نسخة مؤرخة، وكتاب فضائل الكلاب لابن المرزبان، وقانون وزارة بني عثمان أصاف نامه. وله أسفار وسياحات شتى كسفره من بيروت إلى الهند وأسفاره إلى حمص وحماة وحلب ودمشق وجبيل مع ذكر آثار كل مدينة. وكتب فنية كمقالة الضوء لأرسطو، والآلات المنغمة لمورستوس، والآلات المزمرة لبني موسى، والمكحلة للصقلي".
أما بالنسبة لعبد الله بن إسماعيل فنقرأ فى "تاريخ الإسلام" للذهبى تحت عنوان "وفاة الهاشمي خطيب جامع المنصور": "وفيها (أى فى سنة 350 هـ) تُوُفِّيَ أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل الهاشمي خطيب جامع المنصور، وكان ذا قعدد في الأبوة، فإنه في طبقة الواثق، إذ هو عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور أبي جعفر". وفى "النجوم الزاهرة" لابن تغرى بردى أيضا أن عبد الله بن إسماعيل هذا توفى سنة 350هـ، وأنه كان خطيبا لجامع المنصور مثل أبيه، وأنه كان من بنى العباس، وفى طبقة هارون الواثق فى علو النسب. فإذا عرفنا أن المأمون وُلِد سنة 170هـ، ومات سنة 218هـ، تبين لنا أن بينه وبين الهاشمى هذا أكثر من قرن. ويبدو أن هذا الهاشمى كذلك من رواة الحديث، إذ ورد نفس الاسم فى عدد من روايات أسباب النزول فى كتاب الواحدى، وفى سلسلة بعض الأحاديث فى كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبى مثلا. ومع ذلك فإنى لا أظن أنه هو مؤلف الرسالة التى تدعو الكندى المزعوم إلى الإسلام للأسباب التى سوف يطّلع عليها القارئ فى هذا الكتاب.
3- ليس ذلك فقط، بل إن النص الذى ورد عند البيرونى واستشهد به هؤلاء المفترون الكذابون لَيدينهم إدانة باهظة، إذ هو يجرى على النحو التالى: "وكذلك حكى عبد المسيح بن اسحاق الكندى النصارى عنهم (أى الصابئة) فى جوابه عن كتاب عبد الله بن اسماعيل الهاشمى أنهم يُعْرَفون بذبح الناس، ولكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا". وقد علق عليه وليام موير فى ص 17 من النشرة الإنجليزية للكتاب بأن هذا الكلام موجود فى ص 25 (وأحسبه يشير إلى نشرة جمعية ترقية المعارف المسيحية التى صدرت في لندن عام 1885م)، ونصه: "لا يكاتمون (أى الصابئة) ولا يسترون منها شيئًا غير القرابين التى يتخذونها من الناس، فإن ذبح الناس لا يتهيّأ لهم اليوم جهرًا، بل يحتالون فيه فيفعلونه سرًّا". لكن هذا الكلام، فى الواقع، غير موجود لا فى رسالة الكندى ولا فى رسالة الهاشمى الموجودتين بين يدينا الآن، فما معنى ذلك؟ معناه أن المسألة كلها مملوءة بالاضطراب وأن ما بين أيدينا من رسالة الكندى لم يكن هكذا فى الأصل، بل اعترته تغييرات، وربما لم تكن تحتوى على الكلام المنحط فى حق الرسول عليه السلام، بل هو من إضافات بعض الخنازير من المتأخرين، فضلا عن أن البيرونى لم يقل إنه رأى رسالة الهاشمى، بل كل ما هنالك أنه نقل نصا من رسالة الكندى فقط. وهكذا يتبين للقارئ الكريم أن الجريمة الكاملة لا وجود لها مهما تكن عبقرية المجرم، فما بالنا والمجرم هنا هو جنس المبشرين، وهم أكذب خلق الله، ولا يتورعون عن اللجوء إلى أخس الأساليب فى حرب الإسلام. وعلى كل فإن البيرونى هو من أهل القرن الرابع الهجرى، أى ليس كلامة حجة على أن الهاشمى والكندى كانا من معاصرى المأمون.
4- وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة، وهى العصر الذى عاش فيه صاحبا الرسالتين لو كانا هما فعلا الهاشمى والكندى المذكورين: فأما عبد المسيح فكل ما وجدناه عنه هو زعم لويس شيخو الكذاب أنه من أنسباء الفيلسوف الكندى المشهور الذى جعله نصرانيا دون أدنى خجل، وهو طبعا كلام مرفوض جملة وتفصيلا لمخالفته حقائق التاريخ التى لا تجرى على هوى أحد، سواء كان هذا الأحد شيخو أو ميخو أو برابيخو، بل يجب على شيخو وغير شيخو العُنُوّ لها والخضوع أمام سطوتها دون التنطع ولو بكلمة واحدة. ولو كان عبد المسيح هذا ذا وجود تاريخى حقيقى، فأين يا ترى كتاباته الأخرى مادام صاحب أسلوب وقدرة على الجدل والوقاحة بالشكل الذى تعكسه رسالته؟ إن مثله لا يمكن أن يَبِيض هذه البيضة الوحيدة ثم يصوم عن البيض إلى الأبد، بل لا بد لمثله من مواصلة التأليف والدخول مع المسلمين فى جدالات أخرى، وبخاصة أن الكتب الإسلامية فى دراسة النصرانية وتخطئتها كثيرة متنوعة، ومن شأنها أن تستفز إلى الجدال كل صاحب قلم من أهلها، فإن لم يكن عبد المسيح أحد هؤلاء الذين تستفزهم تلك الكتابات فمن يا ترى سوف تستفزه؟ كما أن مثله لن يكتفى بالكتابة فى الدفاع عن دينه، بل سوف يكتب فى شرح عقيدته وعبادات ديانته للجمهور، وكذلك سوف يكتب عن تاريخها ورجالها وما إلى ذلك. فأين تلك الكتب؟ وأما بالنسبة لذلك الهاشمى فيقول ساخاو (ص 187) إنه لا يعرف شيئا عن عبد الله بن إسماعيل هذا. وقد حاولت أنا أن أصل إلى شىء يزيل تلك الظلمات المتراكبة حوله فلم أجد أحدا بهذا الاسم إلا رجلا فى القرن الرابع الهجرى لا الثانى الذى كان يعيش فيه المأمون العباسى. وهذا الرجل هو أحد رواة الأحاديث، وكان يشتغل خطيبا لجامع المنصور ببغداد كما سلف القول. أى أن كل ما قيل عن أنه من أقرباء المأمون، وأن ذلك الخليفة قد علم بما كان بينه وبين عبد المسيح المكذوب من جدال وقرّعه على التصدى لأمر لا يحسنه هو كلام فى الهجايص، لأنه من الناحية التاريخية مستحيل تمام الاستحالة، إذ يفصل بينه وبين المأمون قرن كامل حسبما رأينا، فهل من الممكن أن يتعاصر شخصان يفصل بينهما عشرة عقود؟ إن ذلك لا يمكن أن يقع إلا فى حالة واحدة هى أن يكون زاعم ذلك أحد أتباع الكتاب الذى يجعل الابن أكبر من أبيه بعامين كما فى سفر "أخبار الأيام الثانى" حسبما يعرف ذلك كل من له أدنى اتصال بالكتاب المقدس، إذ نقرأ فيه أن عُمْر ياهورام حين تولى الملك كان اثنتين وثلاثين سنة، ثم مات بعد ذلك بثمانى سنوات، فيكون عمره حين هلك أربعين سنة، ثم بعد أقل من ثلاثة أسطر نفاجأ بكاتب السفر يقول إن ابنه أخزيا، الذى تولى الملك بعده مباشرة، كان عمره آنذاك اثنتين وأربعين سنة. وليس لهذا من معنى إلا أن الولد أكبر من أبيه بسنتين (الإصحاح/ 21/ 20، و22/ 1- 2)!
5- ثم إن مثل الهاشمى الذى كان من رجال الحديث وخطيبًا لواحد من أكبر الجوامع فى بغداد ذلك العصر المتوهج بالثقافة والفكر الإسلامى لا يمكن أن يخطئ تلك الأخطاء العجيبة التى تشتمل عليها الرسالة المنسوبة له، ومنها قوله إنه قد افتتح رسالته إلى خصمه النصرانى بالسلام عليه والرحمة تشبُّها بسيده وسيد الأنبياء محمد رسول الله لأن الثقات، كما قال، قد رَوَوْا عنه أن هذه كانت عادته، وأنه كان إذا افتتح كلامه مع الناس يبادئهم بالسلام والرحمة في مخاطبته إياهم، ولا يفرّق بين الذمّي منهم والأمي، ولا بين المؤمن والمشرك. والحق أن النبى كان، مع احترامه لجميع البشر، لا يحييهم جميعا بذات التحية. وهذا واضح من تحاياه على الأقل للملوك والزعماء غير المسلمين الذين أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، إذ كان يكتفى بقوله: "سلْمٌ أنت" أو "السلام على من اتبع الهدى" أو "السلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله"، ولم يكن يقول: "السلام عليك ورحمة الله" كما يزعم كاتب الرسالة. وهذا من الوضوح بمكان بحيث لا يسع أى مسلم له أدنى اطلاع على السيرة النبوية أن يجهله، فما بالنا بمثل ذلك العالم الجليل المنتسب للدوحة الهاشمية والماتّ بصلة القرابة إلى خلفاء بنى العباس؟
6- كذلك جاء فى رسالة الهاشمى المزعومة الحديثان التاليان منسوبين لرسول الله عليه السلام: "بُعِثْتُ بحُسْن الخلق إلى الناس كافة، ولم أُبعث بالغِلظة والفظاظة" و"محبة القريب ديانة وإيمان". وقد بحثت عن هذين الحديثين فى موسوعة الأحاديث الصحيحة والضعيفة المسماة: "تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول" فى إصدارها التاسع المتاح بموقع "الدرر السنية"، فلم أجد لهما أى أثر لا بين الصحاح ولا بين الضعاف. بل لقد زدت فحاولت العثور على كلمة "فظاظة" أو "ديانة" فى أى حديث منسوب للرسول الكريم، صحيحا كان أو ضعيفا، فلم أوفق إلى شىء بالنسبة للكلمة الثانية، أما الأولى فلم أجدها وردت إلا على لسان اليهود فى روايةٍ منقطعةٍ ذَكَرها ابنُ كثير فى تفسيره لقوله تعالى: "من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله..."، وهو قولهم لعمر بن الخطاب لا للرسول عليه السلام، الذى لم يكن حاضرا: "إن جبريل مَلَك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب". ولا يعقل أن يكون الرجل من رواة الأحاديث ويجهل أن ذينك الحديثين لا وجود لهما لا بين صحيح الأحاديث النبوية الشريفة ولا ضعيفها. فتأمل أيها القارئ مغزى هذه النتائج!
7- كذلك أجد من الصعوبة الصعيبة أن يقول أى مسلم فى تلك الأيام، بَلْهَ هاشميا من بنى العباس، فضلا عن أن يكون هذا الهاشمى من رواة الأحاديث وخطباء المساجد الكبار: "ويقول الله مؤكدا"، ناسبا التأكيد إلى الله سبحانه، فمثل هذه اللغة غريبة جدا جدا جدا على كتّاب تلك العصور، بل إنى لأحسبها لا تزال حتى فى عصرنا هذا غريبة كما كانت آنذاك. وبالمثل لا أخال مسلما يسمِّى كتب اليهود المعروفة بــ"العهد القديم" بــ"الكتب العتيقة"، أو كتب النصارى المعروفة بــ"العهد الجديد" بــ"الكتب الحديثة"، فضلا عن أن يسمى أى إنجيل بــ"البشارة" كما صنع الهاشمى فيما هو منسوب إليه مَيْنًا وزُورًا، دعك من أن يستخدم كلمة "سَحْق" للدلالة على الانكسار والاتضاع (لا على الشذوذ الجنسى بين النساء مرادفا لــ"السِّحَاق" كما كان يستعملها المسلمون أحيانا فى القديم)، وذلك فى حديثه عن رجال الدين النصارى و"قيامهم فيها (أى فى الأديرة) حفاة على المسوح والرماد باكين بكاءً كثيرًا متواترًا بانهمال دموع من الأعين والجفون منتحبين بسحقٍ عجيب" كما نُسِب إليه، فهذه كلها رطانة كتابية لم يكن يعرفها المسلمون وقتذاك، زيادة على ركاكة الكلام فى قوله: "قيامهم على المسوح والرماد"، إذ المسوح هى الملابس المتقشفة التى كان يليسها بعض الرهبان إعلانا عن زهدهم فى الدنيا، والرماد معروف، وهو التراب المتخلف عن النار، فما معنى أن يقوم إنسان على المسوح والرماد؟ وكيف؟ ذلك كلام غريب لا يُتَصَوَّر صدوره من عربى فى القرن الثانى أو الثالث أو الرابع الهجرى ولا فيما بعد ذلك بعدة قرون، ودعنا من أن الهاشمى لم يكن عربيا عاديًّا لا فى نسبه ولا فى ثقافته. كما أن المسلم لا يقول: "الإنجيل"، وهو يقصد الأناجيل التى كتبها (فيما يقال) متى ومرقص ويوحنا ولوقا، وأعمال الرسل ورسائلهم ورؤيا يوحنا، إذ الإنجيل فى الإسلام هو الكتاب الذى أنزله الله تعالى على عيسى لا الكتب التى كتبها بعض الناس بعد تركه عليه السلام الأرض. ومن المستحيل أن يدور فى ذهن أى مسلم أن أولئك الناس المسَمَّيْن فى العهد الجديد بــ"الرسل" والذين يدور حولهم سفر "أعمال الرسل" هم حواريّو المسيح كما جاء فى رسالة الهاشمى، ذلك أن حوارييى المسيح لا يمكن أن يكونوا كهؤلاء الناس من المثلّثين. وبالمثل لا يمكن أن يقول مسلم عالم ومن الهاشميين عن المسيح وحوارييه إنه "بعثهم إلى الأمم دُعاةً له"، لأن هذا القول يناقض ما جاء فى القرآن مرارا من أن عيسى عليه السلام إنما أُرْسِل لبنى إسرائيل ليس إلا، وهو ما أكده الرسول حين قارن بين نفسه وبين إخوانه السابقين من الرسل والأنبياء بما فيهم طبعا السيد المسيح، فقال إن كل نبى قبله كان يُبْعَث فى قومه خاصة، أما هو فبُعِث إلى الناس كافّة. كذلك من المستحيل أن يُثْنِىَ مسلم على إيمان القساوسة والرهبان من أهل التثليث وعلى عبادتهم ورهبانيتهم وهو يقرأ فى القرآن ويتلو من أحاديث الرسول أنهم كفار وأنهم قد ابتدعوا تلك الرهبانية التى حرمها الله سبحانه وتعالى لمخالفتها سنة الفطرة، بَلْهَ أن يكون المادح عالما من قرابة النبى له وزنه ومكانته، وفى وقت كان المسلمون سادة للعالم لا يحتاجون إلى المواراة والالتواء فى حديثهم إلى أهل ذمتهم.
8- وبالمثل فالمسلم، فضلا عن أن يكون هذا المسلم عالما كبيرا كهذا الهاشمى المنسوبة له الرسالة التى بين أيدينا، لا يتصور أن يكون المراد بالقسيسين والرهبان فى قوله تعالى من سورة "المائدة": "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)" هم القساوسة والرهبان المؤمنين بالتثليث والصليب، بل القساوسة والرهبان الذين سمعوا القرآن على عهد النبى فبَكَوْا حتى فاض الدمع من عيونهم وآمنوا بدينه. أى أنهم لم يعودوا نصارى، بل أصبحوا مسلمين موحدين يتبعون دين النبى الكريم، وهذا واضح من آيات سورة "المائدة" المارة آنفا لا مماراة فيه. ومن ثم لا يمكن القبول بأن ذلك الهاشمى قد كتب عن القساوسة والرهبان المثلثين فى عصر النبى هذا الكلام الذى لا يُتَصَوَّر صدوره عن مسلم: "وعرف النبي عليه السلام، بما أُنْزِل عليه من الوحي، صحة ضمائرهم ونياتهم، وأنهم أصحاب المسيح حقًّا السائرون بسيرته الآخذون بسننه، إذ كانوا لا يقبلون القتال ولا يستحلّون المال ولا يغشّون أحدا ولا يريدون بالناس سوءا ولا مكروهًا، وأنهم طالبو السلامة ولا يصرّون على حقدٍ ولا عداوة"، إذ لو كان أولئك القسس والرهبان أصحابا للمسيح وسائرين على سنته حقا كما يُنْسَب القول بذلك للهاشمى لكانوا آمنوا بالرسول محمد عليه السلام. كما أن القرآن لا يثنى فى أى موضع فيه على أى واحد من أهل الكتاب على عهد الرسول عليه السلام إلا إذا كان قد ترك ما هو عليه والتحق بأمة المسلمين. أما سائر الأحبار والرهبان فيكفى أن نعرف من سورة "التوبة" ما قاله القرآن فى حقهم: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)" حتى يتبين لنا استحالة صدور مثل ذلك المديح للقسس والرهبان من عالمٍ مسلمٍ فى تلك العهود! كذلك يستحيل أن يقول المأمون عن النصرانية إنها دين آخرة، إذ معنى هذا أن من يعتنقها ناجٍ يوم القيامة، وهو ما لا يمكن أن يقول به مسلم، لأن الدين عنده هو الإسلام، فهو الدين الوحيد الذى لا يصح الإيمان إلا به، أما أى دين آخر غير الإسلام فلا يصلح، إذ الإسلام يجب ما قبله من الأديان، وبخاصة تلك التى تعرضت للعبث والتحريف واتهم القرآن والحديث أصحابها بالكفر ونَصَّا على أن جهنم هى مصيرهم، بغض النظر عن اعتقاد كل إنسان فى دينه وصحته، وبغض النظر عن احترامنا بدورنا لاعتقاد كل إنسان.
9- وينخرط الهاشمى، طبقا لما ينسبونه إليه، فى فاصل من الاستعراض الثقافى فيذكر قراءاته فى كتب القوم ومناظراته لرؤسائهم. وهو فاصل غير مفهوم، إذ المفروض أن الكندى يعرف كل ذلك عنه من واقع أنهما صديقان، ولا يعقل أن تكون بينهما كل تلك الصداقة التى يتحدث عنها مقدمو الرسالتين ثم يبقيا صامتين لا يتناقشان فى أمور الدين، وفجأة تطلع فى ذهن الهاشمى أن يكتب هذه الرسالة لصديقه يدعوه فيها إلى الإسلام، مما لا يقبله المنطق ولا يتسق مع طبائع الأشياء. بل هل يعقل أن يمضى الهاشمى فيحاضر الكندى فى دينه وكُتُبه وفِرَقه، وكأنه يكلمه فى أمور لا يعرفها هذا الكندى، مع أنها من صميم دينه، ومن ثم فهو يعرفها معرفة مباشرة.
10- ومما تناوله الهاشمى فى رسالته كلامه عن النسطورية، الذين سماهم: "أصحابك"، أى أصحاب الكندى، بما يدل على أن الكندى نسطورى. وقد انطلق فوصفهم بأنهم "أقرب وأشبه بأقاويل المنصفين من أهل الكلام والنظر وأكثرهم ميلاً إلى قولنا معشر المسلمين، وهم الذين حَمِد نبينا صلى الله عليه وسلم أمْرهم ومَدَحهم وأعطاهم العهود والمواثيق، وجعل لهم من الذمة في عنقه وأعناق أصحابه ما جعل، وكتب لهم في ذلك الكتب، وسجل لهم السجلات، وأكد أمرهم عندما صاروا إليه حين أفضي الأمر إليه واستوثق له، فأتَوْه وتحرّموا بحرمته وذكّروه بمعونتهم إياه على إعلان أمره وإظهار دعوته. وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه بما مكّن الله له وصار إليه. فلذلك كان يُكْثِر توادّه لهم وإطالة محادثتهم، ويُرَى كثيرا عندهم مخاطبا لهم في تردّده إلى الشام وغيرها. وكان الرهبان وأصحاب الأديرة يكرمونه ويجلّونه طوعا، ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ومشركي قريش وما يبتغونه له من الشرّ، مع مودتهم له وإجلالهم إياه وأصحابه".
وهذا كلام كله خبث وشيطنة، إذ متى عامل النبى النساطرة معاملة خاصة وأثنى عليهم؟ ومتى كان النساطرة يوادّونه ويساعدونه على رسالته ويعضدونه؟ وإذا كان هذا صحيحا فلم إذن يتسافه هذا الكندى النسطورى ويجرم فى حقه عليه السلام ويقول فيه الكلام البذىء الذى سوف نطّلع عليه بعد قليل إذا كان ما ينسبونه للهاشمى من أن النساطرة يحبونه عليه السلام ويوادونه ويعضدونه صحيحا؟ يقولون فى الأمثال الشعبية إن الجمل صعد النخلة، فقال أحدهم: هذا الجمل، وهذه النخلة، فأرونا كيف صعد الجمل النخلة. وهو ما نقوله نحن: هذا تاريخ الرسول، وهذا تاريخ النساطرة، فأرونا متى حدث ما ذكرتموه على لسان الهاشمى. إن الذين دعاهم النبى من النصارى إلى الإسلام إما ناس أسلموا، وهؤلاء لا شأن لنا بهم هنا، وإما نصارى بَقُوا على ما كانوا عليه، فدعاهم عليه السلام إلى المباهلة، وهى الدعاء على الكاذب المدلس من الطرفين أن يهلكه الله ويخزيه ويلعنه هو وأهله من نساء وأبناء، لكنهم حاصوا وهربوا من المباهلة وآثروا أن يدفعوا الجزية لمعرفتهم أنه نبى صادق، لكن حظوظ الدنيا غلبتهم على ضمائرهم ومنعتهم من الدخول فى الدين الحق. فمتى كان النساطرة يتمتعون لديه بوضع خاص؟ إن هذا لهو الكذب المبين، لعنة الله على كل كذاب أفاك لئيم! ثم متى كان النبى عليه الصلاة والسلام يكثر من التردد على النساطرة ويحب محادثتهم؟ ترى ماذا كان يقول لهم ويقولون له؟ إن كاتب هذا القَىْءِ يريد اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صنيعة نصرانية، إذ كان يستمع إلى ما لدى القساوسة ويتعلم منهم حتى استطاع فى نهاية المطاف أن يصبح رسولا. الله أكبر! أرأيتم إلى هذا اللف والدوران؟ أرأيتم إلى هذا الخبث الحقير والكيد الوضيع وكيف يسندون اتهام الرسول إلى رجل من الهاشميين وعالم من علمائهم، وفوق ذلك تقى متمسك أشد التمسك بدينه؟ إن الكذابين يزعمون أن الرسول عليه السلام كان يتردد على القساوسة كلما ذهب إلى الشام، مع أن كل ما ذكره بعض كتاب السيرة أنه قابل بحيرا مرة واحدة وهو صبى صغير، وأن تلك المقابلة كانت بطلب من بحيرا لا العكس، وأن ذلك الراهب قد حذر عمه أبا طالب من كيد يهود ضد ابن أخيه لأنه سوف يكون نبيا. وهذا كل ما حدث، فلا كلام ولا سماع ولا دياولو، كما أن ذلك لم يتكرر مرة أخرى. وقد دفع مثل هذا الزعم الكاتب الأسكتلندى الشهير توماس كارلايل إلى السخرية من المستشرقين والمبشرين الذين يقولون إن الرسول قد تعلم على يد بحيرا، متسائلا ما الذى يمكن أن يتعلمه صبى فى نحو الرابعة عشرة من راهب كبحيرا أو غيره لا يعرف لغته؟ (انظر كتابه: "الأبطال"/ ترجمة محمد السباعى/ كتاب الهلال/ العدد 326/ فبراير 1978م/ 69). كذلك يقول كاتب الرسالة إن قساوسة النساطرة كانو يجلونه هو وأصحابه، فهل كان للرسول آنذاك أصحاب، وهو لم يكن قد بدأ دعوته بعد، ومن ثم لم يكن له أتباع أصلا؟ وأعجب من ذلك وأبعث على الضحك أن يقال إن الوحى عندئذ قد نزل مثنيا عليهم بآيات سورة "المائدة" الآنفة الذكر والتى بينتُ قبل قليل أنها إنما نزلت فيمن أسلم من قِسِّيسِى النصارى ورهبانهم، رغم أنه لم يكن ثمة وحى بعد، إذ كيف ينزل وحى، والنبى لم يكن قد أصبح نبيا آنذاك، لأن الكلام هو عن رحلاته إلى الشام، ومعروف أنه صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى الشام من قبل بدء الدعوة بزمن؟ إن هذا لا يمكن صدوره من مسلم، فضلا عن عالم كبير من علماء المسلمين!
11- ويقول الهاشمى فيما هو منسوب إليه: "ولقيتُ جماعةً من الرهبان المعروفين بشدة الزهد وكثرة العلم، ودخلتُ كنائسَ وأديرةً كثيرةً وحضرت صلواتِهم تلك الطوال السبع التي يسمّونها: "صلوات الأوقات"، وهي صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الثالثة التي هي صلاة السَحَر، وصلاة نصف النهار، أعني صلاة الظهر، وصلاة التاسعة التي هي قريبة من وقت العصر والعِشاء، وصلاة الشفع وهي صلاة العِشاء المفروضة، وصلاة النوم التي يصلّونها قبل أخذهم مضاجعهم. ورأيت ذلك الاجتهاد العجيب والركوع والسجود بإلصاق الخدود بالأرض وضرب الجبهة والتكتُّف إلى انقضاء صلواتهم، خاصة في ليالي الآحاد وليالي الجُمَع وليالي الأعياد التي يسهرون فيها منتصبي الأرجل بالتسبيح والتقديس والتهليل الليل كله، ويصلّون ذلك بالقيام نهارهم أجمع، ويكثرون في صلواتهم ذكر الآب والابن والروح القدس، وأيام الاعتكاف التي يسمونها أيام البواعيث (صلوات الاستمطار)"، فينبثق التساؤل التالى فى الحال: ماذا كان يصنع هذا الرجل بالضبط فى حياته؟ أوكان رجلا فاضيا بحيث إنه لم يجد ما يشغل به وقته سوى التردد على الكنائس والأديرة بل مواصلة النهار بالليل فيها؟ لكننا نعرف أن الأديرة كانت فى ذلك العصر مرتادا لجماعات من المـــُجّان والسكارى المسلمين الذين يذهبون إلى هناك للتحرش بالرهبان الشبان، وما أدراكم ما الرهبان الشبان والتحرش بهم؟ فكيف شذ صاحبنا عن هذا؟ وإلى القارئ واحدة من القصص التى كانت تتكرر كثيرا فى ذلك العصر، وهى منقولة عن كتاب "الديارات" للأصفهانى: "كان بكر بن خارجة يتعشق غلاماً نصرانياً يقال له:عيسى بن البراء العبادي الصيرفي، وله فيه قصيدة مزدوجة يذكر فيها النصارى وشرائعهم وأعيادهم، ويسمي دياراتهم، ويفضلهم. قال: وحدثني من شهد دعبلاً وقد أنشد قوله في عيسى بن البراء العبادي:
زُنّارهُ في خصره معقودُ كأنه من كبدي مقدودُ
فقال دِعبل: ما يعلم الله أني حسدتُ أحدًا قط كما حسدت بكرًا على هذين البيتين! وقال بكر بن خارجة في عيسى بن البراء العبادي:
فبالإنجيل تتلوه شيوخٌ* رهابنةٌ بدير الجاثليقِ
وبالقربان والصلبان إلا* رثيت لقلبيَ الدَنِفِ المشُوقِ
أَجِرْني، متُّ قبلك من همومي* وأرشدني إلى نهج الطريق
فقد ضاقت عليّ وجوه أمري* وأنت المستجارُ من المضيقِ
وكان بكر بن خارجة كثير المقام بهذا الدير مشتهراً بالشراب فيه، افتتاناً بهذا الغلام النصراني، وفيه يقول أرجوزة مليحة منها قوله:
من عاشقٍ ناءٍ هواه دانِ* ناطق دمعٍ صامتِ اللسانِ
موثقِ قلبٍ مطلقِ الجثمان* معذَّبٍ بالصدِّ والهجران
من غير ذنب كسبت يداهُ* إلا هوًى نمّت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاه* كأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشق ما يلقى* بأدمع منهلّة ما ترقى
ذاب إلى أن كاد يخفي عشقا* وعن دقيق الفكر فيه دقّا
لم يبق فيه غير طرفٍ يبكي* بأدمع مثل نظام السلكِ
كأنه قطر السماء يحكي* يخمد نيران الهوى ويذكي
إلى غزالٍ من بني النصارى* عِذارُ خدّيه سَبَى العذارى
يترك ألباب الورى حيارى* في ربقة الحبّ له أسارى
رِيمٍ بدير الروم رام قتلي* بمقلةٍ كحلاء لا من كُحلِ
وطُرَّةٍ بها استطار عقلي* وحُسْن دلٍّ وقبيح فعل
ها أنا ذا من قَدّه مقدودُ* والدمع من خدّي له أُخدود
ما ضرَّ مَنْ قلبي به معمودُ* لو لم يكدِّر صَفْوَه الصدودُ؟
يا ليتني كنت له صليبا* فكنت منه أبدا قريبا
أُبْصِر حسنًا وأشمُّ طيبا* لا واشيًا أخشى ولا رقيبا
أو ليتني كنتُ له قُربانا* ألثم منه الفمَ والبنانا
أو جاثليقًا كنت أو مطرانا* كيما يرى الطاعة لي إيمانا
أو ليتني كنتُ له زنّارا* يدور بي خصراه حيث دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا* صرتُ له تحت الدجى إزارا
يا ليتني في النحر منه عُوذَة * أو خمرة يشربني ملذوذة
أو حلة يلبسني مقدودة* ليست إذا ما أخلقت مقدودة
يا ليتني كنت لعمروٍ مصحفا* أو قَلَمًا يكتب بي ما ألّفا
من حسن أشعارٍ له قد صنّفا* فإن لي من بعض هذا ما كفى
يا للذي بحسنه أضناني* وابتزَّ صبري والضنى كساني
ظبيّ على البعاد والتداني* حلَّ محلَّ الروح من جثماني
واكبدي من خده المضرَّجِ* واحزني من ثغره المفلَّجِ
لا شيء مثل الطرف منه الأدعجِ* أذهب للنسك وللتحرجِ
إليك أشكو يا غزال الأنسِ * يا من هلالي وجهُه وشمسي
ما بي من الوحشة بعد الأنسِ* لا تُقْتل النفسُ بغير النفس
ها أنا في بحر الهوى غريقُ* سكران من حبّك لا أفيقُ
محترقٌ ما مسَّني حريقُ* يرحمني العدوُّ والصديقُ
ويقول فيها:
يا عمرو ناشدتك بالمسيحِ* ألا سمعتَ القول من نصيحِ
يعرِبُ عن قلبٍ له قريحِ* ليس من الحبِّ بمستريحِ؟
يا عمرو بالحق من اللاهوتِ* والروح روح القدس والناسوتِ
ذاك الذي قد خُصَّ بالنعوتِ* النطق في المهد وبالسكوت
بحق من في شامخ الصوامع* من ساجدٍ لربه وراكعِ
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجعِ* خوفاً من الله بدمعٍ هامعِ
ثمّ يقسم عليه بكل قسم يعرفه النصارى ويقول:
ألا نظرت يا أميرَ أمري* محتسبًا فيَّ عظيم الأجر؟
كذلك ألم يكن للهاشمى زوجة وأولاد وأهل يستفسرون منه عن سر ذلك التردد الكثير على دور العبادة النصرانية والبقاء الطويل فيها وتركهم دون عائل يقوم بمطالبهم من موبايلات ودروس خصوصية وساندويتشات شاورما وبيتسا وجاتوهات والذى منه؟ وهل من الممكن على من تكتَّف أن يسجد أو أن يضرب نفسه؟ وهل يكون السجود بوضع الخد على الأرض؟ الواقع أن هذا كلام يبرجل الدماغ! ومرة أخرى نحن أمام محاضرة فى العبادات النصرانية، ولا أظن الهاشمى، لو كان شخصية حقيقية، يمكن أن ينخرط فى هذا الدرس الذى لم يطلبه منه الكندى ولا يحتاج له. وعلى الناحية الأخرى نجد الكندى يشرح للهاشمى فى رده على رسالته ألفاظا فى كلامه لم تكن ثمة حاجة إلى شرحها، إلا أن يكون الكندى قد افترض أن صاحبه من العوام فهو يشرحها له، فهو يقول له أثناء حديثه عن جمع القرآن: "فاجتمع أمرهم وجمعوا ما كان حَفِظه الرجال من أجزائه كسورة "التوبة" التي كتبوها عن الأعرابي الذي جاءهم من البادية وغيره من الشاذ والوافد، وما كان مكتوبا على اللِّخاف (وهي حجارة بيض رقاق واحدتها لَخْفة، وهي في حديث زيد بن ثابت جامع القرآن) والعُسُب (وهو جريد النخل) وعلى عظم الكتف ونحو ذلك، ولم يُجمع في مصحف". فهل مما يدخل المخّ أن يكون الهامشى بحاجة إلى من يشرح له معنى "العُسُب" و"اللِّخاف"، وعلى يد من؟ على يد نصرانى! ثم هل من المعقول أن يقضى الهاشمى كل تلك الأوقات فى الكنائس والأديرة مخالطا للقسيسين والرهبان مشاهدا ما يصنعون ويدخل معهم فى مجادلات حول الإسلام والنصرانية ثم لا يهتم بوضع رسائل فى المقارنة بين الديانتين للناس جميعا مسلمين ونصارى ما دامت حماسته للجدال الدينى على النحو الذى تعكسه رسالته للكندى؟ أوتلك الرسالة القصيرة المجملة هى كل ما جادت به قريحته بعد كل تلك التجارب الكنسية والديرية التى خاضها بسلامته طوال ذلك الوقت؟ والمضحك، وكل شىء فى تلك الرسالة مضحك، أن يقول للكندى إنه قد ذكر له كل شىء عن مشاهداته وتجاربه ونقاشاته فى الكنائس والأديرة حتى يعلم كل من يطلع على خطابه إليه أنه كان عالما بالقضية! ترى ما معنى هذه الإشارة إلى من يمكن أن يطلعوا على الخطاب، وهو ليس سوى خطاب شخصى المفروض أنه لن يطلع عليه أحد آخر سوى صاحبه؟ أما إذا كان فى نيته أن يقرأه الآخرون، أفلم يكن الأحرى به أن يضع فى ذلك كتابا يقرؤه الناس جميعا كما قلنا قبل قليل؟ وأخيرا هل يعقل أن ينقضّ ذلك العالم المسلم على أهل دينه بهذه الحماقة وذلك الاحتقار تقربا إلى الكندى كما صنع فى سياق كلامه عن مناظراته مع القساوسة والرهبان: "ناظرتُهم مناظرةً نصفة طالبا للحق، مسقِطا بيني وبينهم اللجاج والمكابرة والصلف بالحسب، وأوْسعتُهم أمنا أن يقوموا بحجّتهم ويتكلموا بجميع ما يريدونه، غير مؤاخذٍ لهم بذلك ولا متعنّت عليهم في شيء كمناظرة الرَّعاع والجهال والسفهاء من أهل ديانتنا، الذين لا أصل لهم ينتهون إليه ولا عقل فيهم يعوّلون عليه، ولا دين ولا أخلاق تحجبهم عن سوء الأدب، وإنما كلامهم العَنَت والمكابرة والمغالبة بسلطان الدولة بغير علم ولا حجة". الحق أن هذا ليس كلام الهاشمى، بل كلام نصرانىٍّ خبيثٍ حقودٍ يهتبل الفرصة لإفراغ ما يَكُظّ قلبه من سمٍّ هارٍ يمزق مصارينه!
12- وفى الرسالة المنسوبة إلى الهاشمى نقرأ أيضا، فيما نقرأ، قوله لصديقه النصرانى: "فأنا الآن أدعوك بهذه المعرفة كلها مِنّي بدينك الذي أنت عليه إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله لي وارتضيته لنفسي، ضامنًا لك به الجنة ضمانًا صحيحًا والأمن من النار". والسؤال هو: أمن الممكن أن يتألَّى مثل هذا الهاشمى على الله ويضمن الجنة لأحد من الخلق؟ فمن هو يا ترى؟ أهو الله؟ أم هو نبى من أنبياء الله تلقى الوحى بذلك من الله؟ لا هذا ولا ذاك، وأى مسلم يعرف أنه لا أحد من البشر يمكنه أن يعرف مصير أحد فى الآخرة: لا مصيره هو ولا مصير سواه. وهذا مفهوم فى الإسلام، ولا مماراة فيه، فكيف يقع فى هذه الغلطة البلقاء مثل ذلك العالم الكبير؟ هذا كلام رجل لا يعرف الإسلام، وهو من الأسباب القوية التى تدفع إلى التشكك الشديد فى الرسالة وفى نسبتها إلى عالم مسلم كهذا الهاشمى، الذى كان فوق ذلك من أهل الحديث وخطيبا لجامع المنصور فى بغداد.
13- وجاء فى كلام الهاشمى أيضا عن الشهادتين: "وهذه الشهادة هي الشهادة التي شهد الله بها قبل أن يخلق الخلائق، إذ كان على العرش مكتوبا: لا إله إلا الله. محمد رسول الله". وقد تقصيت هذا الحديث فى "الدرر السنية" فوجدت الآتى: "عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبدي ورسولي، أيدته بعلي بن أبي طالب، وذلك قوله (تعالى) في كتابه: "هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين" يعني: بعلي". خلاصة الدرجة: كذب موضوع. المحدث: ابن تيمية. المصدر: منهاج السنة". فالحديث إذن موضوع لا أصل له، فهل من الممكن أن يردد عالم كالهاشمى مثل هذا الكلام الذى هو بالعَوَامّ أشبه، فضلا عن أن يذهب مذهب الشيعة الذين لا يَرَوْن فى الدنيا إلا عليًّا كرم الله وجهه ولا يكادون يعترفون لأحد من الصحابة بشىء من الفضل إلا لأفراد قلائل منهم، مع أن ذلك الهاشمى هو من بنى العباس، الذين كانوا يشيعون فى المسلمين أن العم أقرب رحما بالنبى من ابن العم، كما كان شعراؤهم يقولون فى الدعاية لهم وإقناع جماهير المسلمين بأنهم أحق بالخلافة من العلويين؟ ومنه قول أبانٍ اللاحقىّ:
نَشَدْتُ بحق الله من كان مسلما * أَعُمُّ بما قد قلتُه العُجْم والعَرَبْ
أعم رسول الله أقرب زُلْفَةً* لديه أم ابن العم في رتبة النسبْ؟
وأيهما أَوْلَى به وبعهده؟* ومن ذا له حق التراث بما وجبْ؟
فإن كان عباسٌ أحقَّ بتلكمو* وكان عليٌّ بعد ذاك على سببْ
فأبناء عباسٍ همو يرثونه* كما العمُّ لابن العم في الإرث قد حَجَبْ
وقول مروان بن أبى حفصة:
يا بن الذي وَرِث النبيَّ محمدًا* دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحيُ بين بنى البنات وبينكم* قَطَعَ الخصامَ، فلاتَ حين خصامِ
ما للنساء مع الرجال فريضةٌ* نزلت بذلك سورة الأنعام
أَنَّى يكون، وليس ذاك بكائن* لبني البنات وراثة الأعمام؟
ألغى سهامَهم الكتابُ فحاولوا* أن يشرعوا فيها بغير سهام
ظفرتْ بنو ساقي الحجيج بحقهم* وغُرِرْتُمو بتوهُّم الأحلام
وقول منصور النمرى للرشيد:
يا ابنَ الأَئِمَّةِ من بَعْدِ النَّبِى ويا ابْـ*ـــنَ الأَوْصِياء أَقَرَّ الناسُ أَو دَفَعُوا
إِنَّ الخِلاَفَةَ كانَتْ إِرْثَ والدِكُمْ* من دُونِ تَيْمٍ، وعَفْوُ اللهِ مُتَّسِعُ
لَوْلاَ عَدِىٌّ وتَيْمٌ لم تَكَنْ وَصَلَتْ* إِلى أُمَيَّةَ تَمْرِيها وتَرْتضِعُ
وما لآلِ عَلِىٍّ في إِمارَتِكُمْ* وما لهم أَبَدًا في إِرْثِكُمْ طَمَعُ
يا أَيُّها الناسُ لا تَعْزُبْ حُلُومُكُمُ* ولا تُضِفْكُمْ إِلى أَكْنافِها البِدَعُ
العَمُّ أَوْلى مِن ابْنِ العَمَّ، فاسْتَمِعُوا* قَوْلَ النَّصِيحَةِ. إِنَّ الحَقَّ مُسْتَمَعُ
14- ومما لا يقتنع به العقل أبدا ولا يصدّق أن من الممكن صدوره عن عالم مسلم قول الهاشمى يدعو الكندى إلى الدخول فى الإسلام وتأدية الصلاة: "وأدعوك إلى الصلوات الخمس التي مَنْ صلاّها لم يخب ولم يخسر بل يربح ويكون في الدنيا والآخرة من الفائزين، وهي الفرض فيها فرضان: فرضٌ من الله، وفرضٌ من رسوله مثل الوتر. وهي ثلاث ركعات بعد العِشاء الأخيرة، وركعتان في الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب. فمن ترك شيئا من هذه فليس بجائزٍ له، ويجب على من تركها أياما الأدب ويُستتاب منه". فهل يقال فى الإسلام إن الصلاة فرضان: فرض من الله، وفرض من الرسول؟ إن المعروف أن الصلاة نوعان: فرض وسنة، فأما الفرض ففاعله مأجور مثاب، وتاركه يعاقب عليه، وأما السنة فمؤديها مأجور، وتاركها غير آثم، بخلاف ما زعمه الهاشمى من أن لتارك الصلاة بنوعيها، دون تفريق بين فرض وناقلة، عقوبة واستتابة، إذ لا عقاب على تارك النوافل كما هو معلوم للمسلمين كافة. أما القول بأن ثمة عقوبة على من لم يصلّ النوافل فهو هزل لا يليق! ثم هل فرغ الهاشمى من كل شىء مع الكندى، ودخل الكندى الإسلام، ولم يبق إلا أن يفرّق له بين العشاء والعَتَمَة ويعلّمه أن الرسول قد نهى عن تسمية العشاء بــ"العَتَمة": "وقد نهى رسول الله أن يُقال: العَتَمة، وقال: هي عتمة الليل، وإنما سُمِّيَتْ: "عَتَمَة" لتأخّرها في العِشاء وإبطائها"؟ ألا إن هذا لمما يبعث على القهقهة!
15- ويمضى الهاشمى قائلا لصديقه النسطورى: "ثم أدعوك إلى الحج إلى بيت الله الحرام الذي بمكة، والنظر إلى حرم رسول الله وآثاره ومواضعه المباركة وتلك المشاعر العجيبة" بما يدل، كما هو واضح جلىّ، على أن حرم رسول الله هو المسجد الحرام. فهل يسمى المسجد الحرام: "حرم رسول الله"؟ فضلا عن أنه ليس هناك فى كتب الموسوعة الشعرية، وهى بالمئات، عبارة "المشاعر العجيبة". وفى "المياه والأمكنة والجبال" للزمخشرى نقرأ أن "الحرم مكة وما حولها، وحرم رسول الله (ص) المدينة". وفى كتب الأدب العربى القديمة أن الأنصار ذهبوا إلى عمر بن عبد العزيز وكلموه فى رد الأحوص الشاعر إلى "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أى إلى المدينة. وكذلك جاء على لسان عائشة رضى الله عنها أن عثمان قُتِل وطُلَّ دمه (أى ذهب هَدْرًا) فى "حرم رسول الله"، أى فى المدينة. وجاء على لسان عبد المطلب فى كتب التاريخ والسيرة قوله عن نفسه وقومه، وكذلك قول غيره عنهم، إنهم "أهل حرم الله"، أى مكة. كما يشار كثيرا فى كتب الأدب والتاريخ إلى مكة بأنها "حرم الله"، وإلى المدينة بأنها "حرم رسول الله"، وإلى أهل المدينة بأنهم "أهل حرم رسول الله"، ولا يوجد فى أى كتاب أن المسجد الحرام هو حرم رسول الله.
16- وثمة أخطاء أخرى لا تليق بأن يقع فيها مثل ذلك العالم المبجَّل، منها قوله عن شفاعة النبى يوم القيامة: "ويقول الرحمن للملائكة: إني أستحيي أن أردّ شفاعة صفيي وحبيبي محمد"، فأين هذا الكلام؟ ومن أين أتى به الكاتب؟ هل يعقل أن يقول هذا رجل من رجال الحديث؟ لقد بحثت عنه فى "موسوعة الأحاديث" فى كل من موقع "الدرر السنية" وموقع "بلِّغوا عنى ولو آية"، فلم أجده لا فى الأحاديث الصحيحة ولا فى الضعيفة. ومنها أيضا: "وأما الزكاة فهي ربع العُشر"، مع أن هذه النسبة إنما هى فى أنواع معينة من الأموال فقط، أما فى الأنواع الباقية فالنسبة مختلفة عن ذلك، وهو ما يدل على أن الكاتب لا يعرف الإسلام إلا لماما. ثم إنه يضيف قائلا: "إذا أتى على المال وهو في ملك صاحبه حَوْلٌ كاملٌ، فتَصْرِف ذلك على المساكين من ملّتك والفقراء من أهلك"، وتعليقنا هو أن مستحقى الزكاة أكثر من ذلك، إذ هم ثمانية أصناف من البشر، فأين الباقون؟ مرة أخرى هذا كلام رجل لا يعرف الإسلام إلا لماما. ومن ذلك أيضا قوله إن الله ليحب أن يؤخَذ بعزائمه وتشديداته. فهل إلى هذا الحد يجهل الهاشمى المزعوم حديث رسول الله فى ذلك الموضوع فلا يستطيع أن يورده على الوجه الصحيح الذى يدل على أن الله سبحانه يحب لعباده اليسر لا العسر وأنه إذا كان ثمة رخصة فهو يريد للمسلم الأخذ بها، إذ يقول الرسول الكريم: "إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصه كما يكره أن تُؤْتَى معصيته"، وفى رواية أخرى: "إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصه كما يحب أن تُؤْتَى عزائمه"؟ ثم إنه ليس فى الإسلام أية تشديدات، بل جاء نبينا الرحيم برسالة اليسر والتيسير وأعفى الناس مما كان فى دين اليهود من تشديداتٍ مُعْنِتَةٍ كان الله قد عاقبهم بها جراء تمردهم وعصيانهم ومسارعتهم فى كل مناسبة إلى الكفر؟ بل إن لفظ "التشديدات" لا وجود له فى القرآن الكريم ولا فى الحديث الشريف لا بصيغة المفرد ولا بصيغة الجمع بأى حال من الأحوال. ومرة أخرى بحثت عن كلمة "تشديدات" فى "الموسوعة الشعرية" فى كلا القسمين: قسم الشعر الذى يضم كل الشعر العربى تقريبا حتى منتصف القرن الماضى، وقسم المكتبة التى تضم عدة مئات من أشهر كتب التراث، وكذلك فى "المكتبة التراثية" بموقع الوراق، فلم يرتدّ لى من البحث إلا أربعة شواهد كلها من كتب لاحقة للتاريخ الذى ينتمى إليه كاتبا الرسالتين على أبعد تقدير، وهذه الشواهد موجودة فى الكتب المنشورة فى موقع "الوراق" فقط.
17- وأخيرا فقد ختم الهاشمى رسالته بالعيب على دين الكندى وعقائده وعباداته وشرائعه وعقله، إذ يقول له: "فدع ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه، الذي لا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك بدنك وتعذيبك نفسك، وقولك بذلك التخليط الذي تعرفه ولا تنكره، وهو قولكم بالآب والابن والروح القدس، وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع، فإني أربأ بك عنه وأجلُّ فيه علمك وشرف حسبك عن خساسته، فإني وجدت الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (النساء/ 48)، وقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" (المائدة/ 72- 75)... فقد نصحتُ لك يا هذا وأدَّيْتُ إليك حق المودّة وخالص المحبة، إذ أحببتُ أن أخلطك بنفسي، وأن أكون أنا وأنت على رأي واحد وديانة واحدة. فإني وجدت ربي يقول: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ والْمُشرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ" (البيّنة/ 6- 8)، وقال في موضع آخر: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" (آل عمران/ 110). وأشفقت عليك أن تكون من أهل النار الذين هم شر البرية، ورجوت أن تكون بتوفيق الله إياك من المؤمنين الذين رَضِيَ الله عنهم ورَضُوا عنه وهم خير البرية، ورجوت أن تكون من هذه الأمة التي هي خير أمة أُخرجت للناس... فَدَعْ ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه، الذي لا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك بدنك وتعذيبك نفسك... فإن أبَيْتَ إلاَّ جهلاً وتماديًا في كفرك وطغيانك الذي أنت فيه..."، وهذا يناقض ما كان قد كاله قبلا من ثناء له وللقساوسة والرهبان، وللنصرانية أيضا فى بعض الأحيان، فكيف ذلك؟
18- وبالمناسبة فقد كان المخطوط الأصلى الذى حققه وطبعه الدكتور تين (Dr. Tien) خاليا من اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين، وهذا هو نص المقدمة التى كانت فى المخطوط ثم تم حذفه وكُتِبَ مكانه الاسمان: "ذُكِر أنه كان فى زمن عبد الله المأمون رجل من نبلاء الهاشميّين، وأظنّه من ولد العباس قريب القرابة من الخليفة، معروفٌ بالنسك والورع والتمسك بدين الإسلام وشدّة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه مشهورٌ بذلك عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدبٍ وعِلْمٍ كِنْدِىّ الأصل مشهورٌ بالتمسك بدين النصرانية، وكان فى خدمة الخليفة وقريبا منه مكانا، فكانا يتوادّان ويتحابّان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين وجماعة أصحابه والمتّصلون به قد عرفوهما بذلك، وكرهنا أن نذكر اسميهما لعلة من العلل. فكتب الهاشمى الى النصرانى كتابا هذه نسخته". وهذا يدل، كما سبق الإيماء، على أن فى الأمر كثيرا من الاضطراب من شأنه أن يلقى الريبة فى الصدور، وبخاصة أننا نقرأ فى مقدمة الطبعة العربية أن ناشريها قد أَجْرَوْا فيها بعض التعديلات والتغييرات حسبما يقول النص التالى: "ويسرنا أن نقدم للقارئ العربي رسالتي الهاشمي والكِنْدي في هذه الطبعة الحديثة التي قدمنا فيها رسالة الهاشمي كما وجدناها، أما رسالة الكندي للهاشمي فقد حذفنا منها المترادفات، والتكرار، والتحيات، ونقلنا الاقتباسات الكتابية من ترجمة بيروت المعروفة بترجمة البستاني. وقد تركنا كلمة "نصارى ونصرانية" كما هي رغم معرفتنا أن المقصود بها هنا هو "المسيحية" وليس فرقة النصارى". كما أن وليام موير حين ترجم الرسالة المنسوبة للكندى لم يترجمها كاملة كما هى، بل اكتفى بترجمة مختارات منها وحذف الباقى كما أخبرنا فى المقدمة (ص 8)، بما يدل على أن النص الأصلى لم يبق على حاله. وهنا أرجو أن يتنبه القراء إلى دلالة اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين: عبد الله بن إسماعيل، وعبد المسيح بن إسحاق. فــ"عبد المسيح" تقابل "عبد الله"، و"إسحاق" تقابل "إسماعيل"، على اعتبار أن المسلم يتعبد لله، على حين يتعبد النصرانى للمسيح، وينتسب المسلم إلى إسماعيل، أما النصرانى فهو يفضل أن ينتسب إلى إسحاق، على أساس أن إسماعيل هو ابن إبراهيم الذى إليه يعتزى العرب، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم، بينما إسحاق هو ابنه الآخر الذى إليه ينتسب بنو إسرائيل، ومنهم المسيح عليه السلام. لكل ما سبق فإنى أرجح أن الرسالتين مصنوعتان صنعا على يد نصرانى لم يصرح باسمه بل تخفى وراء الاسمين المذكورين.
هذا ما عنّ لنا فيما يخص رسالة الهاشمى، أو بالأحرى: الرسالة المنسوبة إلى الهاشمى، أما بالنسبة إلى رسالة الكندى المزعوم، ذلك الذى لا نعرف عنه شيئا بالمرة، فإلى القارئ العزيز ملاحظاتنا عليها:
1- يلاحظ إسراف الكاتب فى تبجيل الخليفة (الذى من المفترض أنه هو المأمون، والذى رأينا أنه لا يمكن أن يكون المأمون)، فى الوقت الذى يتسافه فى حق رسول الله. ولا أدرى كيف يكون ذلك، وهو ما يدفعنى إلى القول بأن الرسالة لم تكن فى الأصل هكذا رغم أنها (كما قلت) لا تبعث أبدا على الاطمئنان إلى أن مؤلفها هو الكندى، بل دخلها عبث كثير مع هذا. ذلك أن من يحرص على تبجيل الخليفة كل هذا التبجيل وعلى التخاشع أمامه بكل تلك المذلة لا بد أن يحرص، على الأقل، على ألا يمس الرسول الذى يحكم ذلك الخليفة باسمه فلا يصفه بــ"صاحبك الجلف" مثلا، وهو الوصف الذى لو كان قد كتبه الكاتب فعلا إلى أحد المسلمين لكان قد ضربه بما فى قدمه على وجهه وحطم أنفه ومرغه فى الطين، إذ ليس الأمر هنا أمر حرية تفكير وتعبير بل أمر تسافه وتباذؤ على أكبر رمز عند المسلمين، وبالذات فى تلك العصور حيث كانت الدولة تقوم على العقيدة والشريعة اللتين أتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخلفاء العباسيين هم من نفس السلالة التى منها رسول الله تبين لنا كيف كان من المستحيل اجتراء مثل ذلك الكلب الكندى على تناول رسول الله فى رسالة له إلى أحد بنى العباس بما تناوله به! ولست محتاجا إلى الإشارة إلى قلة أدب الكندى المزعوم وسفاهة عقله وعمى قلبه عن أنه لا يصح له قول ما قال فى حق رجل غيّر مسار التاريخ وعلّم البشر من قيم الحضارة والرقىّ الإنسانى والاجتماعى والأخلاقى ما كانت تجهله وما زالت تجهله حتى الآن! لكن ما علينا، فإن الحلاليف من أمثال هذا الوغد لا يمكنها أن تقدر اللآلئ قدرها الحق. ذلك أن قيمة اللآلئ إنما يعرفها خبراء الحلىّ والأحجار الثمينة، أما الحلاليف فهى، راحت أو جاءت، حلاليف لا تفهم إلا فى تشمم الزبالة وغمس فراطيسها فيها بحثا عن الفضلات! وإلى القارئ بعض ما قاله ذلك الكلب الحقير النجس عن الخليفة: "قرأت رسالتك وحمدت الله على ما وُهب لي من رأي سيدي أمير المؤمنين، ودعوت الله الذي لا يخيب داعيه إذا دعاه بنيَّةٍ صادقةٍ أن يطيل بقاء سيدنا أمير المؤمنين في أسبغ النعم برحمته". ومن الواضح أنه يكذب أيضا فى إشارته إلى ما وُهِب له من رأى سيده أمير المؤمنين، إذ ليس فى رسالة الهاشمى أية إشارة من قريب أو من بعيد إلى أنه كان لأمير المؤمنين (أيا ما يكن أمير المؤمنين ذاك) رأى يخص ذلك الكلب الدنس!
2- ومما قاله الكندى المزيف لصديقه المسلم: "مكتوب في التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى النبي، وناجاه بجميع ما فيها وخبَّره أسراره في السفر الأول من أسفارها الخمسة، وهو المعروف بسفر "الخليقة" (التكوين)، أن إبراهيم كان نازلاً مع آبائه بحاران، وأن الله تجلّى له بعد تسعين سنة، فآمن به وحُسِب له ذلك بِرًّا. ولكنه كان قبل ذلك التجلّي يعبد الصنم المسمّى: العُزّى، المتَّخَذ على اسم القمر، لأن أهل حاران كانوا يعبدون هذا الصنم، فكان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه، إلى أن تجلّى الله له فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا (تكوين 15:6). فترك الحنيفية التي هي عبادة الأصنام، وصار موحّدًا مؤمنًا، لأننا نجد الحنيفية في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام، فورَّث إبراهيم ذلك التوحيد إسحق، الذي هو ابن الموعد، وهو الذي قرَّبه لله ففداه الله بالكبش، لأنه هكذا أمره الله: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ واذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ (تك 22:2)". ولو رجعنا إلى سِفْر "التكوين" (أو سفر "الخليقة" كما سماه الكلب النجس كاتب الرسالة) لتبين لنا أنه كذاب قرارى لا يخجل ولا يستحى على وجهه، إذ ليس فى ذلك السِّفْر ولا فى أى سفر آخر من الكتاب المقدس عنده هو وأمثاله شىء مما زعم: فليس فيه أن إبراهيم كان وثنيا يعبد الأصنام. وليس فيه كلمة "حنيف" ولا "حنيفية". وليس فيه أن الله قد اختار إبراهيم بعد بلوغه التسعين من عمره، بل قبل ذلك بطويل زمن. والسفر المذكور ما زال بحمد الله موجودا فى العهد القديم، فليرجع إليه القارئ بنفسه ليرى مدى الكيد الدنس الذى يتعامل به ذلك المأفون مع خصمه المسلم المزعوم. ومن بجاحته وعراقته فى الكذب أنه يقوّل خصمه المسلم ما لم يقل، لكن الله قد أبى إلا أن يفضح مؤلفهما فجعله يناقض نفسه بنفسه ويكذّب نفسه بنفسه، فهو يقول مثلا للمسلم: "كان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه"، مع أن المسلم لم يقل شيئا من ذلك، أو بالأحرى: أن الذى كتب رسالة المسلم لم يقل على لسان المسلم شيئا من ذلك، لكن إرادة الله اقتضت فضحه وهتك الستر عن سوأته أمام أبصار الناس جميعا!
وفى ص 77 وما بعدها من كتاب "أعاجيب الأكاذيب" لمحمد جواد، وهو متاح على المشباك لمن يطلبه، يطالع القارئ خلاصة تحقيق ذلك العالم لتلك المسألة فى السطور التالية المخزية للكندى الكذاب الذى يجرى على سنة قومه فى الافتراء والتدليس والتزييف دون أن يطرف له جفن. يقول الأستاذ محمد جواد: "قال عبد الله الهاشمي في صحيفة 12 في ذكر إبراهيم النبي عليه السلام: "ملّة أبينا إبراهيم، فإنه كان حنيفًا مسلمًا"، وذكر في صحيفة 6 قول الله تعالى في سورة "آل عمران": "مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ"، فقال عبد المسيح، صحيفة 30، إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى. ثم قـال: فكان إبراهـيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهـل بلده، كما أقررت به أنت أيها الحنيف وشـهدت به، إلى أن تجلّى الله له. ثم قال: لأنّا نجد الحنيفيّة في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام. فليت شعري من أين ينسب عبادةَ الأصنام لإبراهيم، ولم يجئ لهذا ذكر في توراته ولا كُتُب وحيه؟! وأما قوله إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى، فإنه قد اشتمل على أكاذيب عديدة:
(1) إنّ توراتهم تكذّب قوله هذا، فإنها تذكر في أواخر الأصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أن إبراهيم كان ساكنًا في أرض ميلاده أور الكلدانيّين فيما بين النهرين وبقي فيها إلى أن تزوّج هو وأخوه الأصغر منه هاران، وولد لهاران ولده لوط، ثم خرج من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتى إلى حاران. فأين نزوله تسعين سنة مع آبائه في حاران؟ وأيضًا في الأصحاح الثاني عشر من التكوين، في العدد الرابع، أن إبراهيم لما خرج من حاران وأتى إلى أرض كنعان كان عمره خمسًا وسبعين سنة، فأين تكون التسعون سنة في حاران؟ وبمقتضى دلالة التوراة وتواريخهم أن إبراهيم لم يسكن في حاران إلاّ سنين قليلة، وتواريخهم المعلّقة على توارتهم تذكر أن خروجه من بلاده أرض الكلدانيّين كان سنة 1923 قبل المسيح، وخروجه من حاران كان سنة 1921 قبل المسيح، فيكون مكثه في حاران سنتين، فأين التسعون سنة؟!
(2) إن إبراهيم لم يكن له آباء وأجداد في حاران.
(3) إن عبد الله الهاشمي لم يعترف ولم يشهد بأن إبراهيم كان عابد وثن، وإنما ذكر من القرآن الكريم أنه "كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين"، فما هذه الأكاذيب المتتابعة؟
وأيضًا أين عبد المسيح عن مقدّسه كتاب العهد الجديد؟ فإنه يذكر في "أعمال الرسل"، في الأصحاح السابع في العدد الثاني، أنّ الله ظهر لإبراهيم وهو فيما بين النهرين قبلما سكن في حاران، وأمره بالخروج إلى الأرض التي يريه الله إيّاها وهي أرض كنعان، فخرج بأمر الله ووحيه. فإبراهيم دخل حاران وسكن فيها وهو نبيٌّ مُوحًى إليه، فأين تكون عبادته للأصنام في حاران؟ هَبْ أن في الكذب للكاذب شرفًا ودينًا، ولكن ما ذنب إبراهيم مع عبد المسيح، الشخصي أو النوعي، حتى يرمي قُدْسه بعبادة الأصنام، ويكذب عليه بهتانًا وزورًا؟ ومن الظرائف قول عبد المسيح: "لأنّا نجد "الحنيفيّة" في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام"! وياللعجب! هذه الكتب التي يزعم عبد المسيح وأصحابه أنها منزلة من الله بين أيدينا، ولْيَضُمّوا إليها أيضًا ما رفضته المجامع، وما رفضه البروتستنت من كتبهم، ويُرُونا أين يوجد فيها أن "الحنيفية" اسم لعبادة الأصنام؟ أفلا يعلمون أن في المسلمين من قرأ كتبهم حرفًا حرفًا؟ ولكن ماذا نقول؟
لا تنتهي الأنفسُ عن غيِّها* ما لم يكن منها لها زاجر
أيها القارئ، ما هو حالك في الدهشة والأسف عن الصدق والأمانة والشرف والاستقامة والدين؟ هب أن الناس يتسامحون في الكذب في الأمور الدنيوية ومعاملات المعيشة، ولكن الديانة المطلوب بها الهدى والصلاح والاستقامة كيف يُبْنَى أمرها على الكذب الصريح المتسلسل من رجال الدعوة إلى الدين، ومن الكتب المنسوبة إلى الوحي الإلهي؟ فأين الشرف والأمانة والصلاح؟! وأين الدين والتقوى؟! وما هذه الجرأة على قدس الرسل والأنبياء والصالحين؟ وما هذه الجرأة القبيحة على جلال الله وقدسه؟ وياللعجب المدهش من أناس يدعوننا بمثل ما ذكرناه من الكذب إلى مثل ما ذكرناه من الكذب والجرأة على جلال الله وقدسه! ويا للأسف! وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".
هذا ما قاله محمد جواد، ولكى يتابع معنا القارئ ما نقول أرى أن أضع بين يديه ما كتبه مؤلف سِفْر "التكوين" عن إبراهيم عليه السلام فيما يتعلق بتلك الفترة التى يشير إليها ذلك المدلّس، وهو موجود فى الإصحاحين الحادى عشر والثانى عشر: "27وَهذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَوَلَدَ هَارَانُ لُوطًا. 28وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ مِيلاَدِهِ فِي أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 29وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ. 30وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِرًا لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. 31وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. 32وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ. 1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». 4فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. 5فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ". وكما يرى القارئ ليس فى النص أى كلام عن عبادة إبراهيم للأوثان، وليس فيه لفظة "حنيف"، وليس فيه أن إبراهيم ظل فى حاران حتى بلغ التسعين من عمره، وليس فيه أن الله تجلى له وهو ابن تسعين عاما، بل الذى فيه أنه تجلى له وهو ابن خمسة وسبعين. ورغم ذلك يقول مؤلف "أعمال الرسل" (فى الإصحاح السابع منه) إن الله تجلى لإبراهيم قبل ذلك بكثير حين كان لا يزال فى أرض الكلدانيين، وهو ما ينقض ما قرأناه لتوّنا فى سفر "التكوين": "ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ 3وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 4فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا. 5وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا وَلاَ وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَلكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكًا لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ".
3- ويمضى الكذاب قائلا إنه "من نسل إسحق من سارة الحرة خرج المسيح مخلِّص العالم"، ولن أسوق فى الرد على ذلك الهراء ونقضه وتدميره إلا ما قاله الإنجيل المنسوب لمن اسمه متى فى أول فقرة من أول إصحاح منه، وهو يجرى على النحو التالى: "1كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ: 2إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. 3وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. 4وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. 5وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. 6وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. 7وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. 8وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. 9وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا. 10وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. 11وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. 12وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. 13وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. 14وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. 15وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. 16وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ. 17فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً". والآن أرجوك أن تنظر أيها القارئ الكريم إلى آخر سلسلة النسب هذه، ولسوف تلاحظ فى الحال أنه لا صلة البتة بين المسيح وإبراهيم، لأن السلسلة تنتهى، لا بمريم أم المسيح التى جاء منها المسيح، بل بيوسف النجار، الذى لا تربطه علاقة أبوة بالمسيح، اللهم إلا إذا قلنا كما يقول من يكفرون بالله وبالمسيح، ولسنا منهم، إن يوسف النجار هو أبوه، وهى فضيحة نكراء نعوذ بالله منها وممن يقولونها، ومنهم مؤلف إنجيل متى كما هو واضح للأسف. وتقول الأناجيل بكلام صريح مباشر إن يوسف هو أبوه فعلا، وقد جاء هذا الكلام على لسان أمه فيما جاء.
وهو ما يؤكده النص التالى المأخوذ من مطلع إنجيل توما "And a certain Jew when he saw what Jesus did, playing upon the Sabbath day, departed straightway and told his father Joseph: Lo, thy child is at the brook, and he hath taken clay and fashioned twelve little birds, and hath polluted the Sabbath day"، إذ يقول المؤلف إن أحد اليهود الغيارى على الشريعة الموسوية، حين رأى عيسى الصغير يصنع يومَ سبتٍ من الطين طيرًا، ذهب من فوره إلى "أبيه يوسف" وشكا له ما صنع ابنه من الاعتداء على حرمة اليوم المقدس. ومثله قول مؤلف ذلك الإنجيل فى موضع آخر إن عيسى ذهب ذات يوم لزراعة القمح مع "والده" فى حقلهم:"Again, in the time of sowing the young child went forth with his father to sow wheat in their land: and as his father sowed, the young child Jesus sowed also one corn of wheat"...، وغير ذلك من المواضع التى وُصِف فيها يوسف بأنه "أبوه". بل إننا لنقرأ أن يوسف، تعجُّبًا من المعجزات التى كان يعملها عيسى الصغير، قد دعا ربه شاكرا أنْ أعطاه غلاما مثله: " Happy am I for that God hath given me this young child". وفى "يسوع ابن الإنسان" لجبران خليل جبران كلام على لسان يوحنا بن زبدى أحد الحواريين مؤداه أن أباه رجل من البشر: "قد وُلِد يسوع الناصرى ونشأ مثلنا، وكان أبوه وأمه كوالدينا، وكان هو إنسانا مثلنا" (المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران المعرّبة عن الإنجليزية/ دار صادر- دار بيروت/ بيروت/ 1964م/ 236). ولا ننس أيضا أن سلسلة النسب الآنفة تذكر أن عيسى هو ابن داود، ومعروف من هو داود فى العهد القديم! إنه الزانى القتال المجرم الأثيم، المنتسب إلى يهوذا ولوط الزانيين بمحارمهما: الأول بزوجة ابنه، والثانى ببنتيه اللتين حبلتا منه، أستغفر الله وأستلعنه على من كتب هذا الكفر المبين المبير!
وها هى ذى نصوص من العهد الجديد تقول بصريح كلام لا لبس فيه إن عيسى هو ابن يوسف. ونبدأ بما جاء فى لوقا فى الإصحاح الثالث: "23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي، 24بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، بْنِ مَلْكِي، بْنِ يَنَّا، بْنِ يُوسُفَ، 25بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ، بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي، بْنِ نَجَّايِ، 26بْنِ مَآثَ، بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يَهُوذَا، 27بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي، 28بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، 29بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، 30بْنِ شِمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، 31بْنِ مَلَيَا، بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ، 32بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ، بْنِ بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ، بْنِ نَحْشُونَ، 33بْنِ عَمِّينَادَابَ، بْنِ أَرَامَ، بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ، بْنِ يَهُوذَا، 34بْنِ يَعْقُوبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، 35بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، 36بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ، بْنِ لاَمَكَ، 37بْنِ مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ، بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ، 38بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ الله". ثم نثنّى بما جاء فى الإصحاح الرابع منه: "22وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟»". ثم نثلّث بما قاله مَنء يقولون إنه يوحنا فى الإصحاح الأول من الإنجيل المنسوب له: "43فِي الْغَدِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ:«اتْبَعْنِي». 44وَكَانَ فِيلُبُّسُ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ. 45فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ:«وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ». 46فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ:«أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ:«تَعَالَ وَانْظُرْ»". ثم نربّع بما كتبه مؤلف إنجيل يوحنا فى الإصحاح السادس منه: "41فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ:«أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». 42وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟» 43فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. 44لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (ولنلاحظ أنه عليه السلام لم ينكر عليهم نسبتهم إياه إلى يوسف النجار!). ثم نخمّس الآن بما ورد فى الإصحاح الثانى مما يسمى: إنجيل لوقا: "25وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. 26وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. 27فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، 28أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: 29«الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، 30لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، 31الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. 32نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ»" (ولنلاحظ هنا أيضا وصف سمعان ليسوع بأنه عبد الله لا ابنه سبحانه). ثم نسدّس بهذا النص من نفس الإصحاح حيث تؤكد مريم لابنها أن أباه هو يوسف: "41وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. 42وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ. 43وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. 44وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. 45وَلَمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ. 46وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. 47وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. 48فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:«يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!»". وبطبيعة الحال فنحن المسلمين لا نقول بهذا، بل نؤمن أنه وُلِد دون أب من البشر، لكن هذا لا يجعل منه عليه الصلاة والسلام ابنا لله، إنما هو عبد من عباده سبحانه (كما جاء على لسان سمعان الكاهن)، ونبى من أنبيائه.
4- وفى محاولة من كذابنا الكندى لإثبات صدق التثليث نراه يقول، فى تفسير الكلام التالى الذى كتبه مؤلف سفر "الخروج" فى الإصحاح الثالث منه: "13فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» 14فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ».15وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ"، إن الله هنا قد "جدَّد ذكر التوحيد وأَلْغز عن سرّ الثالوث حيث قال: إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، فكرر بذلك القول ذكر الثلاثة الأقانيم بعد ذكر التوحيد كما كان قديمًا، فهو واحد ذو ثلاثة أقانيم لا محالة، لأنه أجمل في قوله: "إله آبائكم"، ثم قال مكررًا اسم الجلالة ثلاث مرات. فإن قلنا إنها ثلاثة آلهة أشركنا، وإن قلنا إله واحد مكررًا ثلاث مرات نكون قد دفعنا للكتاب حقه، لأنه قد كان يمكنه أن يقول: إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب". يقصد البكاش صاحب الثلاث ورقات أنه قال أولا: "إله آبائكم"، وهذا توحيد لأنه ذكر كلمة "إله" مرة واحدة، ثم عاد فقال: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" مكرِّرًا كلمة "إله" هنا ثلاث مرات. ولو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" دون تكرير كلمة "إله" فى كل مرة مع اسم كل نبى من الأنبياء الثلاثة. ولاحظ أولا قوله إن الله قد "ألغز عن سر الثالوث"، وكأن الله طارح ألغاز، وكأننا فى سمرٍ شتوى أمام موقد نتدفّأ ونتحاكى الحواديت والفوازير تقصيرا لليل الشتاء الطويل! كذلك من المضحك لجوؤه إلى الزعم بأن عبارة "إله آبائكم" توحيد، على حين أن عبارة "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" تعديد، رغم أن هذه هى تلك، وأن أحمد هو الحاج أحمد بقضه وقضيضه لا يزيد ولا ينقص. وإلا فلو قلت عن نفسى مثلا إننى أستاذ محمد، وأستاذ سيد، وأستاذ نبيل، أأكون حينئذ ثلاثة أساتذة أو ثلاثة أقانيم فى أستاذ؟ فماذا لو قلت إننى أستاذ فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان... حتى بلغت بالعدد عدة ألوف كما ينبغى أن أقول عن نفسى لأن تلاميذى يعدون فعلا بالألوف، أأكون فى هذه الحالة آلاف الأساتيذ معا أو آلاف الأقانيم فى أستاذ؟ إن هذا الغبى لا يفقه شيئا فى أساليب اللغة، فإن قولنا: "إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" هو نفسه قولنا: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب" لا يزيد ولا ينقص، اللهم إلا أن فى التكرار شيئا من التأكيد، كما أن فى تكرار "لا" فى قولنا مثلا: "لا أحب البطاطس ولا القلقاس" تأكيدا للنفى لا وجود له فى قولنا: "لا أحب البطاطس والقلقاس"، وكما فى تكرار أية عبارة أخرى لتثبيتها فى الذهن أو للتنبيه إلى أهميتها أو خطورتها مثل قول الواحد منا: "أنا أكره الثرثرة. قلت لك: إنى أكره الثرثرة. ألا تفهم؟ أنا أكره الثرثرة. بالله عليك كُفّ عن اللت والعجن، فأنا أكره الثرثرة"، ومثل قول عبد الحليم حافظ: "أَحبِّكْ، أَحبِّكْ، أَحِبِّكْ يا حياة قلبى"، وقول عايدة الشاعر: "أنا أحبَّك، أنا انا احبَّكْ" عدة مرات وترديد الفتيات وراءها هذه الجملة فى كل مرة، وإلا فهل كل من العندليب الأسمر ومطربة الأفراح أقانيم متعددة؟ فهذا كل ما هنالك. أما قول مجادلنا الصغير العقل إن الله لو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" فالرد عليه هو أنه قالها يا كذاب يا مداور فى الآية التى بعد ذلك مباشرة حيث نقرأ ما نصه: "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، وقالها أيضا فى الإصحاح الثالث من سفر "الخروج": "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، إذ لم يقل: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب"، بل قال: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، دون أن يكرر كلمة "إله"! فما القول فى ذلك؟ كذلك أرجو من القارئ العزيز أن يتنبه إلى أن كلمة "إله" فى الكتاب المقدس يمكن أن تُطْلَق على البشر أيضا (حاجة ببلاش كده!)، فالله سبحانه وتعالى يقول لموسى عليه السلام فى أول آية من الإصحاح السابع من سفر "الخروج": "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ"، وهو ما يدل على أن الكتاب المقدس لا ينبغى أن يؤخذ بكل تلك الجديّة.
ثم إن معنى كلامه هو أن إله إبراهيم كان هو الآب، على حين أن إله إسحاق كان هو الابن، وإله يعقوب هو الروح القدس مثلا. فمن هو يا ترى إله موسى؟ ومن هو إله داود؟ ومن إله سليمان؟ ومن إله زكريا؟ بل من إله كل نبى من الأنبياء؟ ترى أهو إلهٌ قطّاعىّ؟ ولماذا لم يقل يهوه ذلك بوضوح مباشر بدلا من هذا اللف والدوران الذى يليق ببهلوان فى سيرك لا بإله؟ وإذا كان قد فاته هذا هنا فلماذا لم يستدركه بعد ذلك؟ بل لماذا لم يقله منذ آدم وانتظر إلى زمن موسى؟ بل على الأقل لماذا لم يقله منذ إبراهيم المنسوب له هذا الكلام وانتظر حتى كليم الله؟ ولماذا لم يقله موسى إذن بوضوح إذا كان يقصد هذا؟ بل لماذا لم يبشّر موسى بعيسى نفسه؟ ولماذا لم يقل إبراهيم بصريح العبارة إن الله ثالوث فيريح ويستريح؟ إن المسيح ذاته لم يقلها، فكيف نصدق بما يقوله كاتب الرسالة المدلس؟ وبالمناسبة فقد جاء فى النص السابق أن الله سوف يُدْعَى إلى الأبد: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ"، ثم نراه عقب ذلك يقول إن اسمه "يَهْوَه"، وهو ما يربك العقل، إذ لا يعرف الإنسان أى من الاسمين هو المقصود، وإن كان التاريخ قد أثبت أن هذا وذاك كلام فى الهواء، لأنه ما إن جاء المسيح حتى لم يعد أحد يسميه بهذا الاسم أو ذاك، إذ يقول النصارى إنه هو الآب، ثم جاء محمد فقال وقلنا معه إنه هو "الله"! أما قول صاحبنا المداور المفتئت على الحق: "فأي دليل أوضح من هذا إلا لمن عاند الحق الذي أودعه في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وهي في أيدي أصحاب التوراة؟ إلى هذا الوقت لم يكونوا يفهمونه حتى جاء صاحب السرّ الذي هو المسيح سيدنا وكشفه لنا"، فليس له من معنى إلا أن كل الأنبياء قبل عيسى عاشوا وماتوا دون أن يعرفوا أن الله ثلاثة أقانيم، أى ماتوا جهلاء بالدين الحق! بل إن عيسى نفسه لم يتطرق إلى أى ذكر للتثليث! وأيا ما يكن الأمر فماذا نحن قائلون فى كلام يعقوب التالى، وهو موجود فى الإصاح الثانى والثلاثين من ذات السفر: "9وَقَالَ يَعْقُوبُ: «يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ، الرَّبَّ الَّذِي قَالَ لِيَ: ارْجعْ إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى عَشِيرَتِكَ فَأُحْسِنَ إِلَيْكَ. 10صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ. 11نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ. 12وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْكَ وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ لِلْكَثْرَةِ»" حيث قال" إله إبراهيم، وإله إسحاق" فقط، أى أنه كرر كلمة "إله" مرتين لا ثلاثا؟ ترى هل ينبغى أن نفهم من هذا أن الله ثَانُوءٌ لا ثالوث؟ ألا يرى القارئ أننا أمام أمرٍ كلّه هزلٌ لا جِدّ فيه؟
وفى دفاعه عن التثليث يسأل الكندى خصمه وصديقه المسلم قائلا: "ألا تعلم أن الواحد لا يُقال له واحدًا إلا على ثلاثة أوجه: إما في الجنس، وإما في النوع، وإما في العدد. ولستُ أرى أحدًا يدَّعي غير هذا، أو يقدر أن يجد غير هذه الأوجه الثلاثة. فإن قلت إنه واحد في الجنس صار واحدًا عامًّا لأنواع شتى، لأن حكم الواحد في الجنس هو الذي يضمّ أنواعًا كثيرة مختلفة، وذلك مما لا يجوز في الله. وإن قلت إنه واحد في النوع صار ذلك نوعًا عامًّا لأقانيمَ شتَّى، لأن حكم النوع يضم أقانيمَ كثيرةً في العدد. وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضًا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تُفضِّل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضًا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمَّ جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد، وهذا نقضٌ لكلامك. فإن قلت إنه واحد في النوع، فللنوع ذواتٌ شتَّى لا واحدٌ فرد. وإن قلت إنه واحد في الجوهر، نسألك: هل تخالف صفةُ الواحد في النوع عندك صفةَ الواحد في العدد؟ أو هل تعني واحدٌ في النوع واحدًا في العدد لأنه عام؟ فإن قلت: قد تخالف هذه تلك، قلنا لك: حدّ الواحد في النوع عند أهل الحكمة اسم يعمّ أفرادًا شتَّى، وواحد الواحد ما لا يعمّ غير نفسه. فهل تقرّ أن الله واحد في الجوهر يعم أشخاصًا شتى، أو هل هو شخص واحد؟ وإن كان معنى قولك إنه واحد في النوع واحد في العدد، فإنك لم تعرِّف الواحد في النوع ما هو وكيف هو، ورجعت إلى كلامك الأول أنه واحد في العدد، وهذه صفة المخلوقين. وإن قلتَ: هل تقدر أنت أن تصف الله واحدًا في العدد إذا كان كزعمك الواحد في العدد بعضًا وليس بكامل؟ قلنا لك: إننا نصفه واحدًا كاملاً في الجوهر مثلّثًا في العدد، أي في الأقانيم الثلاثة، فقد كملت صفته من الوجهين جميعًا. أما وصفنا إياه واحدًا في الجوهر فلأنه أعلى من جميع خَلْقه، لا يشبهه شيء منها ولا يختلط في غيره، بسيط غير كثيف وروحاني غير جسماني، أب على كل شيء بقوة جوهره من غير امتزاج ولا اختلاط ولا تركيب. وأما في العدد فلأنه عام لجميع أنواع العدد لأن العدد لا يُعَدّ، وإن تكن أنواعه نوعين زوجًا وفردًا، فقد دخل هذان النوعان في هذه الثلاثة. فبأي الأنحاء وصفناه لم نعدل عن صفة الكمال شيئًا كما يليق به. فوَصْفنا الله واحدًا ليس على ما وصفته أنت. وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعًا لك وللناظر في كتابنا هذا، إذا نظر بعين الإنصاف".
ونحن بدورنا نقول فى الرد على ذلك إن هذه سفسطة سخيفة لا طائل من ورائها، وهيهات أن تفتح لصاحبها مسربا يهرب منه كالثعالب. ذلك أنه لا معنى لقوله إن الواحد قد يقال له: "واحد فى الجنس أو فى النوع"، لأن هذا تحصيل حاصل، إذ الجنس بطبيعته لا يمكن أن يكون اثنين، وإلا ما كان جنسا. وبهذا يتجلى للقارئ ما فى كلام البكاش من سفسطة. وبالنسبة للنوع هناك رتب كثيرة تندرج تحته، وتحت الرتب تندرج أفراد لا حصر لهم. وكل رتبةٍ وكل فردٍ هو كيان مستقل لا علاقة لها أو له بما يسمونه: الأقانيم، أما البكاش فيدوس كل منطق ويقول رغم ذلك إنها أقانيم. وهذه أول مرة نسمع فيها هذا، وهو بفعلته تلك يريد أن يخترع مصطلحات جديدة لمنطق جديد، وهذا المنطق الذى يريد اختراعه هو السفسطة بعينها، والغاية منه هو إيهام القراء بأن حكاية الأقانيم أمر منطقى، ولكن هيهات. وبطبيعة الحال فإن واحدية الله ليست واحدية جنس ولا نوع لأنه ليس جنسا ولا نوعا، وإلا كان هناك أنواع تحت الجنس الإلهى متعددة، وأفراد تحت نوعه متعددة أيضا، والله غير متعدد. ويبقى كلامه عن "الواحد فى العدد" ومحاولته الإجلاب على التوحيد الإسلامى بقوله: "وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضًا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تُفضِّل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضًا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمَّ جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد. وهذا نقضٌ لكلامك". وتفنيد ذلك من أيسر ما يمكن، إذ إن الله سبحانه مطلق لا يُحَدّ ولا ينقسم ولا يتكرر، بخلاف المخلوقات، فإنها تُحَدّ وتنقسم وتتكرر. ومن ثم فقولنا إن الله واحد يختلف اختلافا تاما عن قول الواحد منا عن نفسه إنه واحد، لأن قولنا: الله واحد" معناه أنه لا جنس له يشمل أنواعا متعددة متشابهة، ولا نوع له يشمل أفرادا متعددين متشابهين، بخلاف قولنا إن فلانا واحد، فهو يدل على أنه واحد من آحاد كثيرة متشابهة. وهذا جَلِىٌّ بين، إلا أن صاحبنا يسفسط فى سياق لا يحتمل من السفسطة كثيرا ولا قليلا. إن الله فى الإسلام واحد أحد لأنه، حسبما شرحت الآن، لا يمكن أن يكون هناك شبيه له لا فى قوته المطلقة ولا فى إرادته المطلقة ولا فى علمه المطلق ولا فى وجوده المطلق الذى لا يحده حد ولا بداية له ولا نهاية... إلخ، ومن ثم فهو ليس واحدا فى سلسلة من الآحاد. أى أنه واحد ليس له ثان ولا ثالث ولا رابع ولا خامس...، فضلا عن أن يتجسد فيحتويه المكان والزمان ويخضع للقوانين والضرورات، شأنه شأن كل من يعيش داخل نطاق الزمان والمكان. تعالى الله عن ذلك، فهو سبحانه وتعالى خالق المكان والزمان والقوانين والضرورات، فكيف يمكن أن يخضع لشىء منها؟ أما ما يقوله صاحبنا البكاش فكلام ماسخ لا طعم له! وفى النهاية نسوق هذه الفقرة التى كتبها مؤلفو "دائرة المعارف الكتابية"، وهم مجموعة من كبار رجال اللاهوت النصارى فى مصر، فى مادة "وجد" : "الوجود فى كل مكان أمر مقصور على الله وحده، وهو يعنى أن الله لا يقيده أو يحده مكان أو زمان، إذ هو دائم الوجود فى كل مكان ( مز 139: 7- 10، إرميا 23: 23 و24، أع 17: 27، عب 1: 3... إلخ ). فمن اللازم أن نتجنب، فيما يتعلق بالله، المفاهيم المادية لوجوده حتى لا تختلط الأمور. فالله روح، ووجوده غير المحدود يجب النظر إليه بالمعنى الديناميكى، وليس بالمعنى المادى ، فهو متميز عن كل خليقته، بينما تحيط قوته وحكمته وصلاحه وجوده بكل الخليقة، فهو "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3)، وهو الذى "به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28)، وفى جلاله وعظمته الإلهية هو "أبونا الذى فى السماء" (مت 6: 9)". يعنى: لا تجسيد ولا دياولو! أما أن الله روح أو أى شىء آخر فهذا ما لا نقول فيه إلا أنه "ليس كمثله شىء"، وإلا فإذا كان الله روحا كما يقول كتاب المادة اعتمادا على ما جاء فى إنجيل يوحنا (4/ 24)، فماذا نقول فى "روح الله" الواردة فى تكوين/ 1/2، و41/ 38، وخروج/ 31/ 3، و31/ 35، وعدد/ 21/ 2، وصموئيل 1/ 10/ 10، و11/ 6... ، ومتى/ 3/ 16، و12/ 26 مثلا؟ أنقول إنها "روح الروح"؟ أرأيت كيف أن بعض الناس لا يتنبهون إلى مرامى ما يقولون؟
وعلى ذات الشاكلة من السفسطة يستمر فى مزاعمه مخاطبا الهاشمى المزعوم بقوله: "وأما قولك إنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولم يكن له كفؤًا أحد، فإن أنت أنصفتنا أقررتَ لي بأن الذي وصفه بذلك هو الذي شنَّع عليه. وأما نحن فلا نقول إن لله صاحبة، ولا إنه اتخذ ولدًا ولا إنه كان له كفؤًا أحد". ومن الواضح أن الرجل قد فقد عقله! ألا يقولون إن عيسى هو ابن الله؟ ألا ينسبون لله القول بأنه هو ابنه الوحيد؟ ألا يقولون عن مريم إنها أم الإله؟ ألا يؤلهها بعض النصارى؟ ألا يقولون بالآب والابن والروح القدس؟ ثم إن الكاتب نفسه قبل قليل قد أشار إلى عبارة "إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" ومغزاها. سيقول إن المقصود هو أنها ثلاثة أقانيم لا آلهة، لكنه هو وأهل ملته يتحدثون عن كل منها على أنه ذات مستقلة، وهذا من الوضوح بمكان، فهل الأقانيم ينفصل بعضها عن بعض ويستقل كل منها بوجود متمايز، ويكون أحدها فى السماء، والثانى على الأرض، والثالث ذاهب آيب ما بين السماء والأرض؟ هل يمكن أن يتجه أحد الأقانيم إلى أقنوم آخر فيقول له: أنت أبى أو إلهى ويسجد له ويبتهل ويصرخ طالبا العون، ويؤكد للناس من حوله أنه سوف يعود إليه بعد مماته، وأنه سوف يجلس عن يمينه يوم القيامة ويحاسب الناس معه ويشرب الخمر عنده كما كان عيسى عليه السلام يفعل حسبما كتب مؤلفو الأناجيل؟ وهذا يعنى أنه حتى بعدما يعود الابن إلى أبيه ويجلس عن يمينه سوف يتصرف تصرفات مستقلة لا يتصرفها الآب. الحق أنه ليس أمامنا إن أردنا أن نقبل هذا الذى يقوله ذلك البكاش إلا أن نخلع عقولنا ونرميها فى أقرب مقلب للقمامة! ولكن هيهات!
ومن سفسطته أيضا الجملة التالية التى ينقض ذيلها رأسها، وهى فى الحديث عن الله وصفاته: "فأما صفات ذاته فجوهر ذو كلمة وروح أزلي لم يزل متعاليًا مرتفعًا عن جميع النعوت والأوصاف". ذلك أنه فى الوقت الذى يقر فى بداية الجملة بأن لله تعالى صفات، يعود فى نهايتها فينفى أن تكون له أية صفات، ليعود كرة ثانية عقب ذلك فيتحدث عن صفات الله ويذكر له منها عددا غير قليل: "ونعلم أن الصفات في الله صفتان مختلفتان: صفة طبيعية ذاتية لم يزل متَّصِفًا بها، وصفة اكتسبها هي صفة فعله. فأما الصفات التي اكتسبها من أجل فعله فمثل رحيم وغفور ورؤوف. وأما الصفات المنزلة التي هي الطبيعية الذاتية التي لم يزل جل وعز متَّصِفًا بها فهي الحياة والعلم، فإن الله لم يزل حيًّا عالمًا. فالحياة والعلم إذًا أزليان لا محالة". وسبحان مثبّت العقل والدين! ومُضِيًّا مع السفسطة الماسخة يحاول أن يقنعنا بصحة النتيجة التالية: "فقد صحَّت نتيجة هذه المقدمات أن الله واحد ذو كلمة، وروح في ثلاثة أقانيم قائمة بذاتها يعمّها جوهر اللاهوت الواحد. فهذه هي صفة الواحد المثلث الأقانيم الذي نعبده، وهذه الصفة التي ارتضاها لنفسه ودلّنا على سرِّها في كتبه المنزلة على ألسنة أنبيائه ورسله. فأوَّل ذلك ما ناجى به موسى كليمه، حيث أعلمه كيف خلق آدم، فقال في السِّفْر الأول من كتاب التوراة: في البدء خلق الله (وفي العبرية: الآلهة بصيغة الجمع) السموات والأرض (تكوين 1:1). فبهذا يشير الكتاب المقدس إلى تثليث الأقانيم الإلهية الثلاثة، وبقوله "خَلَق" بضمير المفرد يشير إلى وحدة الطبيعة والجوهر الذي هو للأقانيم الإلهية الثلاثة. وقال أيضًا في هذا السِّفْر إن الله قال عند خلقه آدم: نَعْمَلُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا (تكوين 1:26)، ولم يقل: أعمل على صورتي وشبهي. وقال في هذا السِّفْر عندما أخطأ آدم: هُوَذَا الإنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ والشَّرَّ (تكوين 3:22)، ولم يقل: مثلي. وقال عزَّ وجل في هذا السفر: هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ (تكوين 11:7)، وذلك لما اجتمعوا ليَبْنوا صرحًا يكون رأسه في السماء، ففرَّق الله ضعف رأيهم وقلة عقولهم في ما فكروا فيه. ولم يقل: أَنْزِل أُبَلْبِل". ووجه السفسطة هنا هو أنه يقر بأن النص العبرى يقول: "آلهة" لا "إله" واحد، أى أننا إزاء شرك سافر، لأن الآلهة شىء، والأقانيم شىء آخر. أما استعمال ضمير الجمع فى حديث المتكلم عن نفسه فليس دليلا على التعدد، وإلا فكل رئيس أو ملك أو سلطان دائما ما يفعل ذلك، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ثلاثة ملوك أو ثلاثة رؤساء أو ثلاثة سلاطين، اللهم إلا إذا كان البعيد غبيًّا فَدْمًا أو سوفسطائيا معوج العقل والضمير! أما فيما عدا هذا فكلا ثم كلا! والعجيب أنه يعود فيقر بأن البشر أيضا يستعملون ضمير الجمع فى الحديث عن أنفسهم، لكنه يسارع إلى السفسطة كعادته الرذيلة قائلا: "فإن قلتَ: نعم قد أجازته (أى اللغات البشرية) حيث يقول الرجل الواحد منهم: أَمَرْنا وأَرْسَلْنا وقلنا ولَقِينا وما أشبه ذلك، نقول لك إن ذلك صحيح جائز في المؤلَّف من أشياء مختلفة والمركَّب من أعضاء غير متشابهة، لأن الإنسان واحد كثيرة أجزاؤه، فأول أجزاءٍ من الإنسان النفس والجسد، والجسد مبني من أجزاء كثيرة وأعضاء شتى. فلذلك جاز له أن ينطق بما وصفتَ من: قلنا وأَمَرْنا وأوحينا، إذ هو عدد واحد كما ذكرت. فإن قلت إن ذلك تعظيمٌ لله أن يقول: أرسلنا وأمرنا وأوحينا، قلنا لك: لو لم يقل ذلك من ليس بمستحقٍّ للتعظيم لجاز قولك". وطبعا لا أظن أن هناك من يرافئه على هذا التنطع، وإلا لم يجز لأى بشرى إلا أن يقول دائما: "نحن فعلنا ونمنا وأكلنا وشربنا وسفسطنا"، لأن البشر دائما وأبدا متركبون من أجزاء. أم تراهم يكونون فى بعض الأحيان متركبين من أجزاء، وفى أحيان أخرى كتلة واحدة لا تقبل انقساما، وأنهم لا يستعملون ضمير الجمع إلا حين يكونون متركبين من أجزاء، فإن أصبحوا كتلة واحدة لا تقبل الانقسام عادوا فقال الواحد منهم: "أنا أكلت وشربت ونمت وسفسطت"؟ لكننا نعلم أنه لا أحد منهم يستخدم ضمير الجمع منهم إلا الملوك والرؤساء والسلاطين، كما أن أولئك الملوك والسلاطين والرؤساء لا يفعلون ذلك فى كلامهم مع آبائهم وزوجاتهم وأولادهم وعشيقاتهم مثلا. أم ترى علينا أن نقول إنهم حين يكونون مع الرعية يكونون متركبين من أجزاء، لكن سرعان ما تلتئم هذه الأجزاء وتضحى كتلة واحدة لا تقبل الانقسام حين يخلون إلى أُسَرهم وعشيقاتهم؟ ألا ما أقبح العقول الزنخة!
ويستمر صاحبنا فى السفسطة السخيفة والجدال السمج قائلا: "ولكن الله سبحانه يعلّمنا أنه واحد ذو ثلاثة أقانيم، قد نطق بالصيغتين من "أمرْتُ وأمرْنا، وخلقْتُ وخلقْنا، وأوحيْتُ وأوحيْنا": فإن الأولى دليل على الوحدانية، والثانية على تعدد الأقانيم. وبيان ذلك قول موسى النبي في التوراة ما معناه أن الله تراءى لإبراهيم وهو في بلوطات مورا جالسًا على باب خبائه في وقت حرّ النهار، فرأى ثلاثة رجالٍ وقوفًا بإزائه، فاستقبلهم قائلاً: يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ (تكوين 18:2، 3). ألا ترى أن المنظور إليه من إبراهيم ثلاثة، ولكن الخطاب لشخص واحد؟ فسمّاهم ربًّا واحدًا، وتضرع إليه سائلاً طالبًا أن ينزل عنده. فاعتباره الثلاثة سرّ الأقانيم الثلاثة، وتسميته إياهم ربًّا واحدًا لا أربابًا سرّ لجوهرٍ واحدٍ، فهي ثلاثة بحق، وواحد بحق كما وصفنا". وتسفيه ذلك هو التنبيه إلى أنه فى الإصحاح 12 من التكوين مثلا ليس هناك فى الحديث عن إبراهيم إلا كلام عن رب واحد: "6وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. 7وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ». فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. 8ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيل وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ". ثم إنه إذا كان هؤلاء الثلاثة هم الله، فهل الله رجال؟ وهل الله يأكل ويشرب ويستريح؟
ومع ذلك فإنى أرجو من القارئ الكريم أن يقرأ القصة كلها لا القطعة التى اقتطعها المأفون منها، ولسوف يفاجأ بأن الأمر كله عراك فى غير معترك، وأن الرجال الثلاثة ليسوا هم الله، إذ سوف ينصرف الثلاثة بعد قليل من المكان، ويبقى إبراهيم رغم هذا واقفا قبالة ربه يحدثه ويرد عليه فى حوار طويل فيه رجاء من جانب إبراهيم أن يسامح الله قوم لوط، وإصرار من جانب الله على عقاب قوم لوط. أى أن الرجال الثلاثة شىء، والله شىء آخر، ولا صلة بين الاثنين حسبما يهرف به كِنْدِيّنا. ولنقرأ: "1وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، 2فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ، 3وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. 4لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، 5فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ». فَقَالُوا: «هكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ». 6فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ، وَقَالَ: «أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقًا سَمِيذًا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ». 7ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلاً رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ. 8ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَكَلُوا. 9وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ سَارَةُ امْرَأَتُكَ؟» فَقَالَ: «هَا هِيَ فِي الْخَيْمَةِ». 10فَقَالَ: «إِنِّي أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ». وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ. 11وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الأَيَّامِ، وَقَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ. 12فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: «أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ؟» 13فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ 14هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي الْمِيعَادِ أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ». 15فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: «لَمْ أَضْحَكْ». لأَنَّهَا خَافَتْ. فَقَالَ: «لاَ! بَلْ ضَحِكْتِ».16ثُمَّ قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِيًا مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ. 17فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، 18وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟ 19لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ». 20وَقَالَ الرَّبُّ: «إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. 21أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ». 22وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ. 23فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ 24عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ 25حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟» 26فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ». 27فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. 28رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟» فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ». 29فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ». 30فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ». 31فَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ». 32فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ». 33وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ". واضح تمام الوضوح، اللهم إلا لمن انطسّ فى نظره وكان "أغلف" بالمعنيين جميعا: أغلف القلب وأغلف شىء آخر، أن الرجال قد انصرفوا وبقى الله مع إبراهيم يتحدثان ويتجادلان، إلى أن جاء الوقت الذى انصرف فيه المولى سبحانه بدوره. فهناك إذن انصرافان: الأول انصراف الرجال الثلاثة، والثانى انصراف الله. أى أن الرجال الثلاثة ليسوا هم الله. واضح هذا أم نقول من جديد؟
وطبعا نحن المسلمين لا نؤمن بتجسد الله ولا برؤية العباد له فى الدنيا ولا يمجيئه وانصرافه كأنه شخص من الأشخاص، لكننى آخذ هذا الوغد على راحته حتى أُفْحِمه على أساس من اعتقاداته هو وأُلْزِمه الحُجّة بالمنطق الذى يتفاخر به ويطنطن فى الآفاق. ومع ذلك لم تنته المسرحية بعد، إذ نقرأ فى الإصحاح الذى بعد هذا الإصحاح مباشرة ما يلى: "1فَجَاءَ الْمَلاَكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً، وَكَانَ لُوطٌ جَالِسًا فِي بَابِ سَدُومَ. فَلَمَّا رَآهُمَا لُوطٌ قَامَ لاسْتِقْبَالِهِمَا، وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ. 2وَقَالَ: «يَا سَيِّدَيَّ، مِيلاَ إِلَى بَيْتِ عَبْدِكُمَا وَبِيتَا وَاغْسِلاَ أَرْجُلَكُمَا، ثُمَّ تُبَكِّرَانِ وَتَذْهَبَانِ فِي طَرِيقِكُمَا». فَقَالاَ: «لاَ، بَلْ فِي السَّاحَةِ نَبِيتُ». 3فَأَلَحَّ عَلَيْهِمَا جِدًّا، فَمَالاَ إِلَيْهِ وَدَخَلاَ بَيْتَهُ، فَصَنَعَ لَهُمَا ضِيَافَةً وَخَبَزَ فَطِيرًا فَأَكَلاَ. 4وَقَبْلَمَا اضْطَجَعَا أَحَاطَ بِالْبَيْتِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ، رِجَالُ سَدُومَ، مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الشَّيْخِ، كُلُّ الشَّعْبِ مِنْ أَقْصَاهَا. 5فَنَادَوْا لُوطًا وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ الرَّجُلاَنِ اللَّذَانِ دَخَلاَ إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ؟ أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنَعْرِفَهُمَا». 6فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ لُوطٌ إِلَى الْبَابِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَرَاءَهُ 7وَقَالَ: «لاَ تَفْعَلُوا شَرًّا يَا إِخْوَتِي. 8هُوَذَا لِي ابْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلاً. أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا بِهِمَا كَمَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِكُمْ. وَأَمَّا هذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ تَفْعَلُوا بِهِمَا شَيْئًا، لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي». 9فَقَالُوا: «ابْعُدْ إِلَى هُنَاكَ». ثُمَّ قَالُوا: «جَاءَ هذَا الإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ، وَهُوَ يَحْكُمُ حُكْمًا. الآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرًّا أَكْثَرَ مِنْهُمَا». فَأَلَحُّوا عَلَى الْرَّجُلِ لُوطٍ جِدًّا وَتَقَدَّمُوا لِيُكَسِّرُوا الْبَابَ، 10فَمَدَّ الرَّجُلاَنِ أَيْدِيَهُمَا وَأَدْخَلاَ لُوطًا إِلَيْهِمَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَغْلَقَا الْبَابَ. 11وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَضَرَبَاهُمْ بِالْعَمَى، مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، فَعَجِزُوا عَنْ أَنْ يَجِدُوا الْبَابَ... إلى آخر القصة". فما الذى نفهمه من هذا؟ ألا نفهم أن الرجال كانوا ملائكة؟ لكن أين ذهب الثالث؟ طبعا أكلته القطة! والعجيب أن مؤلف السفر بعد أن نص بصريح القول على أنهما ملاكان اثنان لا ملاك واحد عاد فجعل لوط يقول لهما: "يا سيد" بصيغة المفرد. واللافت للنظر أنهما هما أيضا يأكلان كما فعل الثلاثة فى قصة إبراهيم، وهذه أول مرة نعلم فيها أن الملائكة تأكل وتشرب مثلنا! ولم لا، والرحلة من السماء إلى الأرض تقاس بالسنوات الضوئية كما نعرف، فهى رحلة شديدة الإرهاق، الله يكون فى عونهم، وبخاصة فى تلك الأيام التى لم يكن فيها سفن فضاء تحملها صواريخ، بل عربات كارو يجرها زوج من الخيول الهلكانة من ذلك النوع الذى فى أغنية "الجُوز الخِيل. تِنْ تِنْ تِنْ، والعربية. أنغامهم كلها حِنِّيَّة". أما فى القرآن فإنهم لم يمدوا يدا إلى الطعام: لا هنا ولا عند إبراهيم. واضح أن المسألة كلها كما يرويها الكتاب المقدس مسألة بزرميط لا يعتمد عليها!
إن التفسير المنطقى للأشياء هو أن كلا من إبراهيم ولوط كانا يتحدثان مع الملائكة الذين يريد كاتب السفر أن يقول لنا إنهم كانوا يمثلون الله فينطقون عنه ما يريد إبلاغه إليهما عليهما السلام، وإنْ كان الكاتب قد أفسد الأمر بإضافات لم تكن فى الأصل فأربك كل شىء. وتتضح منطقية هذا التفسير إذا قرأنا الإصحاح الثانى والعشرين من السفر ذاته مثلا، ففيه نجد أن الله نفسه ينادى إبراهيم قائلا له كذا وكذا: "1وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 2فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ»، ، لنفاجأ بعد قليل أن الكاتب ينص على أن الملاك قال لإبراهيم كلاما، لكن بطريقة توحى أن الله هو الذى يتكلم فعلا لا أن الملاك ينقل ما قال: "15وَنَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ 16وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، 17أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، 18وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي»". واضح أم نقول من جديد؟ ومن النصوص التى ذُكِر فيها الرب على أنه إلهُ اثنين فقط لا ثلاثةٍ النص التالى الذى يقول فيه سبحانه ليعقوب حسبما نقرأ فى الإصحاح الثامن والعشرين من سفر "التكوين": "10فَخَرَجَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ وَذَهَبَ نَحْوَ حَارَانَ. 11وَصَادَفَ مَكَانًا وَبَاتَ هُنَاكَ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ، وَأَخَذَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَكَانِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَاضْطَجَعَ فِي ذلِكَ الْمَكَانِ. 12وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. 13وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ"، وكذلك النص الذى نسمع يعقوب يناديه سبحانه فيه بقوله: "يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ" (وكأنه إله أبيه وجده فقط، لا إلهه هو أيضا/ تكوين/ 32/ 9)، وقول موسى عنه عز وجل: "هذَا إِلهِي فَأُمَجِّدُهُ، إِلهُ أَبِي فَأُرَفِّعُهُ" (خروج/ 15/ 2). فهل نقول إنه سبحانه وتعالى أقنومان اثنان لا غير؟
ولنفترض أننا قبلنا كلام الكندى وغضضنا البصر عما قلناه ونسفناه به، فهل نفهم من هذه القصة أن الله تجسد قبل عيسى؟ إذن ما فضل عيسى فى التجسد، وبخاصة أن ثمة تجسدات أخرى لله سبحانه فى هيئة بشرية غير هذه يحكيها لنا الكتاب المقدس من شأنها أن تضع قضية الاعتقاد فى سر تجسد عيسى عليه السلام وما يرتبه النصارى على ذلك من نتائج موضع مساءلة وإعادة نظر؟ من ذلك ما قصه علينا مؤلف سفر "الخلق" ذاته فى النص السابق من أن يعقوب "12َرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. 13وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا" (وهذه أول مرة نعرف أن الله يقف فوق السلالم. ترى ماذا كان يفعل سبحانه وتعالى هناك؟)، وكذلك ما نقرؤه فى الإصحاح الثانى والثلاثين من أن يعقوب قام فى ليلة من الليالى "22وَأَخَذَ امْرَأَتَيْهِ وَجَارِيَتَيْهِ وَأَوْلاَدَهُ الأَحَدَ عَشَرَ وَعَبَرَ مَخَاضَةَ يَبُّوقَ. 23أَخَذَهُمْ وَأَجَازَهُمُ الْوَادِيَ، وَأَجَازَ مَا كَانَ لَهُ. 24فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ. 25وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. 26وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي». 27فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ». 28فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ». 29وَسَأَلَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي بِاسْمِكَ». فَقَالَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟» وَبَارَكَهُ هُنَاكَ. 30فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ «فَنِيئِيلَ» قَائِلاً: «لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي». 31وَأَشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ إِذْ عَبَرَ فَنُوئِيلَ وَهُوَ يَخْمَعُ عَلَى فَخْذِهِ. 32لِذلِكَ لاَ يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِرْقَ النَّسَا الَّذِي عَلَى حُقِّ الْفَخِْذِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهُ ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِ يَعْقُوبَ عَلَى عِرْقِ النَّسَا". إن الذى صارعه يعقوب فى تلك الليلة هو الله. ولنلاحظ أنه هنا رجل واحد لا ثلاثة ولا اثنان كما هو الحال فى قصة إبراهيم ولوط على التوالى، فماذا يقول البكّاش النتّاش فى هذا؟ أما أنا فأقول إنهم قد نزل عليهم التخفيض مع مرور الزمن ككل شىء آخر، فبعد أن كانوا ثلاثة أصبحوا اثنين، ثم ها هم أولاء قد صاروا واحدا، فما المشكلة إذن؟ وعلى أية حال فها هو ذا عبد إبراهيم الخليل ينادى الله باعتباره "إله إبراهيم" فقط: "أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ" (تكوين/ 24/ 12)، مما لو جرينا فيه على طريقة صاحبنا لقلنا إن الإله هنا هو إله إبراهيم وحده وليس إله أى شخص آخر، وهو فهم يبعث على القهقهة! وقد تكرر ذلك فى المواضع التالية: تكوين/ 24/ 27، 42، 48. بل إن الله نفسه سبحانه وتعالى لا يقول عن نفسه لإسحاق بن إبراهيم إلا أنه "إله إبراهيم أبيك" (تكوين/ 26/ 24)، على حين أنه فى الإصحاح السادس والأربعين من سفر "التكوين" يقول ليعقوب إنه إله أبيه (أى إله إسحاق): "1فَارْتَحَلَ إِسْرَائِيلُ (وإسرائيل هو يعقوب كما هو معلوم) وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ، وَذَبَحَ ذَبَائِحَ لإِلهِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ. 2فَكَلَّمَ اللهُ إِسْرَائِيلَ فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَقَالَ: «يَعْقُوبُ، يَعْقُوبُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 3فَقَالَ: «أَنَا اللهُ، إِلهُ أَبِيكَ... »"، وإسحاق بدوره يقول لابنه عنه سبحانه: "إلهك" (إلهك فقط، لاحظ/ تكوين/ 27/ 20)، وكذلك يقول يعقوب عنه سبحانه: "إِلهُ أَبِي كَانَ مَعِي" (لاحظ: إله أبيه إسحاق فقط هذه المرة، لكن لا إلهه هو ولا إله جده إبراهيم/ تكوين/ 31/ 5)، و"إله إبراهيم" ("إله إبراهيم" وحده هذه المرة دون إسحاق ودون يعقوب/ تكوين/ 31/ 53)، و"إله إسرائيل" (أى إلهه هو وحده دون غيره، فيعقوب هو نفسه إسرائيل كما هو معروف/ تكوين/ 33/ 20)، ويقول مخاطبا يوسف ابنه إنه سبحانه وتعالى "إله أبيك" (تكوين/ 49/ 25). وبالمثل يقول موسى عنه سبحانه: "إِلهُ أَبِي" (خروج/ 18/ 4)، ويقول له الله: "أنا الربّ إلهك" (خروج/ 20/ 2، 5. وانظر كذلك: خروج/ 20/ 10/ 12، و23/ 19 حيث يقول سبحانه عن نفسه له أيضا: "الرب إلهك"، وكذلك خروج/ 32/ 11 حيث نقرأ أن موسى تضرّع: "أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِهِ"، وخروج/ 34/24، 26، وتثنية/ 7/ 1،2، 6، 9، 12، 16، و15/15 ، 18، 19، 20، 12... إلخ حيث يقول الله عن نفسه مخاطبا كليمه أو شعب إسرائيل قائلا: إننى "الرب إلهك"). أما فى الأناجيل فلا يقابلنا إلا عبارة "الرب إلهك" (متى/ 4/ 7، 10، و22/ 37، ومرقس/ 12/ 30، ولوقا/ 4/ 8، 12، و10/ 27)، أو عبارة "إلهى" (متى/ 26/ 47، ومرقس/ 15/ 34)، أو عبارة "إله إسرائبل" (متى/ 15/ 31، ولوقا/ 1/ 68)، أو ما أشبه حيث لا تثليث ولا يحزنون (وهناك مرة واحدة استشهد فيها عيسى عليه السلام بالعبارة التى أثارت كل هذا الأخذ والرد فى العهد القديم: "أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ الْقَائِلِ: 32أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟"/ متى/ 22/ 32، وانظر كذلك مرقس/ 12/ 26، ولوقا/ 20/ 37. وهى، كما يرى القارئ، ليست شيئا جديدا، بل تذكرة بما قيل قديما)، فما رأى بكّاشنا الكبير فى هذا كله؟ وهذا غير تسميته سبحانه لنفسه فى خطابه لبنى إسرائيل مباشرة: "الرب إلهكم"، وهو ما تكرر كثيرا جدا فى العهد القديم. فهل نقول على طريقة صاحبنا الكندى إن أقانيمه سبحانه تبلغ الملايين بمقدار عدد بنى إسرائيل على مدى الدهر؟ ثم هناك التسمية التالية التى نستطيع عن طريق البهلوانية التى يجرى عليها صاحبنا فى الاستنتاج أن نرتفع بعدد الأقانيم الإلهية فنقول استنادا إليها إن أقانيمه سبحانه لا تُعَدّ ولا تُحْصَى لأن موسى وهارون قد ابتهلا إليه قائلين: "اللهمّ إله أرواح جميع البشر" (عدد/ 16/ 22، و27/ 16)، إذ من منّا يستطيع أن يحصى أرواح البشر جميعا فى كل العصور والأقاليم؟
ونعود مرة أخرى فنتساءل: ما الميزة التى يختص بها عيسى عليه السلام فى مسألة التجسد إذن إذا كان الله قد تجسد من قبله بأزمان طوال لكل من إبراهيم وحفيده يعقوب، ومن قبلهما تجسد سبحانه وتعالى لآدم، ومن بعدهما تجسد لموسى، وأستغفره جَلّ وعَزّ على ترديد هذا الكلام؟ فأما تجسده لآدم ففى الإصحاح الأول من السفر الذى نحن فيه: "1وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» 2فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، 3وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا». 4فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! 5بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. 7فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. 8وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. 9فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». 10فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». 11فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» 12فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». 13فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ»". فالله هنا يتمشى فى الجنة وينادى على آدم الذى أحس به فاختبأ منه حتى لا يراه سبحانه وتعالى عاريا، وكأن الله يَخْفَى عليه شىء فى الأرض أو فى السماء! ولكنْ هكذا اقتضت مشيئة مؤلف السِّفْر الذى من الواضح أنه يقيس الله على البشر. ولم لا؟ ألا يتجسد مثل البشر ويأكل ويشرب ويستريح ويتنزه مثل أى عمدة فى الريف فى أملاكه مستمتعا بمرآها؟ فما الغريب فى أن يجرى عليه ما يجرى علينا نحن البشر ويخفى عليه آدم حين يختبئ منه وراء الباب أو تحت السرير مثلا؟ ولنلاحظ اضطراب مؤلف السفر فى حكايته المضحكة، إذ ذكر هو نفسه أن أبوينا كانا قد صنعا لنفسيهما مئزرين تغطيا بهما، ومع ذلك يصر على القول على لسان آدم إنهما لا يزالان عريانين! ولكن لا تأخذ فى بالك أيها القارئ، فكله كلام وطحينة! والآن مع تجسده سبحانه لموسى وبعض رجال قومه فوق الجبل طبقا لما كتبه مؤلف سفر "الخروج" فى الإصحاح الرابع والعشرين: "9ثُمَّ صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَأَبِيهُو وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، 10وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ، وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ، وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ. 11وَلكِنَّهُ لَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى أَشْرَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَرَأَوْا اللهَ وَأَكَلُوا وَشَرِبُوا". والآن نعيد التساؤل المنطقى جدا: ترى ما الذى يتميز به عيسى عليه السلام فى مسألة التجسد كى يجعل منها النصارى سببا لتأليهه وعبادته؟ وأرجو أن تلاحظ حكاية الأكل والشرب فى كل مرة يتجسد فيها الله!
ورغم كل ما قدمنا فإننا على استعداد لأن نضرب عنه كله صفحا ونسأل: إذا كان تفسير الكندى لحكاية الرجال الثلاثة الذين ظهروا لإبراهيم هو التفسير الصحيح للأمر فلم لم يلتزمه الله سبحانه وتعالى فى كل كلام قاله لإبراهيم وسائر الأنبياء، وكذلك فى كل كلام قاله إبراهيم وسائر الأنبياء عن الله؟ إننا ننظر فى كلام عيسى مثلا عن الله فلا نجده استخدم فى الإشارة إليه إلا ضمير المفرد، فماذا ترى صاحبنا المسفسط قائلا؟ وقد ذكرت عيسى بالذات لأن اعتقاد الكندى فى التثليث من خلال إيمانه به عليه السلام هو الذى دفعه إلى كل تلك السفسطات، فأردت أن آخذ من ذقنه وأفتل له، وإلا فالكتاب المقدس يقوم فى الأساس على استعمال الضمير المفرد لله سبحانه وتعالى، ولا يلجأ لضمير الجمع إلا على سبيل النُّدْرة الشديدة التى لا تكاد تُذْكَر! والنصوص التى مرت وستمر فى هذه الدراسة، وهى كثيرة جدا، خير شاهد على ما نقول. ومن يرد أن يطالع نصوصا أخرى فأمامه الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى يستطيع أن يفتحه على أية صفحة ليرى بنفسه صدق هذا الكلام. وعلى كل حال فالعهد القديم مملوء بالخرافات والوثنيات وتصوير الله بما لا يليق به جل شأنه، فلا يحق لذلك السوفسطائى أن يحاجّنا به، وإلا فمتى كان الأعمى يستعين بأعمى على معرفة الطريق؟
ولكى يثبت البكاش أن الله ثلاثة أقانيم يشير إلى ما جاء فى المزمور 33/ 6 منسوبا إلى داود عليه السلام من أنه "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا" قائلا إن داود قد صرح بالثلاثة الأقانيم حيث قال: الله وكلمته وبنسَمة فيه (أي بروحه). ثم يتساءل بخبث غبى مفضوح: "فهل زدنا في وصفنا على ما قال داود؟". والرد عليه هو أن من المضحك أن يفسر النسمة بروح الله. لقد سبق أن أشرنا إلى قول بولس إن الله روح، وهو ما ردده مؤلفو "دائرة المعارف الكتابية" كما رأينا، فكيف تكون روح الله الذى هو أصلا روح؟ أتكون هى روح الروح؟ يا روحى! ثم لقد نسى الغبى أن النص الذى اقتطعه من سياقه ظنا منه أنه يخدم زعمه إنما يتكلم عن رحمة الله وكلمته وروحه لا عن الله وكلمته وروحه. ومع هذا فتعالَوْا أيها القراء نقرأ النص كاملا معا، وها هو ذا: "امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ. 6بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا. 7يَجْمَعُ كَنَدٍّ أَمْوَاهَ الْيَمِّ. يَجْعَلُ اللُّجَجَ فِي أَهْرَاءٍ. 8لِتَخْشَ الرَّبَّ كُلُّ الأَرْضِ، وَمِنْهُ لِيَخَفْ كُلُّ سُكَّانِ الْمَسْكُونَةِ. 9لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ. 10الرَّبُّ أَبْطَلَ مُؤَامَرَةَ الأُمَمِ. لاَشَى أَفْكَارَ الشُّعُوبِ. 11أَمَّا مُؤَامَرَةُ الرَّبِّ فَإِلَى الأَبَدِ تَثْبُتُ. أَفْكَارُ قَلْبِهِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. 12طُوبَى لِلأُمَّةِ الَّتِي الرَّبُّ إِلهُهَا، الشَّعْبِ الَّذِي اخْتَارَهُ مِيرَاثًا لِنَفْسِهِ. 13مِنَ السَّمَاوَاتِ نَظَرَ الرَّبُّ. رَأَى جَمِيعَ بَنِي الْبَشَرِ. 14مِنْ مَكَانِ سُكْنَاهُ تَطَلَّعَ إِلَى جَمِيعِ سُكَّانِ الأَرْضِ. 15الْمُصَوِّرُ قُلُوبَهُمْ جَمِيعًا، الْمُنْتَبِهُ إِلَى كُلِّ أَعْمَالِهِمْ. 16لَنْ يَخْلُصَ الْمَلِكُ بِكَِثْرَةِ الْجَيْشِ. الْجَبَّارُ لاَ يُنْقَذُ بِعِظَمِ الْقُوَّةِ. 17بَاطِلٌ هُوَ الْفَرَسُ لأَجْلِ الْخَلاَصِ، وَبِشِدَّةِ قُوَّتِهِ لاَ يُنَجِّي. 18هُوَذَا عَيْنُ الرَّبِّ عَلَى خَائِفِيهِ الرَّاجِينَ رَحْمَتَهُ، 19لِيُنَجِّيَ مِنَ الْمَوْتِ أَنْفُسَهُمْ، وَلِيَسْتَحْيِيَهُمْ فِي الْجُوعِ. 20أَنْفُسُنَا انْتَظَرَتِ الرَّبَّ. مَعُونَتُنَا وَتُرْسُنَا هُوَ. 21لأَنَّهُ بِهِ تَفْرَحُ قُلُوبُنَا، لأَنَّنَا عَلَى اسْمِهِ الْقُدُّوسِ اتَّكَلْنَا. 22لِتَكُنْ يَا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا حَسْبَمَا انْتَظَرْنَاكَ". وفى هذه السطور يتضح أن هناك ثمانية أشياء تتعلق بالرب لا ثلاثة فقط كما فى النص الذى اقتطعه المأفون واجتزأه وعبث فوق ذلك به لكى يتم له التدليس المراد. وهذه الأشياء الثمانية هى: رحمته وكلمته ونسمة فيه ومؤامرته وأفكار قلبه ومكان سكناه وعينه واسمه القدوس. فهل معنى هذا أنه ثمانية أقانيم؟ ثم إن كلمة الله، حسب ذلك الكلام الأبله، هى وحدها التى خلقت السماوات، بينما نسمة فمه هى التى خلقت جنودها، أما رحمته فلم تفعل شيئا، بل امتلأت بها الأرض فقط. فهل نفهم من ذلك أن الأقنوم الثانى هو الذى خلق السماوات، وأن الأقنوم الثالث هو الذى خلق جنودها؟ وأن الأقنوم الأول لم يخلق أى شىء؟ إن معنى هذا بكل وضوح أن الله لم يشترك بكليته فى خلق كل شىء، بل قام أقنوم بخلق شىء، وأقنوم آخر بخلق شىء آخر، وباقى الكون له رب اسمه الكريم! نظرة يا أم هاشم! لكن المسيح فى الأناجيل (وهو الأقنوم الثانى عند النصارى كما نعرف) لم ينسب لنفسه خلق أى شىء، بل كل شىء منسوب فى كلامه للأقنوم الأول الذى لم يرد رغم ذلك هنا أنه خلق أى شىء. فما القول فى هذا كله؟ وعلى أية حال لماذا لم يجر الكلام فى الكتاب المقدس كله هكذا؟ وكيف غفل كل الأنبياء وأقوامهم عن ذلك إلى أن جاء متكلمو النصرانية؟ ولنلاحظ أننى قد اكتفيت بالنص الذى استشهد الكندى المزعوم بجزء منه ولم أتوسع فى الكتاب المقدس كله، وإلا لبلغت الأقانيم عددا أكبر كثيرا من ثمانية!
ثم يمضى هذا الكندى الموهوم مشيرا إلى ما جاء فى سِفْر "إِشَعْياء" من أن الله عز وجل تراءى له والملائكة حافّون به مقدِّسون له قائلين: "قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الإرْضِ" (إشعياء 6:1-3)، لينتهى من ذلك إلى القول بأن تقديس الملائكة لله ثلاث مرات واقتصارهم على ذلك بلا زيادة ولا نقصان سرٌّ لتقديسهم الأقانيم الثلاثة إلهًا واحدًا وربًّا واحدًا، وهذا شأنهم منذ خُلقوا إلى أبد الآبدين. وهذا نص كلامه تقريبا. إلا أن الأبعد ينسى أن الله وصَف نفسه فى الإصحاح الثامن والعشرين من نفس ذلك السفر بأنه قدوس مرة واحدة لا ثلاثا: "17هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ فَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ". وتكرر هذا فى الكتاب المقدس عشرات المرات، أما تثليث القُدُّوس فقد تكررت مرتين فقط: فى هذا النص، وكذلك فى النص التالى من "رؤيا يوحنا" (4/ 8): "والأربعة الحيوانات لكل واحد منها ستة أجنحة حولها ومن داخلٍ مملوءة عيونا، ولا تزال نهارا وليلا قائلة: قدوس قدوس قدوس الرب الاله القادر على كل شيء الذي كان والكائن والذي يأتي". ليس ذلك فقط بل وُصِف هارون أيضا بأنه "قدوس" فى المزمور 106: "16وَحَسَدُوا مُوسَى فِي الْمَحَلَّةِ، وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ"، وكذلك كل إسرائيلى يبقى فى أورشليم كما جاء فى إِشَعْيا/ 4:" 2فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ غُصْنُ الرَّبِّ بَهَاءً وَمَجْدًا، وَثَمَرُ الأَرْضِ فَخْرًا وَزِينَةً لِلنَّاجِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ. 3وَيَكُونُ أَنَّ الَّذِي يَبْقَى فِي صِهْيَوْنَ وَالَّذِي يُتْرَكُ فِي أُورُشَلِيمَ، يُسَمَّى قُدُّوسًا. كُلُّ مَنْ كُتِبَ لِلْحَيَاةِ فِي أُورُشَلِيمَ". وهناك أيضا "قدوسون" كثيرون لا قدوس واحد، كما فى دانيال/ 9: "21وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِالصَّلاَةِ، إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ. 22وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: «يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأُعَلِّمَكَ الْفَهْمَ. 23فِي ابْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ الأَمْرُ، وَأَنَا جِئْتُ لأُخْبِرَكَ لأَنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلاَمَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا. 24سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ". وفى إنجيل لوقا نقرأ أنه "مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ". ثم لو كان تكرار "القدوس" ثلاث مرات دليلا على ما يقول، فلماذا لم يجر الكتاب المقدس على هذه الخطة باستمرار؟ وهل الله يلعب معنا لعبة الفوازير فى أمر خطير كالعقيدة؟ ترى لماذا لم يقل ذلك بوضوح فى كل مرة؟ ولماذا ترك سبحانه وتعالى الأنبياء كلهم على جهل بهذا؟ أو إذا كان قد نوّرهم، فلماذا لم ينوّرونا بدَرْوهم ويريحوا ويستريحوا بدلا من كل هذه المتاعب والألاعيب؟ ولماذا "قُدّوس" وحدها هى التى تكررت (وفى موضعين اثنين فقط) ثلاث مرات ولم يحدث هذا مع "رحيم" و"كريم" و"قوى" و"عزيز" وسائر الصفات الربانية؟ أم تراها على رأسها وحدها ريشة دون باقى الصفات الإلهية؟
وفى الكتاب المقدس عبارات معينة تتكرر كثيرا بعضها فى إثر بعض، ومنها عبارة "إلى الأبد رحمته"، التى تكررت ما لا أدرى كم من المرات فى عدد من الأسفار، والتى سوف أكتفى بما تكرر منها فى المزمور السادس والثلاثين وحده، وهذا هو: "1اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 2احْمَدُوا إِلهَ الآلِهَةِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمتَهُ. 3احْمَدُوا رَبَّ الأَرْبَابِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 4الصَّانِعَ الْعَجَائِبَ الْعِظَامَ وَحْدَهُ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 5الصَّانِعَ السَّمَاوَاتِ بِفَهْمٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 6الْبَاسِطَ الأَرْضَ عَلَى الْمِيَاهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 7الصَّانِعَ أَنْوَارًا عَظِيمَةً، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 8الشَّمْسَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 9الْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 10الَّذِي ضَرَبَ مِصْرَ مَعَ أَبْكَارِهَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 11وَأَخْرَجَ إِسْرَائِيلَ مِنْ وَسَطِهِمْ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 12بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 13الَّذِي شَقَّ بَحْرَ سُوفٍ إِلَى شُقَق، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 14وَعَبَّرَ إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 15وَدَفَعَ فِرْعَوْنَ وَقُوَّتَهُ فِي بَحْرِ سُوفٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 16الَّذِي سَارَ بِشَعْبِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 17الَّذِي ضَرَبَ مُلُوكًا عُظَمَاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 18وَقَتَلَ مُلُوكًا أَعِزَّاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 19سِيحُونَ مَلِكَ الأَمُورِيِّينَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 20وَعُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 21وَأَعْطَى أَرْضَهُمْ مِيرَاثًا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 22مِيرَاثًا لإِسْرَائِيلَ عَبْدِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 23الَّذِي فِي مَذَلَّتِنَا ذَكَرَنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 24وَنَجَّانَا مِنْ أَعْدَائِنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 25الَّذِي يُعْطِي خُبْزًا لِكُلِّ بَشَرٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 26احْمَدُوا إِلهَ السَّمَاوَاتِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ". والآن نتساءل: كم أقنوما يا ترى سوف يقول الكندى إن هذه العبارة تتكون منه؟ من المؤكد أن أقانيمها ستبلغ العشرات.
والعجيب الغريب أن المداور المتنطع بعد ذلك كله يرمى القرآن بالخطإ والتجنى لتكفيره من يقول إن الله ثالث ثلاثة، مؤكدا أنهم لا يقولون بهذا، بل المرقونيون المارقون. لكن أليس الكندى وأمثاله يقولون بالآب والابن والروح القدس؟ ألا يشرحون ذلك بأن الله هو الآب، والمسيح هو الابن، فضلا عن الروح القدس الذى كان يقوم بمهمة الرسول بينهما أيام أن كان عيسى عليه السلام يعيش على الأرض؟ ألم يقل المسيح إنه يسجد لله، بما يعنى أن الله شىء، والمسيح شىء آخر؟ ألا يقولون إن الله أرسل ابنه إلى الأرض ليفدى البشرية من خطيئتها الأولى بما يعنى أن الآب كان فى السماء، والابن على الأرض؟ ألم يكن الروح القدس ينزل على الابن آتيا من عند الآب حسبما يقول مؤلفو الأناجيل؟ ألم يصرخ هذا الابن إلى أبيه كى يخف لنجدته وهو على الصليب طبقا لما جاء أيضا فى تلك الأناجيل؟ ألم يقل إنه يوم القيامة سوف يشرب ماء الكَرْمَة عند ذلك الأب؟ ألم يقل إنه سيجلس على يمينه يوم الدينونة ويحاسب الناس معه؟ فعلام يدل هذا كله؟ ألا يدل على أن هناك ثلاث ذوات مستقلة؟ وهل قال القرآن شيئا غير هذا؟ وأعجب من ذلك وأشد إمعانا فى الغرابة والكذب والتدليس أن يقول الكندى الكذاب للهاشمى المزعوم إن "صاحبك (يقصد النبى عليه السلام)... حثَّكم على الإيمان بالمسيح سيد العالم ومخلّص البشر: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الإرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (سورة النساء/ 171)". فهل دعانا الرسول إلى أن نؤمن بعيسى سيدا للأكوان ومخلصا للعالم؟ فأين هذا يا ترى؟ كيف، وفى الآية السابعة عشرة من سورة "المائدة" أن الله لو أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا ما استطاع أحد أن يعقّب عليه سبحانه بشىء؟ ولماذا نذهب بعيدا، وهذا النص الذى استشهد به المدلس ينهى النصارى بأقوى عبارة عن الغلوّ فى أمر المسيح باتخاذه إلها، ويؤكد أنه عليه السلام لا يزيد عن أن يكون رسول الله وكلمته، أى كلمة "كن فيكون" التى خلق بها آدم ويخلق بها كل شىء، ويكفّر من يؤلّه السيد المسيح أو يقول بصلبه وقتله؟ الواقع أن هذا الرجل يجرى الكذب فى دمه ويتنفسه تنفسا ولا يمكنه العيش من دونه، وإلا مات كما تموت السمكة إذا خرجت من الماء! أما ما قاله عن المارقيونيين وأنهم هم المثلثة لا هم فهو كذب صراح يبرهن على أنه لا يعرف الخجل ولا حمرته، إذ إن مارقيون أقرب ما يكون إلى الثنوية، لأن الله عنده إلهان: إله العهد القديم العادل الذى خلق العالم، لكنه إله قاس وعنيف وغضوب لا يعرف الرحمة اتخذ اليهود شعبا مختارا له، بخلاف إله العهد الجديد، إله العطف والمرحمة. ومن هنا نراه يرفض ما فى العهد الجديد ولا يقبل إلا ما جاء فى إنجيل لوقا وبعض الرسائل الموجودة فى العهد الجديد، وإن كان هناك من يقول إن لوقا هو الذى أخذ منه. وهو على كل حال يقول ببنوة المسيح لإله العطف والمرحمة. جاء فى "دائرة المعارف الكاثوليكية: Catholic Encyclopedia" تحت عنوان "Marcionites":
"Heretical sect founded in A.D. 144 at Rome by Marcion and continuing in the West for 300 years, but in the East some centuries longer, especially outside the Byzantine Empire. They rejected the writings of the Old Testament and taught that Christ was not the Son of the God of the Jews, but the Son of the good God, who was different from the God of the Ancient Covenant. They anticipated the more consistent dualism of Manichaeism and were finally absorbed by it. As they arose in the very infancy of Christianity and adopted from the beginning a strong ecclesiastical organization, parallel to that of the Catholic Church, they were perhaps the most dangerous foe Christianity has ever known"
وهو نفسه ما نجده فى مادة "Marcionisme" من المعجم اللفظى (Glossaire) الخاص بموقع "www.cef.fr/catho"، إذ تقول هذه المادة:
"Mouvement hérétique fondé par Marcion, philosophe gnostique.Le Marcionisme oppose le Dieu de Justice de l’Ancien Testament au Dieu d’Amour du Nouveau Testament Il nie la réalité de l’Incarnation du Christ prétendant qu’il est homme en apparence."
وليس لهذا أية علاقة بالإسلام كما نرى، فالله فى الإسلام واحد أحد لا إلهان، والمسيح ليس سوى عبد لله ورسوله، ولا يمكن أن يكون ابنا له سبحانه. أى أن حديث الكندى الملعون عن مارقيون والمارقيونيين هو كذب فى كذب فى كذب!
5- ثم ينتقل الكذاب إلى الحديث عن نبوة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فيقول إنه تربى يتيما فى بيت عمه أبى طالب وشارك أهلَه عبادة اللات والعزى بدليل ما جاء فى سورة "الضحى" من قوله تعالى: "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى"، ثم لما تزوج بخديجة واغتنى بمالها أراد أن يرأس قومه، لكن لم يتبعه على ذلك إلا القليلون، فما كان منه إلا أن خدع البدو بأنه نبى من عند الله. وسهَّل عليه مهمتَه أنهم لم يكونوا ذوى عهد بالنبوة والأنبياء، فكانوا لا يعرفون كيف يختبرون صدقه، وهكذا صار نبيا. والحق أن هذا كله ليس سوى كذب منتن كالعقل واللسان اللذين خرج منهما: فالرسول لم يعبد اللات والعزى ولا أى صنم فى حياته، وإلا لما سكت عنه المشركون ولجعلوا منه هدفا لتهكمهم الــمُصْمِى عندما جاءهم بدعوة التوحيد، وهم الذين لم يتركوا شيئا فى الدنيا من الأكاذيب إلا وشنّعوا به عليه. ومع ذلك لم يحدث أن قالوا عنه قط إنه كان يعبد الأوثان. أما هداية الله له من الضلال فمن قال إن معناها إنقاذه من الوثنية؟ لقد وردت الكلمة فى مواضع غير قليلة من القرآن الكريم فى غير هذا المعنى، كقوله تعالى على لسان موسى حين عايره فرعون بأنه قتل مصريا ثم فر هاربا فرد عليه قائلا: "فعلتُها إذن وأنا من الضالين" (الشعراء/ 20)، فهل كان موسى وثنيا حين قتل المصرى خطأً؟ طبعا ليس هذا هو المعنى المراد، بل المقصود أنه حين قتل المصرى كان مندفعا مع عاطفة الغضب للإسرائيلى المظلوم، فكان أنْ وكز الظالمَ وكزة عنيفة قضت عليه. ليس ذلك فقط، إذ كانت تهمة فرعون له أنه فعلها وهو من الكافرين، فكان رد موسى أنه إنما فعلها وهو من الضالين لا الكافرين. فالضلال هنا عكس الكفر كما هو واضح، وموسى يتبرأ من الكفر وينسب نفسه للضلال، أى أنه فعل ما فعل عن غير قصد، بل فى نوبة انفعال واندفاع أراد فيها أن يحمى واحدا مظلوما من أبناء قومه، فكان ما كان من قتله المصرى من وكزة لا تقتل عادة. فما رأى غبينا المطموس البصر والبصيرة؟ وكقول إخوة يوسف لأبيهم حين شم قميص يوسف عن بعد وأخبرهم بذلك فقالوا له: "تالله إنك لفى ضلالك القديم" (يوسف/ 95)، أى ما زلت مقيما على حبك ليوسف، فأنت تتوهم الأوهام الباطلة وتتصور أنه لا يزال حيا. ذلك أنهم كانوا يقولون عنه عندما يَرَوْن حبه الشديد ليوسف إنه لفى ضلال مبين، وهو الحب الذى دفعهم للتخلص من أخيهم الصغير حقدا منهم عليه: "إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (يوسف/ 8). ولا يمكن أن يكون يعقوب وثنيا، وهو النبى ابن النبى ابن النبى! وكقوله سبحانه كذلك لمحمد عليه السلام فى المدينة حين كان يقضى بين الناس ويحكمهم ويحكم بينهم: "وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" (النساء/ 113)، بمعنى أنه لولا فضل الله عليه لاستطاع أهل طُعْمَة بن أُبَيْرِق سارق الدرع إيهام الرسول عن طريق الكذب بأن الذى سرقها إنما هو اليهودى لا طعمة. فالمقصود بهداية الله إذن من الضلال فى سورة "الضحى" هو الإشارة إلى بحثه عن الحقيقة أيام تحنثه، إذ لا يستطيع الإنسان أن يعرف الحقائق العليا على وجه الدقة واليقين إلا من الله وبهداية منه سبحانه، وهو ما وقع، إذ أنزل الله عليه روح القدس بالوحى القرآنى وكلّفه بحمل رسالته إلى البشر لهدايتهم إلى ما فيه صلاح أمرهم واستقامة حياتهم وسعادة نفوسهم. فهذا هو معنى الهداية من الضلال. وهناك رواية تقول إن محمدا الصغير كان قد تاه ذات يوم، لكن الله أعاده إلى أهله، فهو سبحانه يمنّ عليه بذلك ويذكّره به.
وقد يكون من المفيد للأغبياء من أمثال الكندى المزعوم أن يعرفوا أن أحد معانى "الإضلال" فى القرآن هو عمل الرسول على إبعاد المشركين عن الوثنية والأوثان وهدايتهم إلى نور الحق والتوحيد، وهذا هو المعنى الذى استخدمه المشركون فيه، مما يدل على أن الكلمة قد تعنى عكس ما تعنيه الوثنية تماما. فكيف يصر المأفون على أن "الضلال" فى سورة "الضحى" هو عبادة اللات والعزى؟ قال تعالى: "وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً* إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا" (الفرقان/ 41- 42). باختصار: معنى الضلال هو عدم استطاعة الشخص من الوصول إلى الغاية الصحيحة لسبب أو لآخر، وكثيرا ما يحدث هذا لأى منا وهو راجع إلى بيته من طريق غير الذى يعرفه، وبخاصة إذا كان راكبا سيارته فى منطقة جرت فيها تغييرات لم يكن على علم مسبق بها، ولا وثنية ولا يحزنون، فما قولك فى ذلك يا عقل العصفور؟ وهذه شواهد من كتابك أنت لا من القرآن حتى تخرس فلا تنطق لا من فوق ولا من تحت، لعنك الله من فوق ومن تحت: "مَلْعُونٌ مَنْ يُضِلُّ الأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ" (تثنية/ 27/ 18، والضلال هنا هو الضلال عن الطريق)، "كُفَّ يَا ابْنِي عَنِ اسْتِمَاعِ التَّعْلِيمِ لِلضَّلاَلَةِ عَنْ كَلاَمِ الْمَعْرِفَةِ" (أمثال/ 19/ 7، والضلال فى هذا الشاهد هو ضلال العلم لا الوثنية)، "وَلكِنَّ هؤُلاَءِ أَيْضًا ضَلُّوا بِالْخَمْرِ وَتَاهُوا بِالْمُسْكِرِ. الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ. ابْتَلَعَتْهُمَا الْخَمْرُ. تَاهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، ضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا، قَلِقَا فِي الْقَضَاء" (إشعيا/ 28/ 7، والضلال هو ذهاب الوعى من الخمر)، "إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ عَلَى الْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ الضَّالَّ. وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي لَمْ تَضِلَّ" (متى/ 18/ 12، ولا علاقة لها الضلال بالوثنية كما هو جلىّ)، "وَكَانَ فِي الْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ:«إِنَّهُ صَالِحٌ». وَآخَرُونَ يَقُولُونَ:«لاَ، بَلْ يُضِلُّ الشَّعْبَ»" (يوحنا/ 7/ 12، والكلام فى النص عن عيسى عليه السلام، ولم يكن اليهود يتهمونه بالوثنية بطبيعة الحال). لقد كان محمد قُبَيْل البعثة يبحث عن الدين الحق ويتحنث فى غار حراء، إلا أن الطريق السليم لبلوغ ذلك الحق صافيا دون أى غبش إنما هو الوحى الإلهى. وهذا الوحى لا يفوز به من الله إلا من يستحقه، فظل محمد يبحث عن الطريق، لكنه لم يهتد إليه حق الاهتداء إلا حين اصطفاه الله وجعله نبيا. أما غيره فقد أراد أن يكون نبيا، وكأن النبوة قرار شخصى يتخذه أى إنسان فيكون له ما أراد، ومن هذه الحالات حالة أمية بن أبى الصلت ومسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسى، وذلك على عكس ما كان يفعل محمد من البحث المخلص عن الحق دون التطلع إلى أن يكون نبيا. وهناك من كان يبحث عن الحق ولا يضع فى اعتباره مسألة النبوة ولم يختره الله مع ذلك، كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وسلمان الفارسى. ثم فليكن معنى الآية الكريمة بعد كل الذى قلناه هو ما يقول الكندى الكذاب، فكيف يقبل شقها الأول ويرفض شقها الثانى؟ إنها تقول: كان محمد ضالا فهداه الله، لكن الكندى الكذاب يقبل ضلال النبى ويرفض هداه. ترى أمن الممكن القول بأن محمدا يقر بضلاله هكذا على رؤوس الأشهاد وبتلك البساطة؟ الواقع أنه لو كان هذا صحيحا لكان جواب القرشيين على الأقل هو: "طيب يا أخى. ما دام قد سبق لك أن كنتَ ضالا ثم اهتديتَ فاتركنا نحن على ضلالنا حتى يهدينا الله كما هداك. وإذن فعلى رِسْلك ولا تقرّعنا وتهاجم آلهتنا هذا الهجوم العارم!"، لكنهم لم يقولوا له شيئا من ذلك. وعلى كل فقد انتهى أمرهم معه إلى أن دخلوا كلهم فى دينه ورجعوا عن كل ما قالوه فيه، فأثبتوا أنهم كانوا كاذبين فى اتهاماتهم له وأن الحق كان معه طوال الوقت.
ثم فلنفترض ثانية أن كل ما يقوله الكندى الكذاب صحيح وأن محمدا كان يعبد الأوثان قبل البعثة كقومه، فلماذا لا تعامله أيها الكذاب كإبراهيم، الذى قلت بعظمة لسانك إنه كان يعبد العُزَّى مع قومه فى حاران قبل أن يصطفيه الله للرسالة؟ هل مَنَعَتْ إبراهيمَ عبادتُه للعُزَّى فى الجاهلية من أن يكون نبيا؟ فلماذا لا تجرى على نفس المنطق فى حالة محمد عليه الصلاة والسلام، وبخاصة أن كتابك المقدس لا يرى فى مثل هذه الأمور مانعا من أن يكون صاحبها نبيا حتى ولو ارتكبها بعد النبوة، كما هو الوضع فى حالة هارون، الذى تقولون إنه رافأ بنى إسرائيل على عبادتهم للعجل أثناء غياب موسى فوق الجبل للقاء بربه، بل هو الذى صنعه لهم بيديه وشاركهم الرقص عرايا حوله، وكما هو الوضع فى حال سليمان، الذى ساعد بعض زوجاته على ممارسة الوثنية فى قلب بيته ووفر لهن الأصنام التى يعبدنها. إننا بطبيعة الحال لا نعتقد بشىء مما يقوله الكتاب المقدس فى حق هؤلاء الأنبياء، إلا أننى أردت فقط أن أزيح النقاب عن ضمير ذلك الوغد لأُرِىَ القراء مدى التواء ضميره وكراهيته للحق وخضوعه لبواعث الشغب المستكنة فى أغوار قلبه الأسود.
وفى نهاية المطاف أرى أنه ينبغى إيراد ما قاله فى هذه الآية ابن عجيبة صاحب "تفسير البحر المديد في تفسير القران المجيد"، فقد جمع تفاسيرها المختلفة. قال: "وَوَجَدَك ضالا: غافلاً عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول. فَهَدَى : فهداك إليها، كقوله: " مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ" (الشورى/ 52). وقال القشيري: "أي ضالاًّ عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعَرَّفناك تفصيلَها"، أو ضالاًّ عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة. ولم يقل أحد من المفسرين: ضالاًّ عن الإيمان. قاله عياض. وقيل: ضلّ في صباه في بعض شِعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضلّ مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعًا، وتضرّع إلى الله، فسمعوا هاتفاً يُنادِي من السماء: يا معشر الناس، لا تَضِجُّوا، فإنَّ لمحمدٍ ربًّا لا يخذله ولا يُضيّعه، وإنَّ محمدا بوادي تهامة عند شجرة السَّمُر. فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان والأوراق. وقيل: أضلّته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد المطلب. وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب. يُرْوَى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريلُ عليه السلام، فنفخ إبليسَ نفخة وقع منها إلى أرض الهند، وردّه إلى القافلة. وقوله تعالى: "فَهَدَى" أي فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يُوحَى إليك من الكتاب المبين، وعلَّمك ما لم تكن تعلم".
ثم يقول المدلس الكذاب ما نَصُّه: "نشأ (محمد) في ذلك الأمر حتى صار في خدمة عِيرٍ لخديجة بنت خويلد، يعمل فيها بأجرة ويتردد بها إلى الشام وغيرها، إلى أن كان ما كان من أمره وأمر خديجة وتزوُّجه إياها للسبب الذي تعرفه. فلما قوَّته بمالها نازعته نفسه إلى أن يدَّعي المُلْك والترؤس على عشيرته وأهل بلده، فلم يتبعه عليه إلا قليل من الناس. فعندما يئس مما سوَّلت له نفسه ادَّعى النبوَّة وأنه رسولٌ مبعوثٌ من رب العالمين، فدخل عليهم من بابٍ لطيفٍ لا يعرفون عاقبته ما هي، ولا يفهمون كيف امتحان مثله ولا ما يعود عليهم من ضرر منه، وإنما هم قوم عرب أصحاب بدوٍ لم يفهموا شروط الرسالة ولم يعرفوا علامات النبوة، لأنه لم يُبعَث فيهم نبي قط. وكان ذلك من تعليم الرجل الملقِّن له الذي سنذكر اسمه وقصته في غير هذا الموضع من كتابنا، وكيف كان سببه. ثم إنه استصحب قومًا أصحاب غاراتٍ ممن يصيب الطريق على سُنَّة البلد وعادة أهله الجارية عندهم إلى هذه الغاية، فانضمَّ إليه هذا النوع، وأقبل يبثّث الطلائع ويدسّس العيون ويبعث إلى المواضع التي ترِد القوافل إليها من الشام بالتجارات فيصيبونها قبل وصولها، فيُغِيرون عليها ويأخذون العِير والتجارات ويقتلون الرجال. والدليل على ذلك أنه خرج في بعض أيامه فرأى جِمالاً مقبلةً من المدينة إلى مكة، لأبي جهل بن هشام، ويُسمِّي أعراب البادية ذلك غزوًا إذا خرجت للغارة على السابلة وإصابة الطريق. وكان أول خروجه من مكة إلى المدينة بهذا السبب، وهو حينئذ ابن 53 سنة بعد أن ادّعى ما ادّعاه من النبوة بمكة 13 سنة ومعه من أصحابه 40 رجلاً، وقد لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين، فأظهروا أن طرده لادّعائه النبوة وعقد باطنهم لما صح عندهم من إصابته الطريق. فسار مع أصحابه إلى المدينة وهي يومئذ خراب يباب ليس فيها إلا قوم ضعفاء أكثرهم يهودٌ لا حراك بهم، فكان أول ما افتتح به أمره فيها من العدل وإظهار نصفة النبوة وعلامتها أنه أخذ المِرْبَد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار وجعله مسجدًا. ثم إنه بعث أول بعثة حمزة بن عبد المطلب في 30 راكبًا إلى العيص من بلد جهينة يعترض عِير قريش وقد جاءت من الشام، فلقي أبا جهل بن هشام في 300 رجل من أهل مكة، فافترقوا لأن حمزة كان في 30، فخاف لقاء أبي جهل وفزع منه، فلم يكن بينهم قتال".
فأما ادعاء المشاغب الضلالى بأن الرسول كان يريد الرياسة وأنه لم يتبعه على مراده هذا إلا القليلون فمن الواضح أن ذلك الرجل (إن صح تسمية أمثاله: "رجالا") كان عريان السوأة وهو غارق فى الأحلام والأوهام! ترى متى كان ذلك؟ ومن أولئك الذين اتبعوه على غرضه ذاك؟ كذلك يزعم أن تطلعه إلى الرئاسة كان عقب زواجه بخديجة، مع أنه تزوجها وهو ابن خمس وعشرين، ولم يعلن أنه نبى إلا بعد بلوغه الأربعين، فمتى كان تطلعه إلى الزعامة طوال الخمس والعشرين سنة الفاصلة بين زواجه بها ودعوته الناس إلى الإيمان به؟ ومتى كانت دعوته العرب إلى الدين سهلة ميسورة، وهو الذى قضى فيها السنين الطوال حتى استطاع بعبقريته التى لم يُؤْتَها أحد سواه أن يطوّعهم وأن يخلق منهم رجالا وأبطالا فتحوا العالم ونشروا فى المعمور راية التوحيد بعد أن كانت الدنيا كلها تغط فى ليل الوثنية البغيض؟ إن الأحمق يريد أن يوهم القراء أن الرسول ما إن قال للعرب إنه نبى حتى خروا رُكّعًا سُجّدًا طائعين خاضعين دون فهم ودون تفكير. والحق أنه لا يقول هذا الكلام إلا رقيع مأفون كالكندى! ثم إن المشركين، على العكس، هم الذين عرضوا عليه الرياسة والمال فى مقابل سكوته عن أصنامهم وأوثانهم، وذلك كله معروف للناس جميعا، لكنه عليه الصلاة والسلام رفض كل عروضهم فى إباء وشمم يليقان بمن بَوَّأَه الله زعامة الأنبياء، على عكس اللعين بولس، الذى برجل ميزان النصرانية وقلب كل شىء فيها رأسا على عقب كى توائم عادات الوثنيين وتقاليدهم وعقائدهم، وهذا هو السر فى انتشارها بعد أن رفضها بنو إسرائيل. ثم يأتى هذا النغل بعد ذلك كله يريد أن يقلب الحقائق قَلْبًا! وهذا هو ديدنهم دائما أبدا لا يحيدون عنه ولو طلعت الشمس من مغربها أو أطلّ الليل من دبر القمص المنكوح، مع الاعتذار هذه المرة للسيد كوتوموتو، الذى لا أريد أن أغضبه أبدا، لكن القافية حبكت يا سيد كوتو (من غير "موتو")!
إن صاحبنا الأبله يزعم كذبا أن العرب كانوا قوما مغفلين ضحك عليهم الرسول فسقاهم "حاجة أصفرة" وأقنعهم بنبوّته! والجواب على هذه الرقاعة حاضر على الفور، وهو أن الله جلّت قدرته سبق أن بعث فى العرب عددا من الأنبياء منهم هود وصالح وشعيب، فهم إذن لم يكونوا بعيدين عن النبوة والأنبياء كما يزعم هذا الحمار الحَسَاوِىّ. كذلك فإنهم، فى جدالهم للنبى وتعنتهم عليه، كانوا يستشهدون بغيره من الرسل ويحاجّونه بهم، إذ كان فى الجزيرة العربية أهل كتاب يسمع العرب منهم ويعرفون ما لديهم. كما كانوا يلجأون إلى اليهود فى يثرب طالبين منهم المساعدة فى حربهم له صلى الله عليه وسلم. بل كان من المسلمين المبكرين نصارى أو دارسون للنصرانية كورقة بن نوفل وعداس ويسار وجبر، وبالمثل آمن به فى المدينة بعض كبار اليهود كعبد الله بن سلام. وكانت أم المؤمنين صفية رضى الله عنها بنت أحد زعمائهم وسمعت حوارا دار بين أبيها وعمها فهمت منه أنهما يصدقان بنبوته صلى الله عليه وسلم لكن حقدهما وعصبيتهما اليهودية يمنعانهما من إعلان ذلك الإيمان ويدفعانهما إلى التشبث الغبى بدين قومهما، فكان هذا أحد العوامل التى نبهتها إلى صدق الرسول وجعلتها تؤمن به وتعتنق دينه وتنسى يهوديتها. وهذه هى قصتها رضى الله عنها حصبما وردت فى "سيرة ابن هشام": "عن صفية بنت حُيَيّ بن أخطب أنها قالت: كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قَطُّ مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قُبَاء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حُيَيّ بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسَيْن، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع. فوالله ما التفتَ إليَّ واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حُيَيّ بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال: أتعرفه وتُثْبِته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقِيتُ".
وحتى لو كان ما يقوله البغل النغل صحيحا فإنه يطعن فى عيسى، إذ رفضه اليهود، الذين كانوا على دراية بالنبوة والأنبياء، ومن ثم فرفضهم له دليل، حسب كلام صاحبنا، على أنه عليه السلام ليس نبيا حقيقيا. كذلك فالعرب الوثنيون لم يقبلوا الرسول على الفور، بل جادلوه وتعنتوا معه ولم يؤمن به منهم فى البداية إلا أحسنُهم وأقدرُهم على التحمل والتضحية وأفهمُهم لما أتاهم به من قيم عظيمة، حتى ترك مكة إلى يثرب، التى قبلته لأنها كانت على اتصال باليهود العارفين وعرفت أنه هو النبى الموعود، فسهّل ذلك مهمته لديهم، على عكس ما يريد الكذاب الكندى أن يوهمنا. ثم ما قوله فى أن عشرات الملايين من النصارى قد تركوا دينهم وأسلموا فى العقود الأولى من تاريخ الإسلام على ما هو معروف، ولا تزال العجلة دائرة حتى الآن، إذ يدخل فى دينه صلى الله عليه وسلم من أوربا وأمريكا المفكرون والعلماء والفنانون ولاعبو الكرة ورجال الدين والدبلوماسيون حتى أضحى عدد الغربيين المسلمين كبيرا يثير الفزع فى قلوب السياسيين والقساوسة ويخيفهم من المستقبل، وذلك رغم هوان المسلمين بوجه عام وضعفهم الشديد فى هذ الدورة السيئة من دوارت تاريخهم، ودعنا من بقية بلاد العالم. فما قول الكاتب فى ذلك؟ ألا يقلب هذا كلامه رأسا على عقب؟ أم تراه يقول إن هؤلاء جميعهم مغفلون ساذجون؟ والله ما مغفلٌ وحمارٌ إلا أنت يا بعيد!
أما حكاية التربص بِعِير قريش التجارية فقد حدثت مرة واحدة، وكان ذلك بعد ثلاثة عشر عاما قضاها الرسول والمسلمون فى مكة يرزحون تحت العنت والتعذيب والاضطهاد الوحشى والحصار الاجتماعى والاقتصادى والشتم والضرب، بالإضافة إلى القتل. ومعنى هذا أن التربص المشار إليه وقع بعد انتقال النبى وأتباعه إلى المدينة وبعد أن ذاقوا الأمرّين من قريش وتعرضوا لألوان رهيبة من الاضطهاد والتعذيب كما قلنا. وكان هذا كفيلا بأن يقضى على الدعوة وأتباعها لولا الرجولة الشاهقة التى كانوا يتمتعون بها على نحوٍ قَلَّ أن يتحقق بين البشر. فهذا الوغد كاذب كالعادة حين يحاول إيهام القارئ النصرانى الذى لا يعرف سيرة الرسول وأصحابه أن أول شىء فعلوه فى بداية الإسلام هو قيامهم دون إِحِمْ أو دستور بالهجوم على قريش وتجارتها رغم أنهم لم يَرَوْا منها شرا ولا أذى، بل حُبًّا منهم للعدوان والإجرام! وحقيقة الأمر أن القرشيين بعد هذه الأعوام الثلاثة عشر قد أخرجوا المسلمين من ديارهم واستولَوْا على أموالهم وبيوتهم وشرّدوهم فى الآفاق ونكّلوا بمن طالته أيديهم من المهاجرين عند مغادرتهم مكة. أى أنهم لم يكونوا يريدون أن يرحموا ولا أن يتركوا رحمة ربنا تنزل عليهم. أما القسوة والفظاظة والحقد والعنصرية فأمور يعرفها أنبياء بنى إسرائيل حسبما كتب مؤلفو العهد القديم، وكانوا قساةً حَقَدَةً لا يعرفون إلا سياسة الاستئصال. والطريف فى أمر هذا البكاش أنه، رغم كل ما قاله عن العرب، الذين اتهمهم بالغفلة والسذاجة والمسارعة إلى الإيمان بمحمد دون تفكير لتجردهم من الخبرة بالنبوة والأنبياء، يعود فيقول إنه عليه السلام قد "لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين". أى أنهم لم يكونوا من السذاجة بحيث يصدقون النبى عليه الصلاة والسلام لأول وهلة، كما أنهم قد أنزلوا به من ضروب الأذى ما دفع الوغد الكندى للإقرار به رغم اتهامه له صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذى بدأ قريشا بالعدوان والإغارة على قوافلها التجارية. وعجبى!
أما ادعاؤه بأن اليهود الموجودين فى يثرب آنذاك كانوا قوما ضعفاء لا حَرَاك بهم فهو ككل ما يقوله النذل كذب وتحريف لوقائع التاريخ وحقائقه، فقد كان اليهود أصحاب أموال وسلاح وزراعات وبساتين وذهب وحصون وكِبْر وغرام بالعناد والجدال، وكانوا كثيرى الشغب والتسافه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظوا له اليد النبيلة التى مدها لهم بالعدل والمساواة والأمن والأمان والحرية والكرامة والتعاون المتبادل رغم اختلاف الدين والجنس، ورغم أنهم لم يكونوا من أهل البلاد بل طارئين عليها من الشمال. كما كانوا دائمى الشقاق والنفاق، يمطرونه بألوان الجدال، فيجيب على أسئلتهم، لكنهم كانوا صلاب الرقبة كافرين. وكثيرا ما ألبوا عليه الكفار واتخذوا جانبهم وسخروا منه ومن دينه وجدّفوا فى حق ربه سبحانه وتعالى وهددوه بأنه إذا لاقاهم فى حرب فلسوف يعلم ساعتئذ إنهم لهم الرجال. نعم لقد كان فيهم الصاغة وأصحاب البساتين والزراعات والحصون، ومعهم أكداس السلاح، وكانوا يقرأون ويكتبون ويتكبرون على من حولهم، وكانوا يجادلونه بالباطل ويثيرون المشاكل ويكذبون وينكرون ما فى كتبهم، فكان يفضحهم ويفحمهم فيزدادون له كراهية وعليه وعلى دينه وأتباعه تآمرا، لكنهم أثبتوا فى كل مرة أنهم أغبياء وجبناء فى الواقع رغم كل الجعجعات. ومن أكاذيب الكندى الدنسة مثله قوله يتهكم على سيده وتاج رأسه ورأس الذين نفضوا بذرته إن أول ما افتتح به أمره فى المدينة من العدل وإظهار نصفة النبوة وعلامتها أنه أخذ المربد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار وجعله مسجدًا. إن الكذاب الناقص يقول هذا بعيون بجحة وقحة لا تستحى، مع أن الرسول قد عوّض اليتيمين عن مربدهما ورفض أخذه دون مقابل. ثم إنه لم يأخذه بعد ذلك كله لنفسه بل أخذه للمسلمين ليقيم عليه مسجدا. ولا بد أن نعرف فوق هذا أنهما كانا بنى النجار، وهم أخوال النبى عليه السلام، فلم يكونا غريبين إذن، ومن هنا لم يكن أولياء أمرهما يريدون أن يأخذوا شيئا ثمنًا للمربد، بيد أنه صلى الله عليه وسلم شكرهم ورفض مع ذلك أخذه دون مقابل. ودعنا من حكاية الأتان التى أمر المسيح بعض أتباعه حسب افتراءاتكم أن يذهبوا إلى إحدى الحظائر ويأتوه بها حتى يدخل أورشليم (طبقا للنبوءة التى يزعمون) على أتان مسروقة، وكذلك سطوه عليه السلام هو ورفاقه على الحقول التى تقابلهم فى غياب أصحابها، ولعنه التينة المسكينة التى لم يجد فيها تينا لأنه لم يكن موسم تين، فضلا عن معجزة تموين المدعوين فى أحد الأفراح بالخمر، وكأننا إزاء خمار فى حانة لا رسول كريم لا يمكن أن يسكر أو يوفّر أم الخبائث للسكارى المخمورين! وطبعا نحن لا نصدق بهذا ولا ذاك ولا ذلك، لكننا نحاج الكذاب المدلّس بما يعتقده ويدافع عنه، ولا نريد أن نتدخل فى اعتقاده، بل كل ما هنالك أننا نرد على ما يزعمه من المزاعم المتداعية المتهافتة، وإلا فنحن نجلّ المسيح إجلالا لا يخطر له على بال ونؤمن أنه نبى عظيم، وإن كنا نؤمن فى ذات الوقت أن محمدا هو عميد الأنبياء جميعا!
6- ولا يكتفى كِنْدِيّنا الرقيع بتفاهاته السابقة، بل يضيف إليها تفاهات أتفه منها. من ذلك مثلا أنه يشترط لكى يصدق بنبوة الرسول الكريم أن يكون بمقدور الواحد من أصحابه هزيمة ألف من الأعداء، وأن يكون بمقدور الاثنين هزيمة ربوة (أى عشرة آلاف) كاملة، على نفس الشاكلة التى تكفل الله بها فى التوراة لموسى بالنسبة لبنى إسرائيل وتحقق على يد يشوع بن نون كما يقولون. وهذا شرط تافه رقيع كصاحبه لو صح كلامه، وهو ليس صحيحا كما سوف نرى بعد قليل. ثم إن بنى إسرائيل معروفون منذ الأزل بجبنهم وانخلاع قلوبهم، وإلا فلماذا لم نر ذلك منهم فى حروبهم مع محمد، الذى يتهمه هذا الرقيع بأنه نبى كذاب؟ لقد رأيناهم يجبنون أمام المسلمين رغم تفوقهم الهائل بكثرة السلاح ومناعة الحصون التى كانت تحت أيديهم ورغم طنطناتهم بأنه متى لقيهم محمد فى حرب فلسوف يُرُونه أنهم هم الرجال، بيد أنهم ساعة الجِدّ لم يكونوا رجالا ولا نساء ولا حتى أطفالا. والحق أن كلام الرقيع يذكرنى بالنكتة التى تقول إن الرئيس الأمريكى جونسون والزعيم السوفيتى كاسيجن تجادلا يوما أىّ الدولتين هى الدولة الديمقراطية الحقيقية: روسيا أم أمريكا؟ فقال جونسون إن أى مواطن أمريكى يستطيع أن يقف فى أكبر ميدان عام فى أمريكا ويقول بملء فمه: "يسقط جونسون" دون أن يمسه أى سوء. فما كان من كاسيجن إلا أن قال بدوره: وما المشكلة فى ذلك؟ إن أى مواطن سوفيتى يستطيع أن يقف فى أكبر ميدان عام عندنا فى الاتحاد السوفييتى ويهتف بأعلى حسه: "يسقط جونسون" فلا يصيبه أى أذى. ووجه التفاهة والرقاعة فى كلام التافه الرقيع هو أن كل جماعة لها ظروفها وخصوصياتها، وليس المهم أن يحدث لكل منها ما يحدث للأخرى، بل المهم أن ينجح النبى فى بلوغ الغايات العظيمة التى جاء لتحقيقها وأن يستطيع قيادة جماعته لذلك، وهو ما نجح فيه محمد، على حين أن موسى مات دون أن يستطيع دخول الأرض المقدسة لأن الإسرائيليين الجبناء انخلعت قلوبهم ورفضوا أن يرافقوه إلى هناك وقالوا له بكل كفر ووقاحة: "اذهب أنت وربك فقاتلا، إننا ها هنا قاعدون". فهذا هو المحك الحقيقى لا الذى يهرف به ذلك التافه الرقيع. ثم هَلاّ قال لنفسه ذلك الكلام؟ إننا بهذا المقياس يمكننا أن نسد فمه تماما بسؤاله: وماذا عن عيسى عليه السلام؟ ولماذا لم يكن الواحد من أتباعه مؤهَّلاً لهَزْم ألف نفر من أعدائه أو مائة أو عشرة، أو حتى واحد فقط؟ ولماذا يا ترى فرّوا عند أول تجربة، وكأنهم فَصّ ملح وذاب؟ إن محمدا عليه الصلاة والسلام لهو النبى الوحيد صاحب الرسالة العالمية، وهو النبى الوحيد الذى لم تقتصر رسالته على النواحى العقيدية والأخلاقية بل امتدت لتشمل كل أوضاع الحياة، وهو النبى الوحيد الذى نجح فى وضع دعوته ومبادئها وقيمها موضع التطبيق، ولهذا السبب اختاره مايكل هارت الأمريكى أعظم عظماء العالم المائة. وهذا ما نقوله دائما، إلا أن المتخلفين أمثال الكندى لا يفقهون ولا يفهمون. لكن ماذا علينا إذا لم تفهم البقر؟
قلت إن الشرط الذى اشترطه الكذاب المدلس شرط تافه رقيع مثله لو كان صحيحا. والواقع أنه غير صحيح، فإن شيئا من ذلك لم يحدث على عهد يشوع قط، بل استعان يشوع وبنو إسرائيل فى دخول الأرض المقدسة بزانية من الزانيات تدعى: "رِحَاب" وبجاسوسين أخفتهما تلك الزانية فى بيتها مما يعرفه كل من قرأ سفر "يشوع"، فضلا عن أن أعداء بنى إسرائيل قد أوقعوا بهم فى البداية هزيمة مروعة. كما أثبت هؤلاء أن الطبع غلاب، إذ سرق بعضهم بعض ما غنمه المحاربون من بلاد أعدائهم فأمر الله برجمهم أحياء! والإشارة إلى هذا موجودة فى الإصحاح السادس والعشرين من سِفْر "اللاويين" منسوبة إلى الله: "3إِذَا سَلَكْتُمْ فِي فَرَائِضِي وَحَفِظْتُمْ وَصَايَايَ وَعَمِلْتُمْ بِهَا، 4أُعْطِي مَطَرَكُمْ فِي حِينِهِ، وَتُعْطِي الأَرْضُ غَلَّتَهَا، وَتُعْطِي أَشْجَارُ الْحَقْلِ أَثْمَارَهَا، 5وَيَلْحَقُ دِرَاسُكُمْ بِالْقِطَافِ، وَيَلْحَقُ الْقِطَافُ بِالزَّرْعِ، فَتَأْكُلُونَ خُبْزَكُمْ لِلشِّبَعِ وَتَسْكُنُونَ فِي أَرْضِكُمْ آمِنِينَ. 6وَأَجْعَلُ سَلاَمًا فِي الأَرْضِ، فَتَنَامُونَ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُكُمْ. وَأُبِيدُ الْوُحُوشَ الرَّدِيئَةَ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ يَعْبُرُ سَيْفٌ فِي أَرْضِكُمْ. 7وَتَطْرُدُونَ أَعْدَاءَكُمْ فَيَسْقُطُونَ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ. 8يَطْرُدُ خَمْسَةٌ مِنْكُمْ مِئَةً، وَمِئَةٌ مِنْكُمْ يَطْرُدُونَ رَبْوَةً، وَيَسْقُطُ أَعْدَاؤُكُمْ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ". ومع هذا فإن مدينة أريحا، وهى أول مدينة تسقط فى يد الإسرائيليين طبقا لما قاله مؤلفو السفر المذكور، لم تسقط بالسيف بل بالنفخ فى الأبواق حتى سقط سورها ودخلوها. فهذه واحدة، ثم إن هذا النص لا يتفق مع ما قاله الكندى كما يرى القراء لأن الإسرائيليين هنا إنما وُعِدوا أن يهزم الواحد منهم خمسةً (لا ألفًا) كما قال الكذاب، وأن تهزم المائة (لا اثنان) ربوة، أما ما ذكره المدلس فلم يكن وعدا من الله لبنى إسرائيل إذا صدقنا الكلام أصلا، بل كان استنكارا منه سبحانه أن يعتقد هؤلاء الجبناء الخونة العديمو العقل والضمير أنه سبحانه سيجعل الواحد منهم يهزم ألفا، أو الاثنان ربوة، إذ كانوا قد أغضبوه عز وجل وأثاروا غيظه كعادتهم فانصبّ عليهم بصواعق تهديداته وشتائمه وعرّفهم أنه مبدّدهم ومسلط الأمم الأخرى عليهم تذلهم وتفعل بهم الأفاعيل مما يخطر ولا يخطر لهم على بال. وذلك كله موجود فى الإصحاح الثانى والثلاثين وما قبله وبعده من سفر "التثنية". وهذا هو النص المذكور حتى يتيقن القارئ من كذب المدلس الكذاب وتدليسه: "28إِنَّهُمْ أُمَّةٌ عَدِيمَةُ الرَّأْيِ وَلاَ بَصِيرَةَ فِيهِمْ. 29لَوْ عَقَلُوا لَفَطِنُوا بِهذِهِ وَتَأَمَّلُوا آخِرَتَهُمْ. 30كَيْفَ يَطْرُدُ وَاحِدٌ أَلْفًا، وَيَهْزِمُ اثْنَانِ رَبْوَةً، لَوْلاَ أَنَّ صَخْرَهُمْ بَاعَهُمْ وَالرَّبَّ سَلَّمَهُمْ؟ 31لأَنَّهُ لَيْسَ كَصَخْرِنَا صَخْرُهُمْ، وَلَوْ كَانَ أَعْدَاؤُنَا الْقُضَاةَ. 32لأَنَّ مِنْ جَفْنَةِ سَدُومَ جَفْنَتَهُمْ، وَمِنْ كُرُومِ عَمُورَةَ. عِنَبُهُمْ عِنَبُ سَمٍّ، وَلَهُمْ عَنَاقِيدُ مَرَارَةٍ. 33خَمْرُهُمْ حُمَةُ الثَّعَابِينِ وَسَمُّ الأَصْلاَلِ الْقَاتِلُ". وهنا أود أن ألفت نظر القراء الكرام إلى ما قاله الكذاب المدلس بلسانه الذى يستأهل القطع من أن يشوع بن نون حين انتصر على أهل أريحا قد استأصلهم استئصالا: "كان يشوع وقتها يحاصر أريحا، فلما أتى على ذلك سبعة أيام فتحها على غير عقد ولا عهد، فقتل كل من كان فيها من ذكر وأنثى". فهل سمع أحد أن الصحابة قد اعتمدوا يومًا سياسة الاستئصال حين انتصروا على أعدائهم، ودائما ما كانوا ينتصرون على أعدائهم إلا فيما ندر؟ وأرجو ألا ينسى القارئ ما قلته له قبل قليل من أن بنى إسرائيل لم ينتصروا هنا بشجاعتهم، بل ببركة الزانية رحاب والجاسوسين اللذين خبأتهما فى بيتها، وكذلك بالنفخ فى الأبواق حتى انهدم السور. أما حكاية هزيمة الواحد ألفا أو حتى عشرين فأرجوك أن تنساها ولا تشغل نفسك بها، فمعروف أن كلام الليل المدهون بزبدة ما إن يطلع عليه النهار حتى يسيح. وهذا كله لو صدقنا ما كتبه مؤلفو السِّفْر.
وأخيرا لا ينبغى أن يفوتنى أن العدد سبعة يتكرر كثيرا فى حدوتة أريحا هذه. والحمد لله أن لم يجئ ذكر العدد ثلاثة ولو مرة واحدة يتيمة، وإلا ما رحمنا ساعتها البكاش النتاش ولصدَّع رؤوسنا بالكلام عن سر التثليث، وما أدراك؟ وإلى القارئ ما قاله مؤلف السفر فى ذلك الموضوع، وهو متاح لمن يريده فى الإصحاح السادس منه: "1وَكَانَتْ أَرِيحَا مُغَلَّقَةً مُقَفَّلَةً بِسَبَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. لاَ أَحَدٌ يَخْرُجُ وَلاَ أَحَدٌ يَدْخُلُ. 2فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: «انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا وَمَلِكَهَا، جَبَابِرَةَ الْبَأْسِ. 3تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ، جَمِيعُ رِجَالِ الْحَرْبِ. حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. هكَذَا تَفْعَلُونَ سِتَّةَ أَيَّامٍ. 4وَسَبْعَةُ كَهَنَةٍ يَحْمِلُونَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ التَّابُوتِ. وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَالْكَهَنَةُ يَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. 5وَيَكُونُ عِنْدَ امْتِدَادِ صَوْتِ قَرْنِ الْهُتَافِ، عِنْدَ اسْتِمَاعِكُمْ صَوْتَ الْبُوقِ، أَنَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ يَهْتِفُ هُتَافًا عَظِيمًا، فَيَسْقُطُ سُورُ الْمَدِينَةِ فِي مَكَانِهِ، وَيَصْعَدُ الشَّعْبُ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ». 6فَدَعَا يَشُوعُ بْنُ نُونٍ الْكَهَنَةَ وَقَالَ لَهُمُ: «احْمِلُوا تَابُوتَ الْعَهْدِ. وَلْيَحْمِلْ سَبْعَةُ كَهَنَةٍ سَبْعَةَ أَبْوَاقِ هُتَافٍ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ». 7وَقَالُوا لِلشَّعْبِ: «اجْتَازُوا وَدُورُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ، وَلْيَجْتَزِ الْمُتَجَرِّدُ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ». 8وَكَانَ كَمَا قَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ. اجْتَازَ السَّبْعَةُ الْكَهَنَةُ حَامِلِينَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَتَابُوتُ عَهْدِ الرَّبِّ سَائِرٌ وَرَاءَهُمْ، 9وَكُلُّ مُتَجَرِّدٍ سَائِرٌ أَمَامَ الْكَهَنَةِ الضَّارِبِينَ بِالأَبْوَاقِ. وَالسَّاقَةُ سَائِرَةٌ وَرَاءَ التَّابُوتِ. كَانُوا يَسِيرُونَ وَيَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. 10وَأَمَرَ يَشُوعُ الشَّعْبَ قَائِلاً: «لاَ تَهْتِفُوا وَلاَ تُسَمِّعُوا صَوْتَكُمْ، وَلاَ تَخْرُجْ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ كَلِمَةٌ حَتَّى يَوْمَ أَقُولُ لَكُمُ: اهْتِفُوا. فَتَهْتِفُونَ». 11فَدَارَ تَابُوتُ الرَّبِّ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. ثُمَّ دَخَلُوا الْمَحَلَّةَ وَبَاتُوا فِي الْمَحَلَّةِ. 12فَبَكَّرَ يَشُوعُ فِي الْغَدِ، وَحَمَلَ الْكَهَنَةُ تَابُوتَ الرَّبِّ، 13وَالسَّبْعَةُ الْكَهَنَةُ الْحَامِلُونَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ سَائِرُونَ سَيْرًا وَضَارِبُونَ بِالأَبْوَاقِ، وَالْمُتَجَرِّدُونَ سَائِرُونَ أَمَامَهُمْ، وَالْسَّاقَةُ سَائِرَةٌ وَرَاءَ تَابُوتِ الرَّبِّ. كَانُوا يَسِيرُونَ وَيَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. 14وَدَارُوا بِالْمَدِينَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَحَلَّةِ. هكَذَا فَعَلُوا سِتَّةَ أَيَّامٍ. 15وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّهُمْ بَكَّرُوا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَدَارُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ عَلَى هذَا الْمِنْوَالِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ فَقَطْ دَارُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. 16وَكَانَ فِي الْمَرَّةِ السَّابِعَةِ عِنْدَمَا ضَرَبَ الْكَهَنَةُ بِالأَبْوَاقِ أَنَّ يَشُوعَ قَالَ لِلشَّعْبِ: «اهْتِفُوا، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَعْطَاكُمُ الْمَدِينَةَ. 17فَتَكُونُ الْمَدِينَةُ وَكُلُّ مَا فِيهَا مُحَرَّمًا لِلرَّبِّ. رَاحَابُ الزَّانِيَةُ فَقَطْ تَحْيَا هِيَ وَكُلُّ مَنْ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهَا قَدْ خَبَّأَتِ الْمُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْسَلْنَاهُمَا. 18وَأَمَّا أَنْتُمْ فَاحْتَرِزُوا مِنَ الْحَرَامِ لِئَلاَّ تُحَرَّمُوا، وَتَأْخُذُوا مِنَ الْحَرَامِ وَتَجْعَلُوا مَحَلَّةَ إِسْرَائِيلَ مُحَرَّمَةً وَتُكَدِّرُوهَا. 19وَكُلُّ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَآنِيَةِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ تَكُونُ قُدْسًا لِلرَّبِّ وَتَدْخُلُ فِي خِزَانَةِ الرَّبِّ». 20فَهَتَفَ الشَّعْبُ وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَكَانَ حِينَ سَمِعَ الشَّعْبُ صَوْتَ الْبُوقِ أَنَّ الشَّعْبَ هَتَفَ هُتَافًا عَظِيمًا، فَسَقَطَ السُّورُ فِي مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. 21وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. 22وَقَالَ يَشُوعُ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَجَسَّسَا الأَرْضَ: «ادْخُلاَ بَيْتَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ وَأَخْرِجَا مِنْ هُنَاكَ الْمَرْأَةَ وَكُلَّ مَا لَهَا كَمَا حَلَفْتُمَا لَهَا». 23فَدَخَلَ الْغُلاَمَانِ الْجَاسُوسَانِ وَأَخْرَجَا رَاحَابَ وَأَبَاهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا وَكُلَّ مَا لَهَا، وَأَخْرَجَا كُلَّ عَشَائِرِهَا وَتَرَكَاهُمْ خَارِجَ مَحَلَّةِ إِسْرَائِيلَ. 24وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا، إِنَّمَا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ. 25وَاسْتَحْيَا يَشُوعُ رَاحَابَ الزَّانِيَةَ وَبَيْتَ أَبِيهَا وَكُلَّ مَا لَهَا، وَسَكَنَتْ فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهَا خَبَّأَتِ الْمُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْسَلَهُمَا يَشُوعُ لِكَيْ يَتَجَسَّسَا أَرِيحَا. 26وَحَلَفَ يَشُوعُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَائِلاً: «مَلْعُونٌ قُدَّامَ الرَّبِّ الرَّجُلُ الَّذِي يَقُومُ وَيَبْنِي هذِهِ الْمَدِينَةَ أَرِيحَا. بِبِكْرِهِ يُؤَسِّسُهَا وَبِصَغِيرِهِ يَنْصِبُ أَبْوَابَهَا». 27وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يَشُوعَ، وَكَانَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ الأَرْضِ". فهذه إحدى علامات النبوة كما يقول الكندى المزعوم، وقد فرغنا من إثبات أن ما قاله كذب وتدليس لا حقيقة له.
7- وثمة علامة أخرى للنبوة ذكرها عقب ذلك مباشرة، ألا وهى معرفة الغيب. وقد استشهد عليها من الكتاب المقدس قائلا إن "قيسًا أبا شاول ضاعت له أُتُنٌ، فوجَّه ابنه شاول في طلبها، فذهب شاول إلى صموئيل النبي يسأله، فقال له صموئيل قبل أن يخبره شاول خبر ما جاء لأجله: أما الأُتُُن فرجعت إلى بيت أبيك، وأما أبوك فقد شغله الاهتمام بغيبتك عن الأتن. فهكذا تكون شروط النبوة التي هي علم الغيب الماضي وعلم الغيب المستقبل، فتخبر الأنبياءُ عنه وتذكره قبل وقوعه وتعلم حدوثه قبل مجيئه بما يُظْهِر لهم الروح القدس معطي علم الغيب الذي هو نهاية الدلالات على النبوات". هذا ما قاله، والآن إلى التعقيب على ما قال: فأولا من الواضح أن الحس المنطقى عنده مفقود، وهذا جَلِىٌّ من عدم تفرقته بين معرفة الغيب الماضى ومعرفة الغيب المستقبلى، إذ يقول عن الغيبين كليهما إن "الأنبياء تخبر عنه وتذكره قبل وقوعه وتعلم حدوثه قبل مجيئه بما يُظهر لهم الروحُ القدسُ معطي علم الغيب الذي هو نهاية الدلالات على النبوات"، مع أن هذا الكلام لا ينطبق إلا على غيب المستقبل، أما الغيب الماضى فإنه قد وقع وانتهى الأمر، ومن ثم لا يصح أن يقال إن الأنبياء تعلم حدوثه قبل مجيئه. لكن متى كان كنديّنا يفقه شيئا فى "المنطق"؟ وثانيا فإن هذا الكائن قد نزل بالنبوة والأنبياء إلى مرتبة الكهان وضاربى الودع، فكلما ضاعت بقرة أو سُرِقَتْ قطعة حُلِىٍّ ذهب صاحبها إليه يستعين به على معرفة السارق. إن وظيفة النبى قد اتخذت مسارا مختلفا مع مجىء زعيم الأنبياء والمرسلين، إذ يكرر القرآن أن محمدا لا يعلم الغيب رغم أنه كثيرا ما أخبر أصحابه بما سيقع فى المستقبل وما وقع فى الماضى مما لم يكن هو ولا هم يعلمون شيئا عنه. ذلك أنه كان مع ذلك حريصا على أن يُفْهِم الدنيا كلها أنه، وإن ساق إليهم كثيرا من النبوءات، لا يعرف شيئا منها من تلقاء نفسه، بل من الله سبحانه. أما وظيفته الأصلية فهى هداية الضمير وتصويب ما انحرف من العقائد والأخلاق والقيم، وبعث الهمم الراكدة وتنشيط الأرواح الخامدة وهدم الحواجز التى كانت تفصل بين الله والإنسان من كهانة ووساطات، وتيسير الدين بدلا من تعسيره وتَعْنِيتِه كما كان الحال من قبل، وتوسيع نطاقه بحيث يشمل أمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والعلم والثقافة والحرب والسلم ولا يقتصر على العقيدة والأخلاق فحسب، وخلق أمة من العدم ووضع المبادئ والقيم التى أتى بها موضع التطبيق بحيث لا تبقى هذه المبادئ والقيم مجرد حبر على ورق أو كلاما جميلا شاعريا لا يصلح إلا للتشدق به فى المجالس والأندية دون إمكان تنفيذه لأنه يخرج عن نطاق الطبيعة البشرية. ولقد قام محمد بذلك كله خير قيام كما لم يحدث من قبل ولا من بعد على يَدَىْ أىّ نبىٍّ أو مصلحٍ، وتغيَّر مسار الحضارة الإنسانية بفضله أيما تغيير. هذا هو محك النبوة الحقيقى، أما معرفة مصير جاموسة شردت أو بقرة سُرِقَتْ أو أَتَانٍ ولدت فليست هذه مهمة الأنبياء، بل وظيفة قارئى الفنجان وضاربى الودع.
وإذا كان الكندى قد ذكر تنبؤ صمويل بمصير الأتان الشاردة مما يدخل فى مهمة العرافين وقارئى الطالع وما أشبه، فإن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أخبر بكثير من أمور الغيب، لكن ليس من ذلك النوع التافه، بل من أمور الأمم والتاريخ ومصائر الحضارات. ألم يقل القرآن للمسلمين إن دينهم سوف ينتصر على الدين كله؟ ألم يقل للمشركين إنهم سوف ينفقون أموالهم فى محاربة دين الله ثم تكون هذه الأموال عليهم حسرة ثم يُغْلَبون؟ ألم يقل إن الروم، وإن انهزمت الآن من فارس، سوف تعود فتغلب فارس فى بضع سنين؟ ألم يقل القرآن: "سيُهْزَم الجَمْعُ ويُوَلُّون الدُّبُر"؟ ألم يقل عليه السلام لأصحابه عند خروجهم معه إلى غزوة الحديبية إنهم سوف يدخلون المسجد الحرام؟ ألم يقل الرسول إن المسلمين سوف يفتحون قسطنطينية؟ ألم يقل إنهم سوف يأتى عليهم زمان تتكالب الأمم عليهم فيه تكالب الأكلة على قصعتها؟ ألم يتحقق كل هذا بالشعرة؟ ألم يقل القرآن له عليه السلام: "ورفعنا لك ذكرك"؟ فها هو ذا فى كل لحظة من ليل أو نهار ينادَى باسمه من فوق المآذن فى أركان الدنيا الأربعة ويصلِّى عليه كل مسلم كلما ذكره فى كلامه أو ذكره أحد أمامه؟ ألم يلقن اليهودُ مشركى مكة عددا من الأسئلة لإحراج الرسول لم يكن يعرف أحد جوابها إلا هم، فإذا به يجيب عليها جوابا لا يخرّ منه الماء؟ ثم ألم يقل الكتاب المقدس مثلا إن عيسى سوف يسمَّى: "عمانوئيل"، فلم يحدث قط أن ناداه أحد بذلك الاسم؟ ألم يطلب عيسى التين فى غير إبانه؟ فكيف لم يعرف ذلك قبل أن يتطلبه فى التينة؟ والعجيب أنه، بدلا من الإقرار بأنه أخطأ طلب التين فى غير موسمه، يلعن التينة المظلومة فتيبس فى الحال، وكأنها هى المسؤولة عن عدم وجود التين لا سُنَن الكون التى من المفروض أنه هو خالقها أو ابن خالقها!
8- ثم يتكلم الكندى الوغد عن الصراع بين المسلمين واليهود فى المدينة ويُظْهِر الدهشة لأن النبى قد عاقبهم على مؤامراتهم وخياناتهم مبديا مشاعر الأسف والعطف عليهم رغم استحقاقهم ما نزل بهم ورغم أن ما عاقبهم به النبى عليه السلام هو أقل كثيرا مما كانوا يستأهلونه بناء على تشريعات العهد القديم نفسه. فانظر أيها القارئ إلى أى مدى يبلغ نفاق ذلك الرجل! لقد كان يريد أن يقضى اليهود على محمد ودينه ودولته وأتباعه. أما، وقد عجزوا عن ذلك، فإنه يولول ويصرخ كالنسوان متظاهرا بانتصاره للعدل والرحمة، مع أننا رأيناه يدافع بشراسة عما صنعه يوشع بالمدن التى دخلها من استئصال وتحريق وتدمير لا يغارد شيئا إلا محاه من الوجود محوا، بيوتا كان أو بشرا أو حيوانات. ولننظر الآن ما يقوله الإصحاح الرابع والثلاثون من سفر "التكوين" عن التقتيل الذى أوقعه أبناء يعقوب لا بمن اعتدَوْا على عرض أختهم وحدهم بل بكل سكان المدينة، والسَّبْى الذى أخذوه منها والغنائم التى استولَوْا عليها، وما لجأوا إليه فى سبيل ذلك من أساليب الغدر والخيانة: "وَخَرَجَتْ دِينَةُ ابْنَةُ لَيْئَةَ الَّتِي وَلَدَتْهَا لِيَعْقُوبَ لِتَنْظُرَ بَنَاتِ الأَرْضِ، 2فَرَآهَا شَكِيمُ ابْنُ حَمُورَ الْحِوِّيِّ رَئِيسِ الأَرْضِ، وَأَخَذَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَأَذَلَّهَا. 3وَتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِدِينَةَ ابْنَةِ يَعْقُوبَ، وَأَحَبَّ الْفَتَاةَ وَلاَطَفَ الْفَتاةَ. 4فَكَلَّمَ شَكِيمُ حَمُورَ أَبِاهُ قَائِلاً: «خُذْ لِي هذِهِ الصَّبِيَّةَ زَوْجَةً». 5وَسَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ نَجَّسَ دِينَةَ ابْنَتَهُ. وَأَمَّا بَنُوهُ فَكَانُوا مَعَ مَوَاشِيهِ فِي الْحَقْلِ، فَسَكَتَ يَعْقُوبُ حَتَّى جَاءُوا. 6فَخَرَجَ حَمُورُ أَبُو شَكِيمَ إِلَى يَعْقُوبَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ. 7وَأَتَى بَنُو يَعْقُوبَ مِنَ الْحَقْلِ حِينَ سَمِعُوا. وَغَضِبَ الرِّجَالُ وَاغْتَاظُوا جِدًّا لأَنَّهُ صَنَعَ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِمُضَاجَعَةِ ابْنَةِ يَعْقُوبَ، وَهكَذَا لاَ يُصْنَعُ. 8وَتَكَلَّمَ حَمُورُ مَعَهُمَ قَائِلاً: «شَكِيمُ ابْنِي قَدْ تَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِابْنَتِكُمْ. أَعْطُوهُ إِيَّاهَا زَوْجَةً 9وَصَاهِرُونَا. تُعْطُونَنَا بَنَاتِكُمْ، وَتَأْخُذُونَ لَكُمْ بَنَاتِنَا. 10وَتَسْكُنُونَ مَعَنَا، وَتَكُونُ الأَرْضُ قُدَّامَكُمُ. اسْكُنُوا وَاتَّجِرُوا فِيهَا وَتَمَلَّكُوا بِهَا». 11ثُمَّ قَالَ شَكِيمُ لأَبِيهَا وَلإِخْوَتِهَا: «دَعُونِي أَجِدْ نِعْمَةً فِي أَعْيُنِكُمْ. فَالَّذِي تَقُولُونَ لِي أُعْطِي. 12كَثِّرُوا عَلَيَّ جِدًّا مَهْرًا وَعَطِيَّةً، فَأُعْطِيَ كَمَا تَقُولُونَ لِي. وَأَعْطُونِي الْفَتَاةَ زَوْجَةً».13فَأَجَابَ بَنُو يَعْقُوبَ شَكِيمَ وَحَمُورَ أَبَاهُ بِمَكْرٍ وَتَكَلَّمُوا. لأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَجَّسَ دِينَةَ أُخْتَهُمْ، 14فَقَالُوُا لَهُمَا: «لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ هذَا الأَمْرَ أَنْ نُعْطِيَ أُخْتَنَا لِرَجُل أَغْلَفَ، لأَنَّهُ عَارٌ لَنَا. 15غَيْرَ أَنَّنَا بِهذَا نُواتِيكُمْ: إِنْ صِرْتُمْ مِثْلَنَا بِخَتْنِكُمْ كُلَّ ذَكَرٍ. 16نُعْطِيكُمْ بَنَاتِنَا وَنَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِكُمْ، وَنَسْكُنُ مَعَكُمْ وَنَصِيرُ شَعْبًا وَاحِدًا. 17وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لَنَا، أَنْ تَخْتَتِنُوا، نَأْخُذُ ابْنَتَنَا وَنَمْضِي».18فَحَسُنَ كَلاَمُهُمْ فِي عَيْنَيْ حَمُورَ وَفِي عَيْنَيْ شَكِيمَ بْنِ حَمُورَ. 19وَلَمْ يَتَأَخَّرِ الْغُلاَمُ أَنْ يَفْعَلَ الأَمْرَ، لأَنَّهُ كَانَ مَسْرُورًا بِابْنَةِ يَعْقُوبَ. وَكَانَ أَكْرَمَ جَمِيعِ بَيْتِ أَبِيهِ. 20فَأَتَى حَمُورُ وَشَكِيمُ ابْنُهُ إِلَى بَابِ مَدِينَتِهُِمَا، وَكَلَّمَا أَهْلَ مَدِينَتِهُِمَا قَائِلِينَ: 21«هؤُلاَءِ الْقَوْمُ مُسَالِمُونَ لَنَا. فَلْيَسْكُنُوا فِي الأَرْضِ وَيَتَّجِرُوا فِيهَا. وَهُوَذَا الأَرْضُ وَاسِعَةُ الطَّرَفَيْنِ أَمَامَهُمْ. نَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِهِمْ زَوْجَاتٍ وَنُعْطِيهِمْ بَنَاتِنَا. 22غَيْرَ أَنَّهُ بِهذَا فَقَطْ يُواتِينَا الْقَوْمُ عَلَى السَّكَنِ مَعَنَا لِنَصِيرَ شَعْبًا وَاحِدًا: بِخَتْنِنَا كُلَّ ذَكَرٍ كَمَا هُمْ مَخْتُونُونَ. 23أَلاَ تَكُونُ مَوَاشِيهِمْ وَمُقْتَنَاهُمْ وَكُلُّ بَهَائِمِهِمْ لَنَا؟ نُواتِيهِمْ فَقَطْ فَيَسْكُنُونَ مَعَنَا». 24فَسَمِعَ لِحَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنِهِ جَمِيعُ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ، وَاخْتَتَنَ كُلُّ ذَكَرٍ. كُلُّ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ25فَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِذْ كَانُوا مُتَوَجِّعِينَ أَنَّ ابْنَيْ يَعْقُوبَ، شِمْعُونَ وَلاَوِيَ أَخَوَيْ دِينَةَ، أَخَذَا كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ وَأَتَيَا عَلَى الْمَدِينَةِ بِأَمْنٍ وَقَتَلاَ كُلَّ ذَكَرٍ. 26وَقَتَلاَ حَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَخَذَا دِينَةَ مِنْ بَيْتِ شَكِيمَ وَخَرَجَا. 27ثُمَّ أَتَى بَنُو يَعْقُوبَ عَلَى الْقَتْلَى وَنَهَبُوا الْمَدِينَةَ، لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا أُخْتَهُمْ. 28غَنَمَهُمْ وَبَقَرَهُمْ وَحَمِيرَهُمْ وَكُلَُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ وَمَا فِي الْحَقْلِ أَخَذُوهُ. 29وَسَبَوْا وَنَهَبُوا كُلَّ ثَرْوَتِهِمْ وَكُلَّ أَطْفَالِهِمْ، وَنِسَاءَهُمْ وَكُلَّ مَا فِي الْبُيُوتِ. 30فَقَالَ يَعْقُوبُ لِشَمْعُونَ وَلاَوِي: «كَدَّرْتُمَانِي بِتَكْرِيهِكُمَا إِيَّايَ عِنْدَ سُكَّانِ الأَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِيِّينَ، وَأَنَا نَفَرٌ قَلِيلٌ. فَيَجْتَمِعُونَ عَلَيَّ وَيَضْرِبُونَنِي، فَأَبِيدُ أَنَا وَبَيْتِي». 31فَقَالاَ: «أَنَظِيرَ زَانِيَةٍ يَفْعَلُ بِأُخْتِنَا؟»".
ولننظر كذلك العقوبات التى أمر الله موسى أن يوقعها بنو إسرائيل بالمديانيين لا لشىء إلا لأن بعض نساء المديانيين قد زَنَيْنَ مع بعض الإسرائيليين، وهذه العقوبات موجودة فى الإصحاحين الخامس والعشرين والحادى والثلاثين على الترتيب من سفر "العدد": "1وَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي شِطِّيمَ، وَابْتَدَأَ الشَّعْبُ يَزْنُونَ مَعَ بَنَاتِ مُوآبَ. 2فَدَعَوْنَ الشَّعْبَ إِلَى ذَبَائِحِ آلِهَتِهِنَّ، فَأَكَلَ الشَّعْبُ وَسَجَدُوا لآلِهَتِهِنَّ. 3وَتَعَلَّقَ إِسْرَائِيلُ بِبَعْلِ فَغُورَ. فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ. 4فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ جَمِيعَ رُؤُوسِ الشَّعْبِ وَعَلِّقْهُمْ لِلرَّبِّ مُقَابِلَ الشَّمْسِ، فَيَرْتَدَّ حُمُوُّ غَضَبِ الرَّبِّ عَنْ إِسْرَائِيلَ». 5فَقَالَ مُوسَى لِقُضَاةِ إِسْرَائِيلَ: «اقْتُلُوا كُلُّ وَاحِدٍ قَوْمَهُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِبَعْلِ فَغُورَ».6وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَ وَقَدَّمَ إِلَى إِخْوَتِهِ الْمِدْيَانِيَّةَ، أَمَامَ عَيْنَيْ مُوسَى وَأَعْيُنِ كُلِّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ بَاكُونَ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 7فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الْكَاهِنُِ، قَامَ مِنْ وَسَطِ الْجَمَاعَةِ وَأَخَذَ رُمْحًا بِيَدِهِ، 8وَدَخَلَ وَرَاءَ الرَّجُلِ الإِسْرَائِيلِيِّ إِلَى الْقُبَّةِ وَطَعَنَ كِلَيْهِمَا، الرَّجُلَ الإِسْرَائِيلِيَّ وَالْمَرْأَةَ فِي بَطْنِهَا. فَامْتَنَعَ الْوَبَأُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. 9وَكَانَ الَّذِينَ مَاتُوا بِالْوَبَإِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا. 10فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 11«فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الْكَاهِنُِ قَدْ رَدَّ سَخَطِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِكَوْنِهِ غَارَ غَيْرَتِي فِي وَسَطِهِمْ حَتَّى لَمْ أُفْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِغَيْرَتِي. 12لِذلِكَ قُلْ: هأَنَذَا أُعْطِيهِ مِيثَاقِي مِيثَاقَ السَّلاَمِ، 13فَيَكُونُ لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِيثَاقَ كَهَنُوتٍ أَبَدِيٍّ، لأَجْلِ أَنَّهُ غَارَ ِللهِ وَكَفَّرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ». 14وَكَانَ اسْمُ الرَّجُلِ الإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي قُتِلَ مَعَ الْمِدْيَانِيَّةِ، زِمْرِيَ بْنَ سَالُو، رَئِيسَ بَيْتِ أَبٍ مِنَ الشِّمْعُونِيِّينَ. 15وَاسْمُ الْمَرْأَةِ الْمِدْيَانِيَّةِ الْمَقْتُولَةِ كُزْبِيَ بِنْتَ صُورٍ، هُوَ رَئِيسُ قَبَائِلِ بَيْتِ أَبٍ فِي مِدْيَانَ. 16ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 17«ضَايِقُوا الْمِدْيَانِيِّينَ وَاضْرِبُوهُمْ، 18لأَنَّهُمْ ضَايَقُوكُمْ بِمَكَايِدِهِمِ الَّتِي كَادُوكُمْ بِهَا فِي أَمْرِ فَغُورَ وَأَمْرِ كُزْبِي أُخْتِهِمْ بِنْتِ رَئِيسٍ لِمِدْيَانَ، الَّتِي قُتِلَتْ يَوْمَ الْوَبَإِ بِسَبَبِ فَغُورَ»"، " وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 2«اِنْتَقِمْ نَقْمَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمِدْيَانِيِّينَ، ثُمَّ تُضَمُّ إِلَى قَوْمِكَ». 3فَكَلَّمَ مُوسَى الشَّعْبِ قَائِلاً: «جَرِّدُوا مِنْكُمْ رِجَالاً لِلْجُنْدِ، فَيَكُونُوا عَلَى مِدْيَانَ لِيَجْعَلُوا نَقْمَةَ الرَّبِّ عَلَى مِدْيَانَ. 4أَلْفًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ تُرْسِلُونَ لِلْحَرْبِ». 5فَاخْتِيرَ مِنْ أُلُوفِ إِسْرَائِيلَ أَلْفٌ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ. اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مُجَرَّدُونَ لِلْحَرْبِ. 6فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى أَلْفًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ إِلَى الْحَرْبِ، هُمْ وَفِينْحَاسَ بْنَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ إِلَى الْحَرْبِ، وَأَمْتِعَةُ الْقُدْسِ وَأَبْوَاقُ الْهُتَافِ فِي يَدِهِ. 7فَتَجَنَّدُوا عَلَى مِدْيَانَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ. 8وَمُلُوكُ مِدْيَانَ قَتَلُوهُمْ فَوْقَ قَتْلاَهُمْ: أَوِيَ وَرَاقِمَ وَصُورَ وَحُورَ وَرَابعَ. خَمْسَةَ مُلُوكِ مِدْيَانَ. وَبَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ قَتَلُوهُ بِالسَّيْفِ. 9وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلاَكِهِمْ. 10وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ. 11وَأَخَذُوا كُلَّ الْغَنِيمَةِ وَكُلَّ النَّهْبِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، 12وَأَتَوْا إِلَى مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَإِلَى جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَالْغَنِيمَةِ إِلَى الْمَحَلَّةِ إِلَى عَرَبَاتِ مُوآبَ الَّتِي عَلَى أُرْدُنِّ أَرِيحَا. 13فَخَرَجَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَكُلُّ رُؤَسَاءِ الْجَمَاعَةِ لاسْتِقْبَالِهِمْ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ. 14فَسَخَطَ مُوسَى عَلَى وُكَلاَءِ الْجَيْشِ، رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ الْمِئَاتِ الْقَادِمِينَ مِنْ جُنْدِ الْحَرْبِ. 15وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: «هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟ 16إِنَّ هؤُلاَءِ كُنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، حَسَبَ كَلاَمِ بَلْعَامَ، سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ فِي أَمْرِ فَغُورَ، فَكَانَ الْوَبَأُ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. 17فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. 18لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. 19وَأَمَّا أَنْتُمْ فَانْزِلُوا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَتَطَهَّرُوا كُلُّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا، وَكُلُّ مَنْ مَسَّ قَتِيلاً، فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَفِي السَّابعِ، أَنْتُمْ وَسَبْيُكُمْ. 20وَكُلُّ ثَوْبٍ، وَكُلُّ مَتَاعٍ مِنْ جِلْدٍ، وَكُلُّ مَصْنُوعٍ مِنْ شَعْرِ مَعْزٍ، وَكُلُّ مَتَاعٍ مِنْ خَشَبٍ، تُطَهِّرُونَهُ».21وَقَالَ أَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ لِرِجَالِ الْجُنْدِ الَّذِينَ ذَهَبُوا لِلْحَرْبِ: «هذِهِ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ مُوسَى: 22اَلذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ وَالْقَصْدِيرُ وَالرَّصَاصُ، 23كُلُّ مَا يَدْخُلُ النَّارَ، تُجِيزُونَهُ فِي النَّارِ فَيَكُونُ طَاهِرًا، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ بِمَاءِ النَّجَاسَةِ. وَأَمَّا كُلُّ مَا لاَ يَدْخُلُ النَّارَ فَتُجِيزُونَهُ فِي الْمَاءِ. 24وَتَغْسِلُونَ ثِيَابَكُمْ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ فَتَكُونُونَ طَاهِرِينَ، وَبَعْدَ ذلِكَ تَدْخُلُونَ الْمَحَلَّةَ». 25وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 26«أَحْصِ النَّهْبَ الْمَسْبِيَّ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، أَنْتَ وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَرُؤُوسُ آبَاءِ الْجَمَاعَةِ. 27وَنَصِّفِ النَّهْبَ بَيْنَ الَّذِينَ بَاشَرُوا الْقِتَالَ الْخَارِجِينَ إِلَى الْحَرْبِ، وَبَيْنَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ. 28وَارْفَعْ زَكَاةً لِلرَّبِّ. مِنْ رِجَالِ الْحَرْبِ الْخَارِجِينَ إِلَى الْقِتَالِ وَاحِدَةً. نَفْسًا مِنْ كُلِّ خَمْسِ مِئَةٍ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ. 29مِنْ نِصْفِهِمْ تَأْخُذُونَهَا وَتُعْطُونَهَا لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ رَفِيعَةً لِلرَّبِّ. 30وَمِنْ نِصْفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَأْخُذُ وَاحِدَةً مَأْخُوذَةً مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ، وَتُعْطِيهَا لِلاَّوِيِّينَ الْحَافِظِينَ شَعَائِرَ مَسْكَنِ الرَّبِّ».31فَفَعَلَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. 32وَكَانَ النَّهْبُ فَضْلَةُ الْغَنِيمَةِ الَّتِي اغْتَنَمَهَا رِجَالُ الْجُنْدِ: مِنَ الْغَنَمِ سِتَّ مِئَةٍ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ أَلْفًا، 33وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ أَلْفًا، 34وَمِنَ الْحَمِيرِ وَاحِدًا وَسِتِّينَ أَلْفًا، 35وَمِنْ نُفُوسِ النَّاسِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ، جَمِيعِ النُّفُوسِ اثْنَيْنِ وَثَلاَثِينَ أَلْفًا. 36وَكَانَ النِّصْفُ نَصِيبُ الْخَارِجِينَ إِلَى الْحَرْبِ: عَدَدُ الْغَنَمِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَسَبْعَةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ. 37وَكَانَتِ الزَّكَاةُ لِلرَّبِّ مِنَ الْغَنَمِ سِتَّ مِئَةٍ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ، 38وَالْبَقَرُ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا، وَزَكَاتُهَا لِلرَّبِّ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، 39وَالْحَمِيرُ ثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، وَزَكَاتُهَا لِلرَّبِّ وَاحِدًا وَسِتِّينَ، 40وَنُفُوسُ النَّاسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَزَكَاتُهَا لِلرَّبِّ اثْنَيْنِ وَثَلاَثِينَ نَفْسًا. 41فَأَعْطَى مُوسَى الزَّكَاةَ رَفِيعَةَ الرَّبِّ لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. 42وَأَمَّا نِصْفُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي قَسَمَهُ مُوسَى مِنَ الرِّجَالِ الْمُتَجَنِّدِينَ: 43فَكَانَ نِصْفُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الْغَنَمِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَسَبْعَةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، 44وَمِنَ الْبَقَرِ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا، 45وَمِنَ الْحَمِيرِ ثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، 46وَمِنْ نُفُوسِ النَّاسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا. 47فَأَخَذَ مُوسَى مِنْ نِصْفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمَأْخُوذِ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ، وَأَعْطَاهَا لِلاَّوِيِّينَ الْحَافِظِينَ شَعَائِرَ مَسْكَنِ الرَّبِّ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. 48ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مُوسَى الْوُكَلاَءُ الَّذِينَ عَلَى أُلُوفِ الْجُنْدِ، رُؤَسَاءُ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءُ الْمِئَاتِ، 49وَقَالُوا لِمُوسَى: «عَبِيدُكَ قَدْ أَخَذُوا عَدَدَ رِجَالِ الْحَرْبِ الَّذِينَ فِي أَيْدِينَا فَلَمْ يُفْقَدْ مِنَّا إِنْسَانٌ. 50فَقَدْ قَدَّمْنَا قُرْبَانَ الرَّبِّ، كُلُّ وَاحِدٍ مَا وَجَدَهُ، أَمْتِعَةَ ذَهَبٍ: حُجُولاً وَأَسَاوِرَ وَخَوَاتِمَ وَأَقْرَاطًا وَقَلاَئِدَ، لِلتَّكْفِيرِ عَنْ أَنْفُسِنَا أَمَامَ الرَّبِّ». 51فَأَخَذَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ الذَّهَبَ مِنْهُمْ، كُلَّ أَمْتِعَةٍ مَصْنُوعَةٍ. 52وَكَانَ كُلُّ ذَهَبِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي رَفَعُوهَا لِلرَّبِّ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا وَسَبْعَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ شَاقِلاً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ الْمِئَاتِ. 53أَمَّا رِجَالُ الْجُنْدِ فَاغْتَنَمُوا كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ. 54فَأَخَذَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ الذَّهَبَ مِنْ رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَالْمِئَاتِ وَأَتَيَا بِهِ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ تَذْكَارًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَامَ الرَّبِّ".
وفى الإصحاح الأول من سفر "صموئيل الأول" نقرأ مثالا آخر من سلوك بنى إسرائيل مع الآخرين فى أمور الحرب والعقاب: "1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا». 4فَاسْتَحْضَرَ شَاوُلُ الشَّعْبَ وَعَدَّهُ فِي طَلاَيِمَ، مِئَتَيْ أَلْفِ رَاجِل، وَعَشَرَةَ آلاَفِ رَجُل مِنْ يَهُوذَا. 5ثُمَّ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى مَدِينَةِ عَمَالِيقَ وَكَمَنَ فِي الْوَادِي. 6وَقَالَ شَاوُلُ لِلْقَيْنِيِّينَ: «اذْهَبُوا حِيدُوا انْزِلُوا مِنْ وَسَطِ الْعَمَالِقَةِ لِئَلاَّ أُهْلِكَكُمْ مَعَهُمْ، وَأَنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ مَعْرُوفًا مَعَ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ صُعُودِهِمْ مِنْ مِصْرَ». فَحَادَ الْقَيْنِيُّ مِنْ وَسَطِ عَمَالِيقَ. 7وَضَرَبَ شَاوُلُ عَمَالِيقَ مِنْ حَوِيلَةَ حَتَّى مَجِيئِكَ إِلَى شُورَ الَّتِي مُقَابَِلَ مِصْرَ. 8وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيًّا، وَحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ. 9وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا. 10وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ قَائِلاً: 11«نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي». فَاغْتَاظَ صَمُوئِيلُ وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ. 12فَبَكَّرَ صَمُوئِيلُ لِلِقَاءِ شَاوُلَ صَبَاحًا. فَأُخْبِرَ صَمُوئِيلُ وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى الْكَرْمَلِ، وَهُوَذَا قَدْ نَصَبَ لِنَفْسِهِ نَصَبًا وَدَارَ وَعَبَرَ وَنَزَلَ إِلَى الْجِلْجَالِ». 13وَلَمَّا جَاءَ صَمُوئِيلُ إِلَى شَاوُلَ قَالَ لَهُ شَاوُلُ: «مُبَارَكٌ أَنْتَ لِلرَّبِّ. قَدْ أَقَمْتُ كَلاَمَ الرَّبِّ». 14فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «وَمَا هُوَ صَوْتُ الْغَنَمِ هذَا فِي أُذُنَيَّ، وَصَوْتُ الْبَقَرِ الَّذِي أَنَا سَامِعٌ؟» 15فَقَالَ شَاوُلُ: «مِنَ الْعَمَالِقَةِ، قَدْ أَتَوْا بِهَا، لأَنَّ الشَّعْبَ قَدْ عَفَا عَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. وَأَمَّا الْبَاقِي فَقَدْ حَرَّمْنَاهُ». 16فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «كُفَّ فَأُخْبِرَكَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ إِلَيَّ هذِهِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ لَهُ: «تَكَلَّمْ». 17فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «أَلَيْسَ إِذْ كُنْتَ صَغِيرًا فِي عَيْنَيْكَ صِرْتَ رَأْسَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ وَمَسَحَكَ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، 18وَأَرْسَلَكَ الرَّبُّ فِي طَرِيق وَقَالَ: اذْهَبْ وَحَرِّمِ الْخُطَاةَ عَمَالِيقَ وَحَارِبْهُمْ حَتَّى يَفْنَوْا؟ 19فَلِمَاذَا لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ ثُرْتَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَعَمِلْتَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ؟». 20فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِ الرَّبِّ وَذَهَبْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَرْسَلَنِي فِيهَا الرَّبُّ وَأَتَيْتُ بِأَجَاجَ مَلِكِ عَمَالِيقَ وَحَرَّمْتُ عَمَالِيقَ. 21فَأَخَذَ الشَّعْبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ غَنَمًا وَبَقَرًا، أَوَائِلَ الْحَرَامِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْجِلْجَالِ». 22فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. 23لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ».24فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ وَكَلاَمَكَ، لأَنِّي خِفْتُ مِنَ الشَّعْبِ وَسَمِعْتُ لِصَوْتِهِمْ. 25وَالآنَ فَاغْفِرْ خَطِيَّتِي وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ». 26فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «لاَ أَرْجعُ مَعَكَ لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ». 27وَدَارَ صَمُوئِيلُ لِيَمْضِيَ، فَأَمْسَكَ بِذَيْلِ جُبَّتِهِ فَانْمَزَقَ. 28فَقَالَ لَهُ صَمُوئِيلُ: «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. 29وَأَيْضًا نَصِيحُ إِسْرَائِيلَ لاَ يَكْذِبُ وَلاَ يَنْدَمُ، لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا لِيَنْدَمَ». 30فَقَالَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. وَالآنَ فَأَكْرِمْنِي أَمَامَ شُيُوخِ شَعْبِي وَأَمَامَ إِسْرَائِيلَ، وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ إِلهِكَ». 31فَرَجَعَ صَمُوئِيلُ وَرَاءَ شَاوُلَ، وَسَجَدَ شَاوُلُ لِلرَّبِّ. 32وَقَالَ صَمُوئِيلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ». فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَجَاجُ فَرِحًا. وَقَالَ أَجَاجُ: «حَقًّا قَدْ زَالَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ». 33فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «كَمَا أَثْكَلَ سَيْفُكَ النِّسَاءَ، كَذلِكَ تُثْكَلُ أُمُّكَ بَيْنَ النِّسَاءِ». فَقَطَعَ صَمُوئِيلُ أَجَاجَ أَمَامَ الرَّبِّ فِي الْجِلْجَالِ. 34وَذَهَبَ صَمُوئِيلُ إِلَى الرَّامَةِ، وَأَمَّا شَاوُلُ فَصَعِدَ إِلَى بَيْتِهِ فِي جِبْعَةِ شَاوُلَ. 35وَلَمْ يَعُدْ صَمُوئِيلُ لِرُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ، لأَنَّ صَمُوئِيلَ نَاحَ عَلَى شَاوُلَ. وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ".
والآن فلنقارن ما صنعه الرسول الكريم مع اليهود بما تأمرهم به شريعتهم أن يصنعوه مع الأمم الأخرى فى أمور أهون مما فعلوه مع المسلمين بمراحل ومراحل بحيث لا يوجد فى الواقع أى وجه للمقارنة لا بين الجُرْمَيْن ولا بين العقابين. ومع هذا يتباكى الأفاق كالنساء نفاقا وتظاهرا بالرقة والشفقة، وإنما هو الكيد لمحمد عليه الصلاة والسلام ولدينه! ولقد يقال إن عيسى عليه السلام لم يكن يعاقب أحدا، بل كان يدعو للتسامح. لكن ينبغى ألا ننسى أنه عليه السلام لم يكن فى يده أية سلطة حتى يقال إنه كان يتبع سياسة العفو، إذ العفو لا يكون إلا عن قدرة، وهو لم يكن يملك أية سلطة تخوّله معاقبة الجناة والمعتدين، لأنه لم يكن حاكما ولا حتى قاضيا، بل كان مجرد داعية. ومع هذا فقد قال بصريح اللفظ إنه إنما أُرْسِل بالسيف والنار وإثارة البيت الواحد بعضه على بعض. كل ما فى الأمر أنه لم يكن قد مر وقت كاف لتحوله وأتباعه من تلقى الأذى إلى الرد عليه بمثله كما تقضى الطبيعة البشرية وأوضاع العمران وقوانينه فى كل مكان وزمان، وإلا فسدت الأرض وطغى فيها المجرمون وتكبروا وبَغَوْا وقتلوا الأبرياء وسرقوهم واغتصبوا أموالهم وممتلكاتهم واعتدَوْا على نسائهم وأخرجوهم من بلادهم وبيوتهم كما يحلو لهم. ولقد صبر النبى محمد وأتباعه فى مكة على مدى ثلاثة عشر عاما لا ثلاثة فقط كما هو الوضع فى حالة عيسى، عليهما جميعا الصلاة والسلام، كما أن النبى العربى لم يكن ينتقم لنفسه قط، فهو أكبر من ذلك تماما، بل كان يعمل على حماية الدولة الناشئة والأمة البازغة التى تنوشها الرياح وتتعاروها السيوف والسهام والرماح من كل جانب، وبخاصة من قِبَل الخونة الغدارين من يهود، أولئك الذين عاملهم أعظم معاملة وسوى بينهم وبين المسلمين وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم ومعابدهم واحترم إنسانيتهم وحريتهم، إلا أنهم أثبتوا أنهم لا يتعلمون الدرس أبدا، فأخذوا منذ اللحظة الأولى يتآمرون عليه ويحرّضون المشركين على حربه ويسخرون منه ومن دينه، وهو يغضى عنهم، وإذا اضْطُرّ لمعاقبتهم اكتفى، فى حالة الجريمة الفردية، بالتخلص من المجرم وحده فى هدوء كيلا يثير فتنة أكبر، وينتهى كل شىء فى السر كما كان المجرم يرتكب خيانته فى السر، أما فى حالة الجريمة الجماعية فكان يكتفى بإخراجهم من بين أَظْهُر المسلمين إلى مكان آخر وحرمانهم من بعض أموالهم... إلى أن وقعت الواقعة فى غزوة الأحزاب واقترفوا جريمة الخيانة العظمى السافرة وخططوا مع الأحزاب للقضاء عليه وعلى الدين الذى جاء به والدولة التى بناها بشِقّ الأََنْفُُس، فلما سقطوا حوكموا. وبالمناسبة فهم الذين اختاروا قاضيهم بأنفسهم، وهو سعد بن معاذ، فكان أن حكم عليهم بقتل حَمَلة السلاح منهم، أى المتآمرين الذين كانوا يعملون على تدمير الدولة والأمة الناشئة، أما الأولاد والنساء فيُسْبَوْن. وهو، كما ترى، حكم أخف كثيرا جدا مما تأمرهم به شريعتهم فى معاقبة الأمم الأخرى على أشياء لا تساوى شيئا بجانب ما اجترحوه من جرائم شنيعة! ولو كان الرسول قد عاملهم بشريعتهم لكان قد استأصلهم منذ البداية بمجرد اجتراح أى واحد منهم جريمة فى حق المسلمين، لكنه عليه السلام صبر عليهم طويلا وسامحهم كثيرا وعاقبهم فى البداية عقوبات هينة أقرب إلى التدليل منها إلى ما كانوا يؤمنون به ويمارسونه فى دينهم من عقاب. فلم التباكى الكاذب إذن والتظاهر الثعلبى الخبيث بالشفقة على المجرم واتهام صاحب الحق بالقسوة؟ ألا إن هذا لَقَلْبٌ للوضع برُمّته رأسا على عقب، ووضعٌ للهزل فى موضع لا يصلح فيه الهزل فى قليل أو كثير، إذ نحن أمام مصير دولة وأمة، وفى حروبٍ عَوَانٍ ومؤامرات بشعة خسيسة تريد أن تقضى على الأخضر واليابس، لا فى مباراة للتسلية!
9- ويتناول الكندى بعد ذلك ما أصاب الرسول الكريم فى غزوة أُحُدٍ من جروح، ويعدّها دليلا على أنه ليس نبيا، وإلا لكلّف الله ملائكته بوقايته من الأذى الذى أصابه. وهو كلام آخر مضحك، إذ إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يدّع يوما أنه محصَّن من الأوجاع والآلام والجروح. كما أن نبى الله يحيى قد قُتِل وقُطِعت رأسه وقُدِّمَتْ رخيصة على صحنٍ إرضاء لراقصة عاهرة فى مشهد مأساوى مرعب كما نعلم جميعا، فلماذا لم يسأل الكندىُّ الأجربُ العقلِ والضميرِ نفسَه عن السبب الذى منع الملائكة من التدخل لحماية يحيى من هذا المصير البشع؟ ولماذا، ما دامت الملائكة لم تتدخل من أجله، لم ينف هو نبوته كما نفى نبوة محمد لمجرد إصابته بجروح فى أُحُد؟ على أنْ ليس يحيى هو وحده من بين الأنبياء الذى قُتِل، بل قُتِل أيضا زكريا بن برخيَّا بين الهيكل والمذبح. ومرة أخرى ليس زكريا ويحيى هما وحدهما من بين الأنبياء اللذين قُتِلا، بل قُتِل كذلك عيسى عليه السلام حسبما ورد فى الكتاب المقدس، وإن كنا نحن المسلمين لا نؤمن بذلك ونكفّر من يقول به. فلماذا لم يتساءل عن السبب فى أن الله لم يكلف ملائكته منع جريمة قتله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا، وقد وقعت الجريمة ولم يحم الله عيسى، لم ينف عنه فطّاسُنا السخيفُ النبوةَ (والألوهية أيضا) مثلما أنكر على الرسول العظيم أن يكون نبيا لمجرد إصابته ببعض الجروح فى معركة حربية لا تُعَدّ الجروح التى أصابته أثناءها شيئا ذا بال على الإطلاق؟ نعم بعض الجروح التى ليست بشىء فى مقابل الصلب والقتل والشتم والبصق والضرب بالحربة فى الجنب والسخرية المرة فى حالة عيسى عليه الصلاة والسلام، ومن ثم صياحه الرهيب الذى يقطع نياط القلوب. ومرة أخرى ليس عيسى ويحيى وزكريا هم وحدهم من بين الأنبياء الذين قُتِلوا، بل قُتِل أنبياءُ آخرون غيرهم طبقا لكلام المسيح الذى سبَّ فيه بنى إسرائيل وهددهم بمصير أسود من قرن الخروب كما جاء فى الكلام المنسوب إليه صلى الله عليه وسلم: ""9وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ، 30وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ. 31فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. 32فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. 33أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ 34لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، 35لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. 36اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هذَا الْجِيلِ! 37«يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! 38هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا. 39لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!»" (متى/ 24)! وهو ما قاله أيضا القرآن الكريم حين تحدث، فى أكثر من موضع منه، عن قتل اليهود للنبيين بغير حق. أما محمد فقد تكفل الله بعصمته من الناس كما ورد فى الآية السابعة والستين من سورة "المائدة"، فلم يستطع أحد أن يَخْلُص إليه رغم كثرة الحروب التى خاضها، ورغم كثرة المتآمرين عليه من منافقين ويهود ومشركين كراهيةً منهم للنور الباهر الذى أتى به، ورغم أنه لم يكن يتحصن وراء الأسوار ولا كان يتخذ الجلاوزة ليصدوا عنه الناس.
يقول الدكتور نظمى لوقا، بشىء من التصرف، فى كتابه: "وامحمداه" (دار الحمامى للطباعة/ القاهرة/ 1960م/ 37- 38)، الذى خصصه للدفاع عن سيد الأنبياء والمرسلين ضد أمثال الكندى المنافق الكذاب إن "منطق المفترين على الرسول العربى هو بعينه منطق الأكذوبة: اكذب ثم اكذب. لا تحصر همك فى مستوى واحد من الافتراء. لا تقتصد فى المزاعم. هل يسخطك أن يؤمن ناس بصدق محمد؟ لا تكن غشيما يا صاح! لا تكتف بتجريح رسالته، ولا تقف عند القول بأنه ليس برسول، يل ليكن مرماك أبعد من هذا. ليكن مرماك تشويه سمعته باعتباره إنسانا من البشر، فمن ليس كفئا للاحترام من حيث هو رجل من آحاد الناس لن يكون كفئا لحمل أمانة الرسالة والنهوض بشرف الهداية. قل فى شخص محمد وأَعِدْ، ولا تتحرج ولا تقتصد، ولا تتقيد بدليل، ولا تأبه بتفنيد، واسْتَغِلَّ غفلة الغافلين وجهالة الجاهلين وتحيز المغرضين، فلا مأرب لك فى نصرة إلا نصرتهم. لن يسألوك على الباطل برهانا، وحسبك ما تشقى به سخائمهم إفكا وبهتانا"!
10- ومن بين تلك الأكاذيب التى يرددها الأفاقون أعداء محمد عليه الصلاة والسلام ويتشبث بها صاحبنا الكندى كما يتشبث الكلب الأجرب بعظمة بين أسنانه لا يتركها أبدا، زواجه صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين. يقول المجرم الأفاق: "فأما ما كان بينه وبين زينب بنت جحش امرأة زيد فإني أكره ذكر شيء منها إجلالاً لقدر كتابي هذا عن ذكرها، غير أني آتي بشيء مما حكاه في كتابه الذي يقول إنه نزل عليه من السماء إذ يقول: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَّوَجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهُ مَفْعُولاً مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (سورة الأحزاب/ 37- 38)". ظريفٌ والله هذا الأفاق! لقد بلغ من حيائه أنه لا يريد أن يتكلم فى هذا الموضوع، وكأنه يتجنب مسألة مفحشة لا يصح تناولها على الملإ، وليس زواجا طبيعيا شرعيا ليس فيه شىء البتة مما يُسْتَحَى منه، اللهم إلا عند الشواذ: شواذ العقل والضمير والجسد، إذ ماذا فى زواجه عليه الصلاة والسلام من زينب؟ وماذا فى الآية القرآنية التى ساقها هنا؟ لا شىء. نعم لا شىء بالمرة، وإلا لما تورع أن يبدئ فى الأمر ويعيد، من الصباح للمساء، ومن المساء للصباح! وأكمل أنا الأمر فأقول: إنهم يكذبون فيقولون أولا: كيف يقدم محمد على التزوج من امرأة ابنه؟ رغم أن زينب لم تكن زوجة ابنه، لسبب بسيط جدا، وهو أنه لم يكن له آنذاك ابن أصلا ولا كان له فى أى يوم من الأيام ابن بلغ مبلغ الأزواج، لأن أولاده الذكور ماتوا كلهم وهم أطفال صغار. إلا أن الأفاقين المنافقين الذين سيشويهم الله شيًّا فى نار الجحيم يتابعون الجاهليين على فهمهم وظنهم أن وضع الابن بالتبنى هو نفسه وضع الابن الحقيقى. وحتى لو كان الأمر كذلك لقد نزل القرآن قبل تلك الحادثة بما يمحو ذلك الفهم الجاهلى ويبين للمسلمين أنه لا يحق للمسلم أن يستلحق به ولدا ليس من صلبه، بل لا بد أن ينسب ذلك الولد إلى أبيه. فإذا سددنا هذه الثغرة ولم يجدوا بابا يَلِجُون منه إلى الزراية على عميد النبيين عادوا فقالوا: ولكنه كان يشتهيها، ولذلك أخذها من زيد. وهذا أيضا كذب مبين وتدليس شنيع، فإنه عليه السلام لم يأخذها من زيد، بل حين سمع من زيد أنه ينوى طلاقها قال له: "أمسك عليك زوجك، واتق الله". لكن زيدا مضى فطلقها لأن العشرة بينهما أصبحت مستحيلة، إذ لم تكن زوجته تحبه وتجد غضاضة فى أن يكون زوجها عبدا سابقا ومن قبيلةٍ أقلَّ شرفا من قبيلتها. سيقولون إن محمدا رآها ذات يوم فى مباذلها، وقد ذهب يسأل عن زيد فوقعت فى نفسه موقعا. ونحن نقول: فليكن ما تقولونه صحيحا، ولكن ماذا كان رد فعله صلى الله عليه وسلم عندما رآها فى مباذلها؟ هل دخل وراءها البيت فى غياب الزوج ليتمتع ولو بالحديث معها على انفراد؟ والجواب: أبدا، فهذا لم يحدث. إذن ماذا فعل؟ يقولون إنه انصرف وهو يردد بينه وبين نفسه: سبحان مقلب القلوب! ونسأل نحن بدورنا: وماذا فى هذا؟ أليس ذلك دليلا على إيمانه بربه حتى إنه ليذكره فى ذلك الموقف الذى لا تَرَوْن فيه من دليل إلا أنه رجل شهوانى؟ وهكذا يظلون يثيرون الاتهامات ويفترعون الأقاويل، ونحن وراءهم نسألهم عن دلالة كل شىء ينسبونه إليه صلى الله عليه وسلم إلى أن يتضح للقارئ أن الأمر لا يعدو أن يكون زوبعة فى فنجان. ونحن نزيدهم من الشعر بيتا بل أبياتا ونقول: وحتى لو كانت قد وقعت من نفسه موقعا، فماذا فى ذلك؟ ماذا فى أن يرى الرجل منا امرأة جميلة فتقع من نفسه موقعا؟ أوكان يتجسس عليها أو يعمل على اللقاء بها وهى تتمنع عليه؟ أوكان يراودها عن نفسها؟ أوشرع يخطط عقب ذلك لينال منها فى الحرام ما يبغيه الرجل من المرأة؟ أأرسل إليها يستقدمها إلى بيته وزنى بها؟ أتآمر على رجلها وقتله بدم بارد وضمها إلى حريمه غير شاعر بأية خالجة ندم كأى بلطجى حقير؟ أبدا أبدا. إذن ما الذى فى تصرف النبى عليه السلام فى ذلك الموضوع مما يمكن تناوله بلسان المنتقد؟ لا شىء، لا شىء بالمرة! أما قوله تعالى: "وتخشى الناس، والله أحق أن تخشاه"، فهو خوفه صلى الله عليه وسلم من كلام العرب حديثى العهد بالجاهلية أن يقولوا إنه تزوج امرأة ابنه، لكن كان للسماء موقف آخر، إذ لا بد أن يبدأ أحد الأشخاص بكسر هذا الحظر الذى أكسبه الزمن رسوخا لا يقبل المراء، فشاءت السماء أن يكونه محمد، فنفذّه عليه السلام على مرارته. وفى "فتح البارى" لابن حجر: "عن السدي بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوِّجها زيدَ بن حارثة مولاه فكرهت ذلك. ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوّجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: "تزوج امرأة ابنه"، وكان قد تبنى زيدا".
أما الذى لابد من محاسبته وفضحه ولَوْك سيرته فى العالمين فهو مَنْ كتب مؤلفو العهد القديم عنه ما يلى: "1وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْمُلُوكِ، أَنَّ دَاوُدَ أَرْسَلَ يُوآبَ وَعَبِيدَهُ مَعَهُ وَجَمِيعَ إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرَبُوا بَنِي عَمُّونَ وَحَاصَرُوا رِبَّةَ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَأَقَامَ فِي أُورُشَلِيمَ. 2وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا. 3فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟». 4فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. 5وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». 6فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ». فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. 7فَأَتَى أُورِيَّا إِلَيْهِ، فَسَأَلَ دَاوُدُ عَنْ سَلاَمَةِ يُوآبَ وَسَلاَمَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الْحَرْبِ. 8وَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ. 9وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. 10فأَخْبَرُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟» 11فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُدَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجعَ مَعَ امْرَأَتِي؟ وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ، لاَ أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ». 12فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضًا، وَغَدًا أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. 13وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. 14وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوبًا إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. 15وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». 16وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. 17فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا. 18فَأَرْسَلَ يُوآبُ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ. 19وَأَوْصَى الرَّسُولَ قَائِلاً: «عِنْدَمَا تَفْرَغُ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ الْمَلِكِ عَنْ جَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ، 20فَإِنِ اشْتَعَلَ غَضَبُ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَكَ: لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْقِتَالِ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ مِنْ عَلَى السُّورِ؟ 21مَنْ قَتَلَ أَبِيمَالِكَ بْنَ يَرُبُّوشَثَ؟ أَلَمْ تَرْمِهِ امْرَأَةٌ بِقِطْعَةِ رَحًى مِنْ عَلَى السُّورِ فَمَاتَ فِي تَابَاصَ؟ لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ السُّورِ؟ فَقُلْ: قَدْ مَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا».22فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَدَخَلَ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِكُلِّ مَا أَرْسَلَهُ فِيهِ يُوآبُ. 23وَقَالَ الرَّسُولُ لِدَاوُدَ: «قَدْ تَجَبَّرَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ وَخَرَجُوا إِلَيْنَا إِلَى الْحَقْلِ فَكُنَّا عَلَيْهِمْ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ. 24فَرَمَى الرُّمَاةُ عَبِيدَكَ مِنْ عَلَى السُّورِ، فَمَاتَ الْبَعْضُ مِنْ عَبِيدِ الْمَلِكِ، وَمَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا». 25فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّسُولِ: « هكَذَا تَقُولُ لِيُوآبَ: لاَ يَسُؤْ فِي عَيْنَيْكَ هذَا الأَمْرُ، لأَنَّ السَّيْفَ يَأْكُلُ هذَا وَذَاكَ. شَدِّدْ قِتَالَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْرِبْهَا. وَشَدِّدْهُ».26فَلَمَّا سَمِعَتِ امْرَأَةُ أُورِيَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أُورِيَّا رَجُلُهَا، نَدَبَتْ بَعْلَهَا. 27وَلَمَّا مَضَتِ الْمَنَاحَةُ أَرْسَلَ دَاوُدُ وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَصَارَتْ لَهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا. وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ". ومع ذلك فإن الأفاقين الكذابين لا يجدون فى سلوك داود هنا ما يمكن أن يؤاخَذ عليه، ويجدون فى السلوك الطاهر النقى الذى صدر عن محمد العيب كل العيب! أليس الله قد غفر لداود وأصبح قريبا منه سبحانه كما يقولون ويبررون؟ لكن لماذا لم يغفر الله لمحمد هو أيضا هذا الــ... هذا الماذا؟ والله لا أدرى، فإنه لم يرتكب شيئا يمكن أن يؤاخَذ عليه أيا ما تكن الزاوية التى ننظر منها إليه! أم ترى الإله الذى تؤمنون به أيها الأوغاد إلها مخلول العقل، فهو يغفر للمجرم القرارى مستبيح الأعراض الوالغ فى الدماء البريئة الوفية، ولا يتسامح مع الرجل الذى يتزوج بامرأة على سنة الله ورسوله ويخشاه ولا ينسى ذكره أبدا فى أى موقف من المواقف؟ يا حرام! فانظر أيها القارئ إلى أولئك المجرمين الوقحين وكيف تلتوى ضمائرهم التواء لا يمكن إصلاحه أبدا! وأخيرا فلست أظننى فى حاجة إلى أن أقول إن المسلمين لا يثقون بما يقوله مخترعو العهد القديم فى حق نبى الله داود، بل يَرَوْنه شُنْعًا لا يُقْبَل أبدا بل كفرًا بَوَاحًا، بَيْدَ أننى أردت أن آخذ الكذابين المنافقين بما فى كتابهم مما لا يمكنهم المجادلة فيه! هذا، ولا أتكلم عن يهوذا وامرأة ابنه الحقيقى وزناه بها وليس زواجه منها، ولا عن مضاجعة لوط لابنتيه بعد أن سقتاه خمرا ونامتا معه الواحدة بعد الأخرى وحبلهما منه، ولا عن نشيد الأناشيد الذى نظمه فى زعمهم القذر مثلهم سليمان بن داود (ومن شابه أباه فما ظلم!) مما يعجز تماما أبو نواس ونزار قبانى أن يكتبا شعرا مثله فى العهر والفحش والإغراء بالفجور، ولا ولا ولا، فالله حليم ستار.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر