أضيف في 12 فبراير 2018 الساعة 20:25

الإلهاء بين الثقافة و السلطة


رشيد اليملولي

الإلهاء بين الثقافة و السلطة .

يعد الترفيه ثقافة تصبو إليها المجتمعات ، لإعادة التوازن للنفس و فن العيش ، بغية العيش بفن ، و غالبا ما تكون هذه الثقافة الترفيهية نبراسا لتقويم ما اعوج و تقييم ما طال النفس من كدرات و عاديات الزمن و النفس و دواخلهما العميقة ، التي تحفر الأحزان و أنهار المآسي ، و تحويل الإنسان إلى كابوس يرعد و يزبد ، ينفعل لأتفه الأشياء و الأسباب ، و المحصلة إهدار الطاقة النفسية ، و نقل الإيجابي منها إلى طاقة تدميرية تأتي على الجميل و القبيح ، حيث تقمع ما تراه حسنا و تجمل ما تراه قبيحا .

و إذا كان الترفيه سمة ملازمة للوجود الإنساني ، بها استطاع تجديد و تنويع طاقته و خياله المبدع ، فإن هذه القيمة سرعان ما انتقلت إلى سلطة مرهونة بهواجس الدولة و المؤسسات التابعة لها ؛ إذ بنت بها الدولة بعضا من نسيجها الاجتماعي و السياسي و الثقافي ، الذي يتوسل بها لمواجهة القوى المحتجة و الرافضة و المشاكسة ، و التقليل من جدواها و فعاليتها ، بغية بناء قاعدة اجتماعية و و سياسية تلعب دور الاحتياطي النمطي ، هدفها العام عدم ممالأة السلطة و الطعن في شرعيتها حتى لا نقول مشروعيتها ، التي أضحت غائبة في ظل الممارسة السياسية و الاجتماعية ، و أصبحت تعمد إلى كل الأساليب الضامنة لها خارج القواعد المؤسساتية و الحقوقية .

تحول إذن الترفيه من قيمة جمالية و أخلاقية و تربوية إلى ثقافة سلطة ، على منوالها تحاك و تنسج الذهنيات و العقليات ، و راتقت إلى " فلسفة " قائمة الذات في إنبات و استنبات الرموز القائمة ، التي لها سلطة التوجيه و التربية و التقويم و الأغرب صناعة النموذج و القدوة على مقاس يخدم هذا الاتجاه و التربية الرمتبطة به .

إن الخط التحريري و الشبكة الترفيهية للقنوات الوطنية ، و بغض النظر عن الاختلافات ، ترتع في نمط ترفيهي واحد ، يقدس اللهو عوض الترفيه ، و يرى في الثقافة الشعبية رافدا من روافد المتعة " الماجنة " حتى لا نقول الثقافة المعبرة عن اللاوعي العالم ، إذ هي ثقافة المجتمعات البدوية و الرعوية و المدينية على السواء وجدت فيها نوعا من الشخصية و الأسلوب المعبر عن الوجود ، و المقاومة الدالة على الحق في الذوق و التعبير ذد أشكال العنت أكان سياسيا أو طبيعيا ( الخص أو الجفاف مثلا ) ، و الاضطهاد الممارس على هذه العينة من السكان ( العيطة و الظاهرة الغيوانية مثلا ) ، و التعبير عن الأحاسيس الجياشة و الجميلة .

لقد ميعت القنوات الوطنية الأغنية الشعبية ، و أردتها تعبيرا عن البذخ و الإلهاء و تمرير اللذة ، و " الزهو " بالتعبير الدارج المغربي ، بعد أن كانت تعبيرا ثقافيا عن البادية و قيمها ، و أداة من أدوات الممانعة ضد الاستعمار ( العروصي ـ الحاجة الحمداوية و غيرها ) .

تبلغ التفاهة و التبسيط و الاختزال في الثقافة الترفيهية قمتها و سموها ، في القناة الثانية من خلال برنامجي " رشيد شو " و " كيف كنت كوليتي " . يتعلق الأمر هنا بستوى معين من التفكير ، و نمط من تنزيل و مقتضيات هذا التفكير ، و لا يخص بتاتا و مطلقا الحق في الاختلاف و الحرية في التعبير . ينضح البرنامجان بدرجة كبيرة من التبسيط و الاختزال ، إلى مستوى كبيرا جدا في التشابه في القيمة التواصلية ، و الرسالة الترفيهية ؛ حيث يعمدان إلى بناء علاقة وهمية مع التلقي ، بالاقتصار فرضا و قسرا على الممتع و الجميل و الرائع في الشخصية المستضافة ، و إن اتخذت أشكالا متباينة في البرنامجين معا ، الرسالة المراد تبليغها ليست في قيمة السعي و النضال من أجل الوصول إلى الهدف ، و إنما تبسيط الوعي بها ، حيث تتكامل كل الأدوات و الآليات من أجل صناعة وهم فرجوي ، تغيب في الثقافة الترفيهية و التواصلية ، لصالح العابر منها و العادي الذي يصل إلى درجة الضحالة ، و هنا يصدح المقدمان عن رصيد معرفي و تواصلي ضعيف يفسر بطبيعة الأسئلة و نوعها و مستواها ، حيث يتم الاكتفاء بالبسيط و المتعارف عليه ، الذي لا يورط و لا يستفز و لا يوغل في معرفة الشخص المستضاف ، بغية تمرير رسالة ترفيهية أو تربوية أو نضالية قيمية في كيفية الترقي و الوصول إلى الهدف و الصعاب التي اعترضته وواكبت مسيرته ، و غالبا ما يستقي المقدمان مادتهما الإعلامية في محاورة ضيوفهما على ما تجود به قنوات التواصل الاجتماعي ، دون الحفر في الثقافة الشعبية و الفكاهية و محاولة رفع الحوار ـ التواصل ، إلى سدة الإقناع عوض الترفيه العابر ، الذي يقتصر عادة على نماذج لعب الهدف منها في الغالب تزجية الوقت ، و التذكير بفضل القناة على الضيوف في إطار المن ، هذا و إن عد الأمر ترفيها فهو عكس ذلك ، إذ لا يوحي بأي مرجعية ترفيهية اللهم الإلهاء ، و استقطاب المناصرين المتقاسمين للإعجاب و الهرولة نحو تحقيق مكاسب معينة من خلال ذلك .

و في جانب موازي ، تكاد السمة المميزة لطبيعة الضيوف تتشابه إلى حد التطابق عبر الاقتصار على عينة محددة تتمثل في بعض " رموز " الغناء و التمثيل و في أحيان قليلة على بعض الإعلاميين ، فهل يحصر المجتمع المغربي فقط في هذه العينة ؟ و هل يختزل تنوعه في الغناء و التمثيل دون باقي الفئات و الشخصيات القروية و الحضرية منها ؟ ، بل و ما معنى الاقتصار على المناظر و المشاهد الداخلية دون الحلقة و الأسواق مثلا في تقديم المادة الترفيهية إن جاز لنا تسميتها ترفيها ؟ .

إن التركيز على نمط معين في الضيوف ، إن لم يكن فيه بعض من " الخبث " في اقتناء الضيوف دون آخرين ( تكرر حضور دنيا باطمة ـ ابتسام تسكت مثلا مرات عديدة ) ، يحيل رمزيا و تربويا على رسالة معينة ظن تبتغي تكريس و ترسيخ وعي محدد بها ، ألا و هو بناء النماذج و القدوة على مقاس دبر بليل ، و إغفال أنماط أخرى من الوجود الاجتماعي و الثقافي للمغاربة ، و بهذا يتحول الترفيه في هذا المقام إلى سلطة بالمعنى الفلسفي ، يراد بها توجيه الذوق و الوعي و استثماره في توسيع دائرة المريدين و المنتفعين و المستفيدين و الاحتياطي ، الدال على تلغيم الاختلاف و الحق الشرعي في وسائل أخرى للتربية و التقويم ، و تقديم البدائل ، بل إن " المؤسسات " الإعلامية الرسمية انخرطت في تربية الذوق على المقاس ، و تحويل الحوار و التواصل و القيم المرتبطة بهما ، من الوعي الثقافي و الحقوقي بالفكاهة و الترفيه و الثقافة الشعبية ، إلى وعي بالضحالة و التفاهة و التنويم ، و إغماط الحق في الاختلاف تحت مسمى الترفيه و الإضحاك و اللعب ، و كل هذه الأدوات و الأساليب إن دلت على شيء ، فإنما تدل على إرادة معينة في احتكار سلطة التوجيه و التربية ، و نقل مسار توجه المجتمع من قيم الخلق و الإبداع و احترام الاختلاف فيهما ، إلى مرتع خصب لنمو و تعايش القيم السلبية الدالة على تسريع وثيرة الترقي الاجتماعي ، خارج قواعد الفكاهة السوداء و الترفيه في البناء ، و الثقافة الشعبية الموحية المفضية إلى مجتمع يحتل فيه الترفيه قيمة تربوية لا تحيد عن باقي القيم التربوية الأخرى كالفن و التعلم و السياسة .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :