أضيف في 9 فبراير 2018 الساعة 23:38

الناقدة التشكيلية خيرة جليل :حين تصبح اللوحة وطنا رغما عن الاغتراب: تجربة التشكيلي السوري احمد الأنصاري


خيرة جليل

إن مراعاة الشخصية الثقافية، بكل عاداتها وتقاليدها وتاريخها بكل آلامه وآماله ، بكل أفراحه وخيباته- بنيتها الفكرية وكيفية تشكيلها لتمثلاتها وتصوراتها، لطبيعة مخيالها بمعزل عن المحيط الوطني أو العالمي...لن يؤدي إلا إلى الاحساس بالاختناق، وتكريس اللامبالاة ، وحفر هو سحيقة بين الكائن المبدع ومحيطه، والذات المبدعة وموضوعها، وتلك أقصى حالات الاغتراب التي تجرد الكائن من الفعل وتحوله إلى رد فعل يهدد باستمرار كل أمن ثقافي. وهو الذي لن يتأتى بدايته إلا بتشجيع المبدعين الحقيقيين واحتضان مشاريعهم الإبداعية وتسويق منتوجهم الفكري والفني في إطار هيكلة الاهتمام بالسياحة الثقافية والمبادرات الفردية التشكيلية الخلاقة. إذ يستحيل الانتماء إلى الفسيفساء الثقافي العالمي إلا بالإضافة النوعية للمنتوج الوطني الأصيل، فلا كونية بلا محلية، ولا محلية دون الاعتناء بجذورها و مراعاة خصوصيتها الثقافية بكل عاداتها وتقاليدها وتاريخها بكل آلامه وآماله. بهذا فقانون القراءة يفرض حسب الكاتب المغربي موليم العروسي :" تحمل اللوحة خطابا معينا وللوصول إلى ذلك فإنها تستعمل وسائل وطرائق نسميها التقنية أو اللغة التشكيلية، علينا إذن أن نميط اللثام عن هذه اللغة "وللنفاذ إلى ذلك يجب التوقف عند ثلاثة مواضيع جمالية: مشكلة المنشأ،ومشكلة الجسد ومشكلة اللون عند الفنان التشكيلي أحمد الأنصاري كانطلاقة أولى لدراسة لوحاته .فكيف تعامل الفنان مع هذه المقومات التشكيلية ؟ أين تتجلى بصمته التشكيلية؟


"فإذا اعتبرنا أن التشكيل لغة الروح ولا يمكن فهمها إلا بالروح، يمكننا كذلك القول إن التشكيل كلغة عالمية مشتركة بين الجميع لا تخضع لمنطق الجنسية أو الدين أو العرق هي لغة سلام بامتياز قادرة على محو الحدود وتخطي الحواجز. ولهذا يمن الاحساس بها وليس فهمها.لان كل عمل تشكيلي هو يتوجه للمباشر لأنه ليس أحرفا هجائية أدبية . فهي لغة أحرفها وحركاتها هي الأشكال والألوان حيث جميع الأرواح الإنسانية تجد نفسها فيها " 1


التشكيلي أحمد الأنصاري تشكيلي سوري مقيم حاليا بالسعودية، ولد بالبادية وترعرعت بمدينة الحسكه إحدى المحافظات السورية النائية ، تذوق فن الرسم من مرحلته الإعدادية. بدأ يخط أولى ملامح بداياته التشكيلية من أجواء أسرته وبيئته.... فنانا عصاميا استطاع بناء نفسه بنفسه وشق طريقه رغم الإكراهات المالية والاجتماعية بالوسط العربي الجاحد الفنان العصامي الذي يكافح من اجل الدراسة اثباث الذات. بدأ بالواقعية ليعبر عن عواطف وهموم ،ونظرا ثقته في نفسه وقدراته الفنية استعان بإيمانه وثقته في خالقه فجعل من لوحاته رحلة علاج نفسي ومنبع سعادة وطموح لغد أفضل. كانت لوحاته في بدايته الفنية مصدر قوته الروحية ليشتغل لفترة بتدريس الفنون التشكيلية مما منحه تراكم معرفي وثقافي في هذا المجال ورغم اشتغاله فيما بعد بالمحاماة لم يتخلى عن هوايته وقارب نجاته الروحي ألا وهو الفن التشكيلي في المدرسة الواقعية الانطباعية.التعامل مع لوحاته سفر في كينونة الفنان ووقوف عن عتبات روحية في حياته. أعماله مستلهمة من حياته الصاخبة بالأحداث والمستجدات الاجتماعية والسياسية.تتميز بأنها أعمال كتومة وصارخة في نفس الوقت، جريئة لكن بلمسة فنية محتشمة تمنحها صرخة متحررة تشد المتأمل لها وتقحمه في المسالة الفكرية ليصبح متلقيا متفاعلا مع موضوع اللوحة وتقنيتها وجرأتها في آن واحد. ذاكرته الفنية تعج بالحركة والحركية وبزخم تراثي بدوي غني ومحاكاة للطبيعة السورية بشكل دقيق.


في تحليله لبعض الأعمال التشكيلية يصرح بأن: الأسود ملك الألوان بلا منازع. الألوان كثيرة متنوعة ومختلفة برونقها وجاذبيتها لكن مهما كان اللون باهتا بلمسة سوداء سيتألق جمالا وبإضافة سحرية للون الأسود سيبهر الأنظار بروعته وتأثيره صحياً الأسود يعني لا لون، فالأسود يمتص الضوء وهو معروف عنه دوره في الحماية، فهو يخفي كل شيء، ويظلل أعضاء الجسم يريحها ويبعث على الاسترخاء.....مما يجعلنا نطرح سؤال واضح: هل فعلا الأسود يبعث الاسترخاء أم الفنان يعبر عن ذلك مجازا؟


إذا عدنا للدلالة اللونية وكيف تعامل الفنان مع كتلته اللونية ومع الإسقاط الضوئي وعلاقتهما بما يصرح هو به في علاقة مع تيمات اللوحات . سنجد أكيد أن الفنان تعامل مع مواضع لوحاته وطريقة إنشائها وتوزيع كتلتها اللونية بطريقة ذكية جدا. تقنيا فالمتأمل للوحاته يحس وكأنها محاكاة رقمية لصور التقطت بآلة تصوير محترفة. تغيب فيها الضربات اللونية للفرشاة وتغيب الحدود بين الكتل ويكون الانتقال سلسا ومريحا للعين رغم انه يعطي إحساس تصويري آلي للذهن . سنستخلص أن الفنان يرى كان اللوحات تسكنها أرواح ترفرف وتنتقل بين الكتل ويحاول أن يجعل عبورها مريحا. هو لا يريد أن يفصح عن تخوفه من آلة التصوير لأنه يتقن كيفية تلاعبها بالكتلة الضوئية داخل الغرفة السوداء. لكنه يحاول أن يتلاعب بالألوان المضيئة الأصلية والتركيبية والمشتقة ليفصح عن حبه لأشخاص مروا من حياته أو شاركوه إياها ويفتقدهم إلى درجة الجنون كأنه يجعل الفضاء التشكيلي قطعة من جنته المفقودة التي يلتقي فيها بأحبته وأقاربه وحبيبته وكل من يفتقد في حياته اليومية . لكن يخاف من هذا الوضوح في التعبير عن عواطفه وتخوفاته وهمومه وسط مجتمع عربي محافظ ما زال يعتبر الرجولة في عدم التحدث عن العواطف وعن خبايا الروح....يدخل قليلا من الأسود الذي هو لون حيادي أو قليلا من اللون الأزرق الغامق الذي يبتلع كل الألوان ليحولها لألوان مركبة كالأخضر أو البنفسجي أو الأزرق بمختلف درجاته كرمز لبحر النسيان أو لعبة النسيان وأحيانا للون البني كرمز للذاكرة المكانية والبناء العتيق الذي يقاوم الزمن والنسيان. ومن هنا ندرك أن الفنان تلاعب بذكاء تقني آلي في ضرباته اللونية بالأسود ليحتفظ لنفسه بجزء من الخصوصية والغموض عن الآخر الذي دائما يحركه عامل الفضول أكثر من عامل الإبداع. هذا الجزء من عدم الوضوح والغموض النسبي يمنحه راحة نفسية تمكنه من التصالح مع ذاته ونفسه ليحقق توازنا بين همومه وتطلعاته واحتياجاته وتقنين علاقته بالآخر في حدود وهمية مع كتلة السواد أو ظلال الألوان الأخرى كنوع من الحزن الدفين الذي يسكن الذاكرة المبدعة التي تعلن انهزامها أمام اللمسة الجمالية التي يضفيها السواد على اللوحة. فندرك مجازا انه يعترف ضمنيا أن لولا أحزانه و نكبات الزمان وذكرياته مع أحبته وكل ما يتعلق بماضيه ما كانت لوحاته بهذا الجمال الفني مصرحا بذلك وبشكل لا إرادي في العديد من المرات قائلا:هل ستتلألأ النجوم لتخطف أبصارنا بروعتها؟ هل ستبهرنا أضواء الشموع بدون سواد الظلام؟ هل سيظهر جمال المدن بأضوائها الرائعة دون سواد الليل؟


لوحاته دائما تؤثتها وجوه نسائية رغم اختلاف تيماتها وألوانها ، مما يعبر عن افتقاده لأشخاص لعبوا دورا مهما في سعادته وطفولته. في اغلب الأحيان بعد خلفية الألوان يظهر وجه أنثوي شاب ، وكلنا نعلم أن رمزية الاستعمال للأنثى في الفكر الإنساني منذ الأزل يرمز إلى الحياة والخصب والعطاء سواء عند الإغريق أو الفينيقيين أو الامازيغ : أفرويديت و سيريس عند الإغريق أو إيزيس أو عشتار وقد ترمز إلى بلده الأصلي سوريا كذاكرة جماعية تعبر عن الوطن ، أو عن الأم أو الأخت أو الزوجة أو الحبيبة ....وجوه أنثوية يفتقدها في حياته أو تطل عليه من نافذة الشوق لتؤنس وحدته أو تدفأ قلبه الموجع من هجرة الوطن أو فقدان غالي، كما أعاد للأنثى مكانتها الإنسانية والفنية في الإبداع ليعترف أن إحياء قلب موجع هو في حد ذاته صدقة من خلال بعض لوحاته.ومع ذلك نلاحظ نوعا من الغموض ما بين العينين في وجه هذه الأنثى رغم الرضى، وهو ما يترجم لمسة الحزن وهذا يذكرنا بنظرة الموناليزا مما يترجم اغتراب الذات المبدعة في ظل الألوان بكتل متداخلة كخلفية اللوحة، مما يحيلنا على أنه رغم تلاعبه الذكي بالكتلة اللونية والضوء وتمكنه من أدواته وتحكمه بالشكل التشكيلي فان الذات المبدعة مازالت تعيش اغتراب المكان والذات...


عموما وكما أشرت سابقا في كتابي النقدي: جمالية التطبيق وإشكالية التوثيق...إن تطوير الفن التشكيلي يخضع عموما لنفس الشروط التي يجب توفرها في كل فن من ثقافة ومحيط وإمكانيات مادية. كما يعتبر رافدا أساسيا للتربية الجمالية والإحساس الراقي بأهمية الإبداع، لتصبح رسالة الفن التشكيلي الراقي والمتجدد أنجع واقصر السبل لإيصال وترسيخ قيم الجمال والتنظيم والتواصل مع الأشياء والمحيط كواقع و ابتكار طرق للحوار مع الواقع المعاش والذي يبقى البشر المحرك المركزي له، وقد نجح إلى حد كبير الفنان التشكيلي أحمد الأنصاري في ذلك بانزياحه الإبداعي الذي تجلى في تحكمه بتقنياته التشكيلية التي توحي بالتشكيل الرقمي لترجمة أحاسيسه ونقل آلامه وأفكاره إلى لوحات مميزة تشبه إلى حد ما تجربة الفنان الطدجكستاني زكير صبيروفيتش رغم أنهما لا يعرفان بعضهما البعض بتاتا.....الناقدة خيرة جليل


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب