أضيف في 7 فبراير 2018 الساعة 17:23

العلمانية قيمة غير كونية ولا مطلقة


نورالدين البودلالي

     القيم نسبية، متعددة ومتنوعة، ومضامينها تختلف بحسب الزمان والمكان. إنها –القيم- تتمتع بوجود فعلي بكل المجتمعات الإنسانية، إذ حيثما كان هناك فعل تربوي ثمة قيمة، تقوّم حياتها الاجتماعية وتنظّم العلاقات داخلها، لكنها تتميز بكونها تختلف من مجتمع لآخر، بل وداخل نفس المجتمع. إنها في العموم تتشكل من ثنائيات: الفضيلة والرذيلة، الحسن والقبيح، وعموما الحكم ونقيضه. زد على ذلك أن ما يعتبره مجتمع ما فضيلة، أو لنقل قيمة إيجابية، لا تكون كذلك بالنسبة لآخر: أكل لحم الخنزير، مثلا، بين اليهود والمسلمين وبين غيرهم. القيمة ليست معرفة يحصلها الفرد، إنها قول وفعل يرضاه منك وسطك المجتمعي وحجة على استدخال مُثله، فالوفاء والشجاعة والتسامح... قيم تتجسد من خلال سلوكات وأفعال، ولا يكفي أن تكون معرفة يستحسنها الواحد دون أن يمارسها.

     من المعلوم أن المؤسسات التعليمية تعمل جاهدة على جعل روادها يستدخلون عددا من القيم الأصيلة والمستحدثة عبر تحصيل واكتساب المعرفة التعليمية. ونقصد بالاستدخال أي جعلها لبنة أساسية من مكونات الشخصية للشخصية الأساس.

     نقرأ في متصفح المعاني: القِيَم هي الفضائل الدِّينيّة والخُلقيّة والاجتماعيّة التي تقوم عليها حياة المجتمع الإنسانيّ؛ وهي في اللغة جمع قيمة، أي ما له قدر وثمن، وهي أيضا المستقيم والمعتدل وما يقبل التقويم؛ أما من حيث الاصطلاح فهو الحكم الذي يصدره الانسان على شيء منارته في ذلك مجموع المبادئ والمعايير المقبولة والسلوك المرجو.

     نقرأ كذلك في الكتاب الأبيض أن في مجال القيم المؤطرة للبرامج والمناهج التربوية المغربية هناك الثابت والمتحول فرضتها " ظروف معينة في زمن معين"، ويؤكد على أن هذه المناهج تهدف إلى "المساهمة في تكوين شخصية مستقلة ومتوازنة ومتفتحة للمتعلم المغربي، تقوم على معرفة دينه وذاته، ولغته وتاريخ وطنه وتطورات مجتمعه".

      وبإطلالة سريعة على أدبيات التربية المدرسية الفرنسية سنجدها تضع كأولى أولويات قيم المدرسة قيمة العلمانية*. ومنذ فيري والمنظرون التربويون الفرنسيون يضعون قيمة العلمانية، التي تدعو إلى فصل المجال الديني عن المجال السياسي، مَثَل أعلى لا ينبغي التهاون في تحقيقه وترسيخه لدى الفرد الفرنسي. هذا التأكيد الملحاح لا نجده في إنجلترا ولا ألمانيا ولا إيطاليا ولا حتى أمريكا. أكثر من ذلك إن دولا تابعة لنظام الحكم الفرنسي كجزر المارتينيك، مثلا، تجد صعوبة كبرى في ترسيخ قيمة العلمانية وقيم أخرى تطبع المؤسسة المدرسية الفرنسية.

     ليس هناك غرابة في الأمر إذا اقتنعنا أن المجتمع وتاريخ تطوره محددان أساسيان للقيم السائدة. أكثر من ذلك، الأنثروبولوجيا الثقافية برهنت أن القيم تتنوع بتنوع الثقافات، وأن فرض قيم مجتمع على آخر إنما يدخل في عداد الاستعمار الثقافي والفكري. وإني لأجد من المقرف أن يدافع المغربي عن فكرة، كالعلمانية مثلا، دون أن يفعل سوى أن ينقل، على شاكلة تقطيع-إلصاق، دون القدرة على ملاءمة النظرية مع واقع المجتمع الذي أُدخلت إليه بفعل الاستعمار بشتى أنواعه، بل ولا حتى إغناء ذات النظرية أو التأكد تجريبيا بملاءمتها لمجتمع غريب عنها. من جهة أخرى، أكد الدكتور علي أومليل أن قيمة التسامح، كقيمة يُدافَع عنها إنسانيا تماما كالعلمانية(!)، ليست قيمة محايدة، إذ بحجتها استعمرت دول دولا واستنزفتها.

     على الرغم من أن عددا من المنظرين التربويين الفرنسيين، كميريوه وهوساي ودوفولاي وغيرهم، سيعترفون بكون قيمة العلمانية ليست كونية، ولا يمكنها بالتالي أن تكون مطلقة، إلا أنهم يعودون دوما إلى تأكيد ضرورة جعلها مثال أعلى بالنسبة للإنسانية لاقترانها بقيم أخرى كالحرية والعدالة وغيرها. مسألة طبيعية بالنسبة للفرنسيين ما داموا يدافعون عن نظام بأكمله يخص التدبير الشأن السياس لدولتهم والدول التي سيادتهم هي سيادة الدولة الفرنسية. لا ننسى أيضا الجدل الواسع الذي دار، ولا يزال يدور، بين المحدثين والجمهوريين الفرنسيين إثر قضية الحجاب ولباس السباحة الإسلامي اللذان، على الرغم من كل القوانين الجزرية للحد منهما، يستمران في إثارة أسئلة ذات طبيعة قيمية إنسانية بالمجتمع الذي تشرب الثقافة الإنسانية.

     قيمة العلمانية تساير النظام العام الفرنسي، والنظام التربوي منه خاصة، لكن تبقى، أقل أو أكثر، نسبية بالنسبة لباقي الدول الأوروبية منها وغير الأوروبية. إنها غير كونية ولا مطلقة، لكنها تناسب وضعية بلد عرف تطورا تاريخيا لعبت فيه حيثيات تاريخية واجتماعية دورا كبيرا، انطبعت بالحروب بين دين مسيحي تواجد منذ انتشاره أوروبيا كقوة تدبيرية لشؤون رعيته ومثيله اضطهد المؤمنون به لتبنيه إصلاحات تمنح للفرد تحررا من ضرائب الكنيسة وصكوك غفرانها، ثم تلتها صراعات اجتماعية قادتها البورجوازية من أجل تدشين دولة يحكمها قانون أرادته فرنسا بالضبط أن يكون مدنيا لا يتدخل فيه الدين قيظ أنملة، في حين كان هذا الفصل غير مطلق بالنسبة لدول أوروبية وبأمريكا.

     تاريخ المغرب المعاصر كان أولا تاريخ قبائل متناثرة، ثم مر إلى فترة الفتوحات الإسلامية التي قادها المسلمون، إلى مرحلة تأسيس الدول المغربية يرأسها ملوك كلما ضعفت دولة انبنت على أعقابها دولة أخرى تنتمي إلى عصبية جديدة. عاملان أساسيان ظلا ثابتين منذ تأسيس الدولة الادريسية إلى الآن: اللغة العربية والدين الإسلامي. إنهما الوتد الذي عليهما تتأسس الدولة، وهما روح القيم التي تترسخ في كيان المغربي. ويبقى السؤال الآني الذي لابد من الاجتهاد فيه هو: ما السبيل لصياغة نظرية فلسفية تعجن الخاص (المغربي) والعام (الإنساني) ضمن تصور لا يحس فيه ال"مواطن" المغربي بالغربة الكينونية؟

 

 

 

 -----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------*

     • لا أرى أن عبارة العلمانية هي الترجمة الدقيقة ل laïc وأن فيها من الاعتبارات المعيارية ما أفسد دقة العبارة، وأن رنتها الحقيقية قد تحيل على غير الديني وربما حتى إلى الإلحادي.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :