أضيف في 4 فبراير 2018 الساعة 17:25

لا نراك إلا مأزوما..!


المصطفى سالمي

انطلق (مرجان) بخطوات متثاقلة نحو المحطة الطرقية، إنه اليوم الأول في العطلة المدرسية لمنتصف الموسم الدراسي، الحفر والأوحال في كل مكان من هذه المدينة الصغيرة التي لا تختلف عن البادية إلا في الكثافة السكانية، وإدارات ومرافق حكومية بئيسة نخرتها المحسوبية والارتشاء كمثيلاتها على طول وعرض هذه البلاد السعيدة. عبر (مرجان) الشارع الرئيسي، ومر على عيادة طبية، كان كثير من المرضى يصطفون في هذا الصباح الباكر في انتظار الطبيب الذي لا يأتي إلا حين يقترب النهار من الانتصاف، لكن قبل حضوره ـ وبزمن طويل ـ تأتي شابة لتنظف وتكنس، ثم تبدأ بتسجيل الأسماء وجمع الواجب النقدي للفحص، وحين يأتي الطبيب السيد الكسلان سيدون على عجل وصفة أدوية وذلك بعد طقوس اعتيادية كقياس الحرارة والوزن مع استعمال المجس وشاشة الفحص.. أما أطباء الأسنان في هذه البلدة العجيبة فأغلبهم يمثل حالات أغرب، ذلك أن من يطرق أو يزور عياداتهم فمحكوم عليه أن يلازمها طيلة ما تبقى من حياته، فإذا كان يشكو من تسوس بسيط فسيشكو لاحقا من آلام في اللثة وفي القواطع والأضراس، وستتخرب واجهة أسنانه في القريب العاجل، وسيضطر لاقتلاع أغلبها، وربما تركيب فم اصطناعي في نهاية المطاف..

انتبه صاحبنا من تأملاته على وقع أصوات العربات التي تجوب شوارع المدينة طولا وعرضا، تساءل مع نفسه إن كانت الأخيرة تستحق حقا أن تسمى "مدينة"، إن المرء هنا معرض في أية لحظة لتصبح ملابسه ملطخة ببقع الوحل الداكنة المتطايرة من حوافر الدواب في شوارع مياهها آسنة تنبعث منها رائحة العفونة وروث الدواب التي تجر العربات. هنا أيضا الأشغال لا تنتهي إلا لتبدا من جديد، مهازل هذه الأوراش أن بداياتها تكون دائما في مستهل فصل الشتاء، وحتى بعد التعبيد يتم الشروع في الحفر من جديد من أجل تمرير أنابيب الماء أو الهاتف أو قواديس الوادي الحار.. والناس يمرون على كل هذا وكأن الأمر لا يعنيهم، قلة فقط ممن لهم بقايا حس المواطنة يتأثرون، مما جعلهم يستحيلون إلى جثت مأزومة بائسة، إنهم بقايا آدمية، بينما عوام الناس فقدوا الحس والإحساس، وهذا فسح المجال ليتولى أمور الرعية طائفة من المسخ الممسوخ ممن يسميهم أهل الاستثناء بـ "الرويبضة"، إنهم في حقيقة الأمر رويبضات ينبتون كالطفيليات، في كل مكان يتكاثرون، ومن كل حدب ينسلون، أهلكوا الحرث والنسل، وعاثوا في الأرض فسادا..

وها هو صاحبنا يقترب من المحطة الطرقية أخيرا، هنا تتجاور مجموعة عربات مدفوعة، عليها فاكهة البرتقال والموز والتفاح..، أصحابها من القلة التي مازالت مصرة على عرق الجبين والتعب والاستيقاظ المبكر، في زمن الريع والكسل والإفساد، يأتي هؤلاء الباعة مع ظلمة الفجر لشراء السلع الطرية من الفلاحين القادمين بغلاتهم من البساتين البعيدة، أو من السماسرة القادمين من المناطق النائية للبلاد ليضاعفوا الأثمنة عبر وساطات غامضة الكواليس..

تعالى هدير الحافلات ومنبهاتها في هذه المحطة الطرقية المحاذية للسوق الأسبوعي حيث تناثرت النفايات في كل مكان من هذه الساحة الواسعة، بينما جثمت هنا وهناك كلاب ضالة متشردة، لقد اعتادت على التسكع قريبا من هذه المحطة كما تتسكع بكل حرية مثيلاتها في شوارع هذه المدينة من غير أن يضع المسؤولون حدا لعربدتها المستمرة والمتواصلة، فعلى المرء التعايش مع الوضع أو يحرم من النوم بسبب نباحها الذي لا يتوقف طوال الليل، قد تنبح فقط لرؤية كلب عابر غير مألوف لديها، أو تتشاجر فيما بينها من أجل عظمة مما يُرمى في مكبات النفاية..

ارتفعت أصوات باعة التذاكر، وكل واحد ينادي على وجهة معينة. اعتلى (مرجان) أدراج الحافلة وهو يمني النفس بتغيير المشاهد الممسوخة بأخرى قد تكون مأزومة بدورها إنما بعلل أخرى، ففي وطنه المتمدد طولا وعرضا فقط تختلف الأعراض والتجليات، لكن العلل والأمراض لا تقل سوءا عن بعضها البعض، لكن هناك شعار مقدس ومحترم عند السيد (مرجان) وهو: (كن جميلا ترى الوجود جميلا)، حقا لقد مل صاحبنا الأزمات ووقعها، لكنه في نفس الوقت لا يريد التطبيع معها بعامل اللامبالاة فيستحيل إلى جثة لا تحس ولا تشعر كميت مع وقف التنفيذ، فليكن الهروب المؤقت إذن.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب