أضيف في 3 فبراير 2018 الساعة 14:15

علوم تربوية وبيداغوجيا* (ترجمة)


نورالدين البودلالي

Philippe Meirieu


«صحيح أن علوم التربية تزخر، كل واحدة في مجالها، بالكثير من الوقائع التي تقبل التحقق منها. إلا أن البيداغوجيا، وبعيدا عن ذلك، ليست علما للتربية. إنها تطبيق لقرار يهم هذا الأخير. نصيبها إذن هو الشك. إنه شك دوري، يعززه أحيانا التحول المفرط للمعالم المعاصر، ولكنه شك أساسي عندما يتم الجمع بين المعرفة والعمل في نظرية للممارسة.»



دانييل هاملين و جاك بيفيتو


في تقديمه لمؤلف لنيل بوستمان،


التعليم يعني المقاومة (Le Centurion, Paris, 1981, p. 6)


 


العلاقة بين علوم التربية والبيداغوجية ليست بسيطة والتفكير في هذه العلاقة هي، أكثر من اي وقت مضى، راهنية. وحده التفكير الدقيق يمكنه، بالفعل، أن يسمح لنا بتمني تجاوز الجدالات العقيمة التي تطورت، منذ بضع سنين حول هذا الموضوع والتي، باستنزافها طاقة مهمة، ساهمت بشكل كبير في "خلط الأوراق" في الحقل التربوي.


من الذي كان بيداغوجيا (مربيا)؟


نعلم أنه، في العهد الإغريقي القديم، كان "البيداغوجي" هو أول الخدم، الذي كان يضع فيه الأسياد ثقتهم لتنفيذ مهمة ذات طبيعة خاصة جدا: قيادة الطفل للمدرسة. الأمر لم يتعلق فقط بالمسالك التي يجب أخذها للوصول إلى المدرسة (وعلى كل حال فال "أقسام" لم يكن لها وجود آنذاك... إذ وجودها، كما نعرف، لم يمر عليه أكثر من قرنين!). مسؤوليته كانت ذات طبيعة خاصة، إذ كان على ال"بيداغوجي" اختيار التخصصات التي يجب تعليمها للطفل (المسايفة أم الرياضيات، السباحة أم نظم الشعر؟) وكذا اختيار المعلمين المتخصصين في هذه الدروس. في الواقع، وباتفاق مع أسياده، كان ال"بيداغوجي" يقرر في نوعية الرجل الذي يجب تكوينه، وفي رصيد المعارف التي يجب تدريسها له وأيضا المناهج والأشخاص المناسبين له أكثر


من الواضح أن مثل هذه "الوظيفة التربوية" لم تعد، اليوم، في عداد الماضي، لأنها لاتزال دوما -أكثر من أي وقت مضى- تتعلق بمعرفة أي رجل نرجو تكوينه وكيف يمكننا تحقيق ذلك. فلئن كان من الواضح أن هناك ظاهرة رئيسية تميز الحداثة، فإن انهيار "النظريات المرجعية" الكبرى التي جعلت من الممكن "تأسيس" التربية وتجنب وجود الكثير من التساؤلات حول قضايا بيداغوجية... والواقع أنه كلما وجدت في مجتمع ما "حقيقةٌ منكشفةٌ" معترفٌ بها بالتراضي أو مفروضة من قبل سلطة معينة -سواء أكانت هذه "الحقيقة" ميثولوجيه، لاهوتية، فلسفية أو سياسية-، فإننا حينها نعرف "لم وكيف نربي الأطفال". لم يتم إطلاقا مناقشة هذه الحقيقة إلا من بعض الأقلام الأصيلة التي صنفها دوركهايم، في القرن 19، كطوباويات خطيرة! لكن اليوم "حيث السماء صافية"، وحيث الشروحات الكبرى التاريخ-فلسفية للعالم (كالماركسية مثلا) لم تعد صالحة قطعا، أو لم يعد اقتصاد مجتمعاتنا الليبرالية قادرا على ضمان إدماج الجميع واستعادة الرابطة الاجتماعية من خلال العمل، فإن مسألة معرفة " نوعية القيم، وطبيعة المعارف وبأي طريقة نربي أولادنا؟" أصبحت مسألة مصيرية، بشكل كبير، بالنسبة لمؤسساتنا العمومية وقضية "خاصة" يواجهها كل مرب... تجب عليه الإجابة عنها بالضرورة -على الأقل ضمنيا- كلما "وجد بين يديه طفلا". وما عدا في حالة ما إذا سارعنا نحو "نظم فكرية" جديدة قادرة على توفير إجابات جاهزة لنا -إغراءات تنمو بشكل مستمر ومنها التصاعد الحالي المثير للقلق للأشكال المتعددة للأصولية -، فإننا محكومون بالتفكير البيداغوجي... حتى وإن تعلق الأمر بالحصول على بضع أفكار حول ما نريده لأطفالنا!


ما الذي يميز الكتابات البيداغوجية؟


المسألة أننا، ولكي نتبع هذا المسلك ونعزز بحثنا النظري، لا نملك بالأساس، ومنذ قرون، "بحوث تربوية" منبثقة بالخصوص عن فلسفات، والتي انضافت إليها، منذ ثلاث قرون، "مقالات تربوية": حررت هذه الأخيرة، في أغلبيتها، من طرف رجال ناشطين ملتزمين، رجال عانوا من صعوبات تعليمية يومية وحدثونا عن ثورتهم ضد الظلم المرتكب ضد الأطفال، عن قلقهم إزاء الوسائل الخطرة أو غير الكافية المتاحة لهم لتربية "الرجال الصغار"، عن انشغالهم "باحترام"هم وتوفير، في نفس الوقت، التغذية الذهنية والمودة اللازمة لتنميتهم. ببساطة ولمحاولة توضيح الأمور قليلا، هؤلاء الرجال، يمكننا أن ندعوهم "بيداغوجيين".


عموما يعتبر روسو كأول بيداغوجي [تربوي] في العصر الحديث وهو، في نفس الوقت، صحيح وخطأ: صحيح لأن روسو، من دون شك، أول من ألح على ضرورة مصاحبة الطفل خلال نموه، وتحفيز فضوله بشكل منهجي وجعله في وضع يمكنه من بناء معرفته الخاصة بدلا من أن يتسلمها بشكل سلبي؛ صحيح أيضا لكون روسو فهم الصلة العميقة التي تربط بين «بيداغوجيا» و«سياسة»، مناهج تربوية والبناء الديموقراطي: إنها مسألة جعل الفرد قادرا على تحرير نفسه من جميع أشكال الوصاية ليشترك، بكل حرية، مع الآخرين في «عقد اجتماعي» (دعونا لا ننسى أن النسخة الأولى من العقد الاجتماعي موجودة بالفعل في اميل)... إلا أن روسو يبقى مع منظرا في التربية، سجل ملاحظاته التربوية في فلسفة متماسكة دون محاولة تطبيقها بنفسه، وكان علينا انتظار تلميذه بيستالوتزي لنرى كيف يحارب شخص ما على وجه التحديد لوضع هذه الأفكار موضع التنفيذ ...ويتمكن من وضع هذا الالتزام في نظرية ووصف صعوباتها.


وهكذا فمن بيستالوتزي، ومحاولته في تربية يتامى ستانز (إذ قامت جيوش بونابارت بمحو المدينة وقتل الغالبية العظمى من الراشدين حين قبل بيستالوتزي، الذي يؤيد أفكار الثورة الفرنسية، بفتح ملجأ أيتام بالمدينة)، وصولا إلى دون بوسكو الذي جمع "أطفال الشوارع" أو كوركزاك الذي استقبل أطفال اليهود في غيتو وارسو، يمكننا متابعة نفس الخطاب التربوي المنبثق عن الممارسين الذين كافحوا مع المهمة الصعبة المتمثلة في "التربية دون تقييد"، وتنمية شخصيات مستقلة، وإعطاء الأدوات اللازمة للاندماج في المجتمع - نأمل ان تتطور نحو مزيد من العدالة والتضامن- ولإيقاظ عقول الأطفال وجعلهم اجتماعيين في نفس الوقت.


يمكن أن نجد نفس الشيء في الخطابات، الأكثر معاصرة، لفرنيه أو مونتيسوري: أي نفس الانشغال باقتراح مناهج ومواقف تربوية تمكن الطفل من النمو بحرية لربطه مع زملائه في علاقة جديدة لا يتحكم فيها العنف والاعتباطية في العلاقات بين الناس. أضف إلى ذلك أن هذه الخطابات هي، على نطاق واسع، خطابات متفق عليها، وغالبا ما تكون عامة وسخية، ينظر إليها العديد من المثقفين المعاصرين على أنها ساذجة تماما مشحونة با"لمشاعر الطيبة"، بل وأيضا ب "النوايا الحسنة" حيث يقال إن "طريق الجحيم دائما معبدة". إنها، بكل وضوح، ليست "خطابات علمية"، بل بالأحرى خطابات من ال"أدبيات"، تستدعي في الغالب العاطفة، التي تجرّم ما تسميه ال"مناهج التقليدية"، الخطابات التي تعمل قليلا على سجل ملحمي والتي تحاول كسب دعم القارئ الذي، مثل المؤلف، سينتهي بعدم تحمل "الظلم الذي يمارس على الطفل" ويسانده في محاربته.


بطبيعة الحال، رجال التربية هؤلاء يقترحون أدوات، ويبتكرون "وسائل بيداغوجية"، لكنهم يفعلون ذلك دوما ضمن تصور شمولي كما أن أدواتهم ليست تكنولوجيات بسيطة، إنها وسائل في خدمة هدف لا يكفون عن التذكير به والذي يكشفون دوما ضرورة اندماجه في مواقف عميقة للمربي من دونها لن تكون هذه الوسائل سوى أصداف فارغة أو، أسوأ من ذلك، أدوات خطيرة للترويض.


إضافة إلى ذلك، إذا حاولنا دراسة ال"نظم البيداغوجية" التي يقترحونها، سنلاحظ أنها تتعلق ببنيات غريبة "نظرية تطبيقية"، تتمفصل دوما، بشكل أو بآخر، حول ثلاثة أقطاب: قطب المرامي- الذي يحيل على مشروع عام للتربية، على صورة لل"انسان المثال"، على مجتمع ال"كمال"- قطب المساندات "الموضوعية"- الذي يحيل على مجموعة من المعطيات، غالبا ما تكون غير متجانسة، مأخوذة عن العلوم الانسانية (من علم النفس خاصة)- و، أخيرا، قطب ال "وسائل" الذي يقترح وسائل ويصف مناهج . ومن الواضح أن هذا الجانب المركب يعطي جانبا غريبا للمذاهب التربوية: فهي تبتعد عن الفلسفة البحثة (ما دامت هذه تُعَرّف كبحث عن حقيقة تؤسس "حكمة")، كما تبتعد عن البحوث العلمية "الدقيقة" (التي تهتم بالخصوص بإدارة الحجة)... هم ليسوا كذلك "وصفات" بسيطة تيسر التصرف "بثقة"... وليست أيضا، على المستوى الأدبي، نجاحات فنية كبيرة، عدا استثناءات قليلة: فالطابع المركب للخطابات يعطيها وضعية ال"حقائق المتوسطة"، فينتمون إلى خطاب معين يمكن تعريفه بأنه "اعتقاد راجح "


هل يدشن ظهور علوم التربية موت البيداغوجيا؟


فيما يتعلق بعلوم التربية، فقد كانت موضوع مأسسة في أروقة الجامعة في وقت متأخر نسبيا ولم يتوانى البعض، كجيل فيري في مقال مدوي له سنة 1967، حين اعتُرِف بها كعلوم مستقلة، من التأكيد على "موت البيداغوجيا": "إذا لم يكن استبدال" علوم التربية "عوض" علم التربية [البيداغوجيا]"، تنازلا رسميا بحتة من اللغة الأنجلوسكسونية، فهو يعني في الوقت نفسه التخلي عن التكهنات المعيارية لصالح ودراسات الوضعية و، في مجال العلوم الإنسانية، ترسيم وتنظيم مجال البحث الموجه نحو فهم الواقع التربوي"


حينها أُعتقد بالفعل، وتتميما لأعمال كبار علماء النفس بداية القرن، انه سيكون من الممكن تعويض خطاب عام وسخي عن التربية ب"خطاب علمي" حقيقي. في البداية، اعتبر أن هذا الخطاب كان يجب أن يستند حصرا إلى علم النفس الذي، من خلال ما منحنا من مفاتيح معرفية لتنمية الأطفال، سمح لنا أن نعرف بالضبط ما نحتاج للقيام به لجعل هذا النمو يتم بشكل جيد. لقد كانت عصر الذي هيمن فيه "علم النفس التربوي" والذي يعتبره البعض "ال" علم التربية. وفيرديناند بويسون، صاحب ال"قاموس" المشهور، سبق له أن أكد أنه "لا أترددُ في تعريف البيداغوجيا بشكل بسيط: علم التربية" . آخرون، بعده ومثله، حلموا ب "تأسيس" حقيقي ل "علم التربية": هكذا تمكن البعض، كبينيه، كلاباريد أو بوشيه أن يتحدثوا عن "بيداغوجيا علمية"، وآخرون، كدوترنس، عن "بيداغوجيا تجريبية"، وآخرون أيضا، كدوبيس، تمكنوا من إثارة تأسيس "علم بيداغوجي" حقيقي. الجميع لامس الرغبة في إطلاق التربية من تقلبات الشك، من محاولات التجربة والخطأ للمربين، من الطرف العشوائية والنقاشات الايديولوجية "العقيمة" لتأسيس ما يبدو ضروريا القيام به، "حقيقة"، ل "تربية الأطفال".


عندها تمت بسرعة ملاحظة أن علم النفس لا يسمح وحده بفهم مجموع العناصر التي تلعب دورا في تنمية الطفل: فاكتشفت أهمية علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، واللسانيات، والاقتصاد والتاريخ أيضا. وهكذا انشأت شعب "علوم التربية"، ما بين 1967 و1970، في أفق الجمع حول موضوع عمل مشترك - التربية – متخصصين بارزين من التخصصات العلمية المختلفة التي كانت قد تشكلت بالفعل. كان من الضروري أن تسمح البحوث التي قامت بها هذه الشعب بقيام مقاربة متعددة وكاملة للوقائع التربوية، بفضل مساهمة الباحثين والتكوين المتعدد التخصصات الذي حصل عليه البعض منهم. كان من الطبيعي إخضاع هذه البحوث للبينة، لضمان علميتها.


هل تحظى العلوم باحتكار وضع أدوات وضوح ل "الشيء التربوي"؟


ألم يعد لعلم التربية الحق في الاقتباس؟ إذا تم تأكيد ذلك، فهذا يعني أننا لا نعترف إلا لل"علم"، ومن ثمة لل"علوم التجريبية"، الحق في أن تمدنا بأدوات الوضوح المتعلقة بالعالم والانسان. لكن هل هذا ممكن حقا؟ ألا يمكننا قبول أن رامبو يفتح أمامنا العالم بقدر ما يفعل نيوتن، وسان-جون بيريز بقدر دوركهايم، وبيكاسو بقدر هايزنبورغ وموزار بقدر فرويد؟ نعم، لا شك في ذلك، وحول هذا سوف يتفق الجميع.


ولكن النصوص البيداغوجية ليست لها نفس قوة الرأي، ونوعية الإلهام، والذروة الجمالية التي للأعمال الفنية العظيمة. الحق يقال، ومن نواح كثيرة، إنها "متواضعة". فهل علينا أن نتخلى عنها جميعا أو نكرسها لأصحابها؟ في رأيي سيكون ذلك خطأ فادحا.


إن البيداغوجية، باعتبارها " خطاب أدبي"، أو بتعبير أوضح، ك"علم بلاغة حول حقائق تربوية متوسطة"، بتعبير دانييل هاملين، تقدم لنا، من دون شك، أدوات تيسر الفهم الإيجابي للشيء التربوي: إنها تحيلنا على تناقضاتنا إزاء أطفالنا وتلامذتنا، وقبل كل شيء هذا التناقض المتجدد باستمرار بين نظرياتنا وممارساتنا؛ إنها تسمح لنا أن نعيش بطريقة أقل فردانية وبوضوح أكبر هذه "المهنة المستحيلة" التي يتحدث عنها فرويد ناعتا إياها، تدقيقا، بالتربية.


هكذا، ومن قبيل المفارقة، فإن المذاهب التربوية تجد قيمتها في هشاشتها، وطابعها الإصلاحي الترميقي العنيد، ورغبتها في التفكير المشترك في الأبعاد التي يفكر فيها، عموما، ضمن مجالات مختلفة كل منها مستقلة عن الأخرى. وفي حين أن هذا الجانب المركب والغريب يمكن أن يظهر بصورة مشروعة كعائق فيما يتعلق بخطب متجانسة تنتج في مجالات أخرى، فإنه يصبح هنا ميزة كبيرة: إنه يربط، في إطار التعقيد المفترض، بين حقائق يجب على المربي أن يؤلف بينها، بشكل متزامن، داخل الفعل.


البتزامن... هذه هي، في ذات الوقت، الصعوبة الكبرى والشرعية الوحيدة ل "بلاغة متوسط الحقائق" التي لا علاقة لها ب "سفسطة متواضعة لتقديرات وسطية": ففي الوقت الذي يزرع الثاني تنازلات مغرية حتى لا تؤذي أحدا، تقبل الأولى التناقضات بمخاوفها الكبيرة وآلامها -لكن لا يجب الحديث عنها كثيرا مخافة إثارة الشفقة بشكل كبير! –


لأنه، خلال التمييز والمشاركة اللتان ينغمسان فيهما ال"متخصصون"، وهم يوزعون الحق في التفكير في هذا السجل أو ذاك، ينسون أحيانا ضرورة العمل اليومي، بالربط بين المتطلبات المتعددة والمتضاربة بالرغم من صعوبة اللحظة، و بتطبيق حكمه ليركز على ما يمكن اعتباره مهما المشروط بعدم إقصاء الباقي أو إنكار وجوده بمرسوم.


بتزامن... برأيي هذا كل ما في الأمر إذا رغبنا فهم واقع حال البيداغوجيا. ثم إن التزامن ليست هي التقابل بين مختلف وجهات نظر، ولا حتى الجهد المبذول للتفكير جماعة في مختلف أبعاد مشكل ما؛ ناهيك عن أنه الاستنتاج الميكانيكي لحل من خلال إضافة عناصر متراكبة... التزامن هو "الفعل أتناء الفعل"، عندما يجب تلبية جميع المتطلبات في وقت واحد، والعمل في الوقت الراهن لأننا نفهم قليلا ما يحدث... ونحن نعلم أننا لا نفهم كل ما يحدث إلا أننا مع ذلك علينا البحث بندية أن نفهم... ذلك، فبدون شرط التفاهم المسبق، يتم إرجاء الفعل إلى أجل غير مسمى! تقبل التزامنية يعني قبول أوامر متناقضة تُقدم إلينا، وأن يكون، لكل واحدة، مبرراتها ومنطقها... لكن من المفروض علي "أن أشارك في الفعل"، مع المخاطرة بإفقار العلاقة التربوية إفقارا كبيرا أو تفويت ما تتضمنه من تجربة إنسانية حقيقية.


إنها واحدة من المظاهر الأساسية لهذه التناقضات التي يعرب عنها، بطريقة غريبة نوعا ما وغالبا ما يساء فهمها، بما يمكن تسميتها ب"الحيلة الربوية". والواقع لا يمكننا، ونح نقرأ البيداغوجيين، إلا أن نعجب بإرادتهم المزدوجة، التي تتأكد باستمرار: المتعلقة بتنظيم وضعيات تعليمية مع إقصاء، قدر الإمكان، المتغيرات العشوائية لضمان التعلم "الأكيد" للطفل... وتلك المتعلقة بالتأكد من أنه يتعلم "بنفسه"، بحسب قواعده الخاصة وتنمية استقلاليته بشكل تدريجي. يتعلق للأمر إذن باحترام قواعد تنمية الشخصية مع إدراج وضعيات لحالات شديدة التقييد بل وحتى اصطناعية تماما في بعض الأحيان : هذه، على الأقل، مفارقة، لكنها في الحقيقة الحافز أساسي للابتكارات البيداغوجية. اجبار "من أجل" الاحترام. إجبار واحترام... في توتر لا شك أن العيش فيه صعب ولا يحل أبدا على المستوى النظري البحث، لكنه يختبر نفسه يوميا في "التدبير" الجماعي للنجاحات والإخفاقات، في التجربة والخطأ، في النقاشات، في حالات الشك والعشوائية من الوضعيات التعليمية، في الابتكارية على الخصوص.


لهذا السب إذا كانت علوم التربية تنتج بشكل خاص رؤى قيمة حول الوقائع التعليمية، فإن البيداغوجية تمكن من التفكير في مسألة "المرور إلى الفعل" في مجال التربية، في رحلة الاستفهام الدوري بين الغايات الوسائل. إنها تجهد نفسها، كما يقول دانييل هاملين، في «الطواف حول سلسلة مرامي الممارسات بشكل متعمد وفي الاتجاهين». ومع ذلك لا يمكن تخيل أن الممارسات متضمنة في الأهداف كالمكسرات في قشورها، ولا قابلة للاستخراج من التوضيحات العلمية، كما يعتقد التحيز التطبيقي: فالتطبيقات البيداغوجية تستدعي الابتكار الفردي والجماعي، الابتكار المستنير، بالتأكيد، يتم تقييمه بشكل واضح، لكنه لا يقبل الاختزال إلى كل ما "يعرف" في مكان آخر.


إنه السبب الذي يجعل الخطابات البيداغوجية خطابات مدهشة، مكدسة بالوصلات الأسلوبية وبالتغيرات في السجلات حيث تتعايش المرجعيات الفلسفية مع التجربة الشخصية، والدعم العلمي، واقتراح الأدوات، والتجريدات التنبئية والدعوات للعقلانية... إنها خطابات حيث لا شيء فيها، بالتعريف، مؤسس قطعا على "الحقيقة" والتي لا تقدم لنا، في جميع الحالات، "ضمانات عن كل الأخطار" ضد تغيرات الفعل، والصراعات الداخلية والخارجية، وعدم يقينيات الوضعيات وضرورات التصرف الذاتي "على الوجه الأحسن"، "للحكم"، دون التأكد فعليا من التصرف "بالتأكيد". حينها نفهم لماذا نتحدث عن "الخفة التي لا تطاق للبيداغوجيا"، مستعيرين في هذا قولة ميلان كونديرا.


في إطار هذا المنظور تتكشف لنا إحدى أكبر مزايا البيداغوجيا والمتمثلة في كونها، بطريقة أو أخرى، تشرح لنا لما يكون الفشل دوما، بشكل أساسي، موجودا في قلب الممارسة التربوية ، ولِم نحن دوما موزعين بين الرغبة في السيطرة على كل شيء وفي "إعطاء الآخر حريته" ولم يكون هذا التوتر ضروريا جدا. هكذا تقدم لنا البيداغوجيا أحيانا، في أفضل نصوصها وتجاربها الأكثر إثمارا، شيء من هذا الحنين نحو ما يمكن أن يكون "هدوء المقابر" وتسمح لنا أن نأمل، ربما، رؤية ما يشكل مفتاح حداثتنا: ذكاء تناقضاتنا.


أخيرا، لن تقول البيداغوجيا أبدا كفى -وخاصة لل"ديداكتيين" و ال"تيقنوقراطيين" التربويين- أن "الأدوات ليست سوى أدوات" ومن الضروري إرجاعهم بدون انقطاع للأهداف التي نقصد تحقيقها. تقول لنا البيداغوجيا أيضا أن لا شيء يحدث في التربية دون انخراط في قيم و أنها تساهم، أحيانا، في أفضل نصوصها، بتشجيعنا أن نسير كل صباح نحو المدرسة باهتمام وحتى بسعادة أحيانا.


حينها يمكن القول أن البيداغوجيا، وقد عرّفت على هذا المنوال، يمكن أن تكون خطيرة بقدر ما يبدو أنها تقصي كل عقلانية تحيل فقط على "المشاعر" وإلى كل المؤثرات. ولكي يكون لهذا النقد ذا فعالية، من الواجب البرهنة على أن لاوجود لأي عاطفة في النشاط العلمي ولا حتى في الممارسة العقلانية... إلا أن هؤلاء الذين يناصرون العقلانية لوحدها يفعلون ذلك بكثير من الزخم -وأحيانا بغضب شديد- لدرجة أنهم هم بأنفسهم يبرهنون بقوة عكس ذلك. في هذه الأثناء علينا أن نكون لاعبين جيدين ونقبل الاعتراف هنا بمسألة أساسية...


"كيف يمكن إنكار ناشط تربوي وهو باق مسلحا؟"


بالتأكيد تبقى هناك حاجة لأن لا يجرفنا حماس بيداغوجي ساذج دون ممارسة عقله النقدي، وإلا تعرضنا لخطر الوقوع في العمى والتعصب... وهنا بالتحديد يمكن أن يكون سؤال الأدبيات البيداغوجية الذي تطرحه علوم التربية مثمرا. فالمهم بالنسبة للناشطين البيداغوجيين هو أن ينجحوا في إنكار أنفسهم ويبقون ناشطين.


وحتى لا يميل هذا الإنكار نحو الشك أو، بالأحرى، القدرية، علينا قراءة وإعادة قراءة البيداغوجيين. ولمغادرة السعادة التي تهدد دوما من يجعل قناعاته في الصدارة، علينا، دون توقف، تشرب المساهمات العلمية والسماح للفكر الفلسفي التربوي لمساءلتنا. حينها سيكون للحوار بين البيداغوجية وعلوم التربية أياما أمامه للتبلور وعلينا أن نهنئ أنفسنا بذلك. من الضروري أبضا القيام بالمستحيل للإستمرار، في إطار الطلب المتبادل والكرامة، في أفق أن تظل المؤسسة التربوية، قدر الإمكان، في دائرة الإنساني.


------------------------------------------------------


https://www.meirieu.com/COURS/pedaetscienceseduc.pdf -*


1-لربما هناك نوع من التضخيم في الدور المسند هنا للمربي عند اليونان. ولكن إذا كان من الممكن أن تكون الدقة التاريخية للوصف موضع خلاف من قبل البعض، فإن الجميع سوف يدركون أن هذا العرض له ميزة تشكيل صورة قوية والدعوة للتفكير... إنه يضع، منذ البداية، علم البيداغوجية، كما يقول دانيال هاملين، تحت علامة "التوجيه" : "كل متعلم، إذا جاز التعبير، هو شخص مشرد، الذي اضطر، تحت قيادة الآخرين، إلى ترك" أونوفيرساليس مادة "بيداغوجيا"، المجلد 17، باريس، 1992، الصفحة 725).


2 - نجد أمثلة عن هذه الأقطاب الثلاثة مفصلة بطريقة أصيلة حسب المذاهب التربوية في إيميل، عد بسرعة، لقد أصبحوا حمقى، ميشيل دوفولاي وفيليب ميريوه، ESF الناشر، باريس، 1992، ص: 45 وما يتبعها


3- دانييل هاملين هو الذي ذكر في كتابه التعليم، صوره والغرض منه (ESF الناشر، باريس، 1986، ص: 141وما يتبعها.) أن تايين يصف ال"خطابات البيداغوجية" لعصره بهذه الصفة، وخاصة خطاب فيكتور كوزان: "الخطابات التي تنتمي إلى ما يقال، وليس إلى العلم، التي تهم الجميع وليس البعض فقط، التي نسمع ونحب، ليس لأننا خاصين، ولكن لأن لنا تربية جيدة "


4- التربية الوطنية، رقم 820، مارس 1967، XII-3


5 - قاموس البيداغوجيا والتعليم الابتدائي لفرديناند بويسون إلى عام 1887. (ص. 2238)


6- البيداغوجيون ليسوا دوما متفقين بينهم حول هذه النقطة : ففرينيه يأخذ على مونتيسوري طابعها الاصطناعي و الإنبنائي جدا لوضعياتها التعليمية التي يواجهها بوضعيات أكثر "طبيعية" مستوحاة من حالات واقعية للأطفال... والواقع أن كلاهما فرضا قيودا كبيرة على الوضعية كي تصبح بحق وضعية تعليمية (وليس مجرد لعب أو "إنتاج").


7 - هذا ما يبينه بشكل جلي جان هوساي في مقدمة الكتاب الذي أصدره بالتنسيق: التأثير الراهن لخمسة عشر بيداغوجيا (Armand Colin, Paris, 1993).


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :