أضيف في 3 فبراير 2018 الساعة 01:35

مدينة في خبر كان


نورالدين الطويليع

عند أوبتي من سفر، فوجئت، وأنا في مدخل المدينة، وبالضبط في مفترق طريقي آسفي والجديدة، بعلامة قف مجثثة من الأرض، ملقاة بجانب الطريق.

تطيرت وتشاءمت من المشهد، تزاحمت في ذهني مجموعة من الخواطر، ترى أي شؤم يحمله هذا الحدث، وما الرسالة الجديدة التي يحملها في سياق مسلسل المصائب الذي يجثو على قلب مدينتي، ويأبى أن ينتهي؟

توالت الأسئلة، وتناسلت معها الخواطر السيئة، وجدتني متوقفا، كأنني أنتظر نعيا ما ، تماديت، أو تمادت نفسي الباطنة في تأويل المشهد، وإسقاط مشاعرها المحبطة عليه، وهي التي أضناها واقع يتيمة يزداد سوادا، وينحو يوما بعد يوم نحو المأساة الشاملة بكل ما تعنيه كلمة مأساة من معنى.

"قف" كفعل أمر يفيد اللزوم والوجوب، يسقط على الأرض صريعا، وفي مدخل المدينة، لا بد أنه يعني ما يعنيه، قالت لي نفسي الجانحة نحو التشاؤم: هذا إيذان بإسقاط الأمر والعناء عن منتخبينا، عن مجلسنا، عن رئيس مجلسنا، عن شركات مناولتنا...، في هذا إيذان بعهد جديد عنوانه العريض " كل واحد يلغي بلغاه"، زجرتها ونهيتها عن التمادي في مثل هذه التأويلات التي تعارض العهد الجديد وأبجدياته التي تتحدث عن التزام القانون ووجوب التقيد به، وربط المسؤولية بالمحاسبة...، لكنها أبت أن تستمع لما اعتبرته مخرقة، واستمرت سادرة في تأويلاتها: لا أمر بالوقوف عن ترقيع الميزانيات بفائض الميزانية وفائض....، وعن طلبات السند، وعن شراء مزيد من الذمم بها، لا أمر بالوقوف أو التوقف لمن يتمادون في اشتراء مزيد من السيارات الجماعية، والتنقل بها هنا وهناك، لا أمر بالوقوف، أو لا نهي، لأن إسقاط الأمر يعني إسقاط النهي كذلك، لمن يبذرون ميزانيات الجماعة في الاتصالات الهاتفية، وشراء العتاد،والأدوات المكتبية، ولمن يرمون آليات حديثة السن في مقبرة المتلاشيات، لأن رحم ميزانية الجماعة خصب، قادر على إنجاب أموال ستأتي بأحسن منها، أما هي فلتذهب إلى الجحيم، لأنها استوفت غرضها، ولا بد أن تغادر إلى دار المتلاشيات، لتترك المجال لقادم سيجلب معه الخير العميم.

استرسلت النفس متمادية في هلوساتها: هو أمر بالتوقف عن حلم إعادة فتح المجزرة البلدية، فأمرها صار في خبر كان، وهذه العلامة المصروعة تحكي مصرع آمال أربعمئة أسرة باعوا أحلامها بخيانة رخيصة، تقول لهم ولنا: انتهوا عن ضلالكم القديم، فما مضى لن يعود، ومقصلة الإعدام قضت فعلها المحتوم، لن يأمرهم أحد بالتراجع عن المزيد من وأد الأحلام، فالزمن صار مفتوحا، والقيود الأمرية لن تقوم لها قائمة.

لم أجد من حيلة إلا الاستسلام لخواطر نفسي التي انثالت علي انثيالا...، إسقاط العلامة هو إسقاط الكلفة بشكل نهائي عن شركات المناولة لتستمر مطمئنة في استعباد عمالها بنظام سخرة لم يأت به الأولون، ولن يأتي به الآخرون، كمن صفع على حين غرة، انتبهت مذعورا، وقد حفرت الكلمات الأخيرة عميقا في تجاويف جرح عميق عنوانه حراس أمن المؤسسات التعليمية الذين قيل لهم: ما نرى لكم من من أسياد غيرنا، فاقعدوا مع القاعدين، ومن سولت له نفسه أن يرفع عقيرته محتجا، فسيلقى صريعا في شارع امتلأ عن الآخر بالأهابل الذين يرون في استعبادهم نعيما مقيما...، وعنوانه الآخر عمال النظافة الذي تحولوا إلى أيتام في مأدبة لئام يستمرئون التهام الوجبة، ويبخلون عليهم حتى بالعظام التي أصروا على الاحتفاظ بها لكلابهم المسعورة الشرهة.

دخلت المدينة، فاستقبلتني الأزبال المتراكمة، وأفواج الحشرات الزاحفة والطائرة، سألت عن المناسبة، فقيل لي: إن القمامة في عيد وطني مفتوح، وقد جلبت جوقا متعدد المواهب من شتى أصناف الحشرات، احتفالا بإضراب عمال نظافة تُركوا والقدر، واستفردت بهم بطون شرهة، لم تجد من يأمرها بالارعواء، فتمادت في الاقتيات على عرق جبينهم، وتسخيرهم تسخير العبيد.

توقف الأمر، وتوقف كل أشقائه من أفعال الكلام، لن يكون ثمة نهي عن جرم فعلهم، فلا تثريب عليهم إن جاؤوا بمزيد من المنكرات، ولن يكون استفهام، وربما اعتبر السؤال عن دواعي هذا الفعل أو ذاك جريمة لا تغتفر.

لم يبق أمامنا إلا الخبر، خبر كان الذي سنكون في ضيافته جميعا، وحينئذ سيطلون علينا من أبراجهم، ليقولوا لنا: بُعدا للمغفلين.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب