أضيف في 2 فبراير 2018 الساعة 23:22

بغضاء مجانية


المصطفى سالمي

محطة أولى:


وجد (سلمان) نفسه محاطا بكثير من الأعداء، إنهم زملاؤه في الصف الدراسي الذين ينظرون إليه بكثير من الحسد والغيظ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو يفضح عجزهم وتدني مستواهم الدراسي، إنه يرفع أصبعه باستمرار، يشارك في إنجاز التمارين، ويتلقى المديح من مدرسيه، بينما هم عاجزون فاشلون، لذلك تدنت نتائجهم، وكان التوبيخ حصاد أيامهم، والتقريع من المدرسين ومن أولياء الأمور مصيرهم ولعنتهم. تخيلوا أن سبب نكباتهم اليومية هو زميلهم (سلمان)، رأوا فيه مرآة عاكسة للخيبات، فانصب طوفان الحقد عليه وحده، لأنهم ما تعودوا انتقاد الذات ولومها أو السعي لتحسينها. في هذا الوسط العدائي قضى (سلمان) سنوات الدراسة محاطا بالغل ونظرات السوء، بل وعبارات الاستهجان أحيانا، لا لشيء إلا لأنه متوفق ناجح!


محطة ثانية:


أصبح (سلمان) مدرسا ناجحا، نجاحه يتجلى في كسب حب تلاميذه وخاصة المتميزين الذين تلهج ألسنتهم بكيل المديح له، فهو يشارك باستمرار في أنشطة ثقافية، من مسرحيات ورحلات ومسابقات وندوات... كما أنه حريص على كتابة عديد المقالات الفكرية والمسرحيات المدرسية والقصص الأدبية، ونشرها في بعض الصحف والمواقع الإلكترونية العالمية، فتلقى صاحبنا عدة جوائز تقديرية في مسابقات ثقافية، كما قام الأستاذ (سلمان) بنشر عدة كتب أدبية، وفجأة وجد نفسه يقابل بنفس الغل والحقد من طرف عديد زملائه الخاملين الذين اعتادوا الكسل والتراخي، وها هو زميل لهم يرمي حجرا في المياه الآسنة، فتنبعث روائح الكراهية العفنة، تُرى ماذا يريد هذا العنصر أن يصنع في حياته؟! يردد أحدهم، كان بعضهم يراه محبا للظهور، وبعضهم يراه عنصرا مستفزا مدعيا، إنها عداوة مجانية لا سبب لها إلا أنه عنصر متفوق ناجح!


محطة ثالثة:


قرر (سلمان) أن يكون أكبر نجاح له في حياته بالموازاة مع تلاميذه وعمله هو أبناؤه الذين اعتبرهم رأسماله الحقيقي، لذلك اهتم بهم وواكب نجاحاتهم الدراسية الباهرة، ولأنه عنصر منظم واضح الأهداف والطموحات، فقد لاحقته لعنة الكراهية من القريب والبعيد، وخاصة من الفاشلين الذين يعج بهم مجتمعه، هؤلاء لا يطيقون رؤية الناجحين، ومن هؤلاء الأعداء الجدد جيران ومعارف وأقارب، بعضهم اعتبر أن تسلقه المناصب والدرجات لا يمكن أن يكون إلا بواسطة "ما"، ربما هي المحسوبية أو التدخلات. وبعضهم شكك في أن يتمكن صاحبنا من تحقيق كل هذه النجاحات المعنوية والمادية بمؤهلاته الذاتية فقط، الأمر عندهم لا يتعدى ضربة حظ، الأهم بالنسبة لهؤلاء هو الانتقاص من نجاحات (سلمان)، إنهم في مجتمعه يبحثون فقط عن النقص، فحتى لو كان لصاحبنا ألف مؤهل وإنجاز فسينظر الحاقدون فقط للخصاص الوحيد لديه، ولو لم يجدوا فسيختلقونه من العدم، هو لكل ذلك بغيض مبغوض لا لشيء إلا لأنه ناجح، وفي مجتمعه المريض فإن أكثر الناس استقطابا للأعداء هم الناجحون، ومجتمعه يقر بذلك حين يصدر أمثالا من قبيل: الأشجار المثمرة وحدها التي ترمى بالحجارة.


رغم كل هذا فإن السيد (سلمان) استمر على نهجه في السعي للنجاح، شعاره الدائم: "صُبّ في أفواه الحاقدين الخرذل بمزيد من النجاح والفضائل، لأنهم لن يرضوا عنك إلا حين تصبح صفرا في كل شيء"، عزاء (سلمان) الوحيد هم القلة المشرقة التي يراها الآخرون حالة شاذة، ويراها صاحبنا حالات مضيئة سارة، هؤلاء الأصدقاء الشفافون عكسوا الشهامة والنبل والصفاء، بفضلهم وحدهم أصبحت مساحة السواد على اتساعها وعمقها في مجتمع صاحبنا تبدو متقزمة متضائلة.


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب