أضيف في 2 فبراير 2018 الساعة 11:07

وهم التربية و أوهام التعليم


رشيد اليملولي

وهم التربية و أوهام التعليم .

عادة ما توصف محطات التقويم في الميدان التربوي ، بالمحطات المهمة و النوعية ، التي من خلالها تتم معرفة طبيعة تمثل المتعلمات و المتعلمين لمختلف الاستراتيجيات المتبعة في التدريس ، و إن توحدت في قدرة الفئات المتعلمة على اكتساب الكفايات و القدرات المعرفية و المنهجية ، التي تمكنه من التعامل الأسلم في الوضعية ـ المشكلة .

لا مشاحة في أن هذه المرحلة هي المحك الذي تقيم فيه قدرات جميع الفاعلين في العملية و المعروفة تربويا بالمثلث الديداكتيكي ؛ إذ من خلالها يقيس الأستاذ حجم و طبيعة تفاعل مختلف المتعلمين مع الوحدات الدراسية ، و عبرها تكفل له هذه المرحلة مستوى العمل و المجهود المبذول في سياقاته المحدودة ، بحدود المحيط و تدخل الفاعلين ، أي تحمل المسؤولية في إطارها المحدود خارج الإكراهات الخارجة عن إرادته و قدرته .

إلا أن هذه المحطة و أكثر تحديدا محطة التقييم الجزئي ، و نقصد بها الأسدس الأول من الموسم الدراسي ، تكتنفها العديد من العثرات و المثبطات التي تحول دون النتائج المرجوة بالقييم التربوي و الأخلاقي و العلمي ، حيث غالبا ما ترتد العملية إلى روتين تربوي و إداري يرجى منه استكمال " أجندة " محددة لا ترصد اختلالاتها ، و لا تروم تصحيح عثراتها في أفق تجاوزهذه المعيقات ، و التي تحولت مع مرور الزمن إلى عائق تربوي ـ ابستمولوجي ، يحد من الإمكانات التي تجعل من الاستثمار في العنصر البشري رافعة مهمة في التنمية .

تتعلق أولى الإشكالات المرتبطة بهذه المرحلة بفلسفة التقويم و التقييم ؛ حيث تحضر الهواجس التقنية و المقاربة الكمية في التعامل مع العملية سواء إكراهات مادية أو رمزية ، أو نتيجة الاستقالة التي يتبنى البعض استراتيجيتها ، إذ إن الانجاح و الإرادة المتعلقة ، تجعل من العملية مجرد تسابق رقمي في إنجاح المتعلمين مخافة الاكتظاظ و التضخم في مراحل معينة ، و يتضح أن هذا الأمر مؤسس له ، حيث مثلا تتساوى التربية البدينة مع اللغة الفرنسية و اللغة العربية و الانجليزية و التاريخ و الجغرافيا و الفلسفة في مسلك الآداب و العلوم الإنسانية ، و على الرغم من الطابع التربوي ـ التحفيزي لهذه الخلفية ، فإن الأمر يعزز ثقافة الخواء و الاتكالية ، أكثر مما " يغري " الرغبة في الجسم السليم ، كما أن تقارب " المعامل " في هذه المواد ، تجعل المتعلم غير قادر على التمييز بين المعطى الثقافي و النقدي ، و الهاجس الترفيهي ، حيث تتم تغطية الفراغ المعرفي و المنهجي بالذكاء الرياضي إن نحن سلمنا بمصداقية نظرية غاردنر و تنوع الذكاء .

تأسيس الهوة و تغليفها تربويا بالمقاربة الكمية ، يتزاوج مع ذهنية تربوية سائدة ، ترى في التقييم مجالا للمصالحة و تزكية الخيرية و الإنسانية و الرجولة بالمعنى الشعبي السلبي بالضرورة ، التي تؤطر علاقة الأستاذ بالمتعلمين . تفتقر هذه العملية في غالبيتها لأي منطق مهما كانت طبيعته إنسانيا كان أو تربويا ، العلة هي إنتاج الإعاقة باسم القيم النبيلة ، خارج التعاقد الديداكتيكي و الأرضية التربوية النوعية و المعرفية رصينة و بناءة ، تكفل بناء الاقتناع و الوعي و تأسيس الموقف و بناء الذات و التوجهات و القيم ، حيث أن المعدلات الفلكية تقفز على الحدود الدنيا للتعلم الكامنة في الكفايات الاستراتيجية و المنهجية ( التعليل ـ التركيب ـ اتخاذ الموقف ـ بناء الذات ) ، الأدهى من ذلك هو تحويل المتعلم إلى كائن نهم يستعرض عضلاته وفق معايير التربية الحديثة على الأستاذ ، و تهديده بما يمكن أن يحد من سلطته في التقييم ، غير أن الوهم المستمد من كل ذلك هو بناء ذوات جوفاء ، لا تتصالح مع المعرفة و القيم العلمية ، بقدر ما ترنو إلى بناء مصلحتها الآنية مع القيم الفلكية ، و استداروا نحو المصالحة و الذود عن النفس بتحويل الأجيال إلى جيش العطالة و الفقر ، و العنف اللفظي و الجسدي ، و كل مظاهر الفراغ و الهشاشة بقناع دعه يعبث ، دعه يسير .

إن تردي المنظومة التربوية قد لا يقاس فقط بغياب إرادة الدولة في بناء العنصر البشري ، بقدر ما ترتد إلى العنصر البشري بنفسه ، إذ إن الإشكال هنا هو إشكال الفرد ، مهما أجادت و نوعت السلطة من تكوين " مريديها " و رواد منطقها ، إذ إن العلم و المعرفة هما سبيلا الممانعة الوحيدة ، في ظل ارتكاسة القيم السياسية و النقابية و الحقوقية ، بفعل تنامي النزعة النفعية المفرطة التي أضحى معيارها الوحيد و الأوحد هو " البضاعة " و التتجير في كل شيء ، و أخوف ما نخاف أن يتحول ميدان التربية إلى مرتع خصب لأبطال الاستقالة المعرفية و النقدية .

إن إنتاج العوز و التفاهة و تسييجها بكل القيم " النبيلة " ليعد ضحالة و خواء لا يرقى إليهما شك ، تئد و تنحر يوميا الوطن و غده و أفقه ، تتحول معه التربية و التعليم إلى أوهام توحي بمسايرة العصر بعيدا عن الرغبة في تقوية المضمون التربوي و العلمي و الثقافي ، ترقيته إلى دستور للعمل بعيدا التوظيف الأهوج سواء كان سياسيا أو دينيا أو تقنيا أو حقوقيا ، الأكثر من ذلك تقعيد أسس الدونية و الذيلية في غالبية قيم التقدم و الحضارة ، بل إن استقالة الإنسان من عالم التربية باسم عنف الواقع و الممارسة و الميزانية الثقيلة التي لا يرجى منها فائدة ، ليوصف بأحقر و أتفه و أسفه المبررات و إن ارتقت إلى اقتناع فلا يعدو أن يكون وهما ، يقتات على رصيد نيرون و الحجاج الذي يغري بنجاحه العسكري و التقني ، و هو يهوي بالبلد و الإنسان إلى أسفل السافلين ، لسبب بسيط أن تقتل جيلا من أجل حلم سياسي أو مجد شخصي أقل سوءا من أن تقتل شعبا باسم نزوة أو عنف واقع .

دامت لكم الاستقالة

و دام لنا الألم مع الإرادة .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :