أضيف في 1 فبراير 2018 الساعة 08:24

إفشاء الجمال ونشر الفن


ناصر سالم المقرحي

ناصر سالم المقرحي: جماعة الرسم في الهواء


الطلق الليبية… إفشاء الجمال ونشر الفن......


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(مجموعة Libyan plein air): أو الرسم في الهواء الطلق هو أسم مجموعة فنية تتكون من عدة فنانين تشكيليين ليبيين تأسست في طرابلس شهر أغسطس من العام 2015 تقريبا لأهداف عدة حيثُ أراد منتسيبها أن تكون المجموعة نواة لكيان فني وملتقى للفنانين لمناقشة الأمور الفنية التي تهمهم وحتى لحل ما يعترضهم من مشاكل كفنانين في ظل عدم وجود جسم قانوني مثل نقابة أو أتحاد يضمهم تحت مظلته، إلى جانب أن هذا النشاط الفني وممارسة الرسم في الهواء الطلق هو أحد الطرق لتحسين وتطوير أداء كل فنان، بل أنه مهم لزرع الثقة في النفس حيث الرسم أمام المشاهد والناس أحيانا كما يحدث مع رسامي الشوارع، حيث يتابع المشاهد العمل خطوة بخطوة ليس كالعمل في المرسم بمعزل عن أعين المشاهدين، وأعتقد أن الرسم في الهواء الطلق الذي مارسه العديد من الفنانين العالميين يصقل الموهبة ويُمكِّن الفنان من ترسيخ مهاراته ويجعله مسيطرا تماما على أدواته، إلى جانب أنه قد يرفع من حساسيته للون كون الفنان أيضاً يرسم تحت نور طبيعي ساطع أغلب الأحيان وألوان طبيعية عالية الوضوح والتنوع والغنى، ولما مر ذكره من مبررات نعتقد أن الرسم في الهواء الطلق أو الرسم المباشر مرحلة لا بد من أن يمر بها الفنان أو تجربة لا مناص له ليطور أدائه من أن يمارسها ويخوضها بلا تهيب، ونستطيع من جانب آخر أن ننظر إلى هذه التجربة على أنها نشاطا ترفيهيا وخطوة لاكتشاف موضوعات جديدة، كون ما سيرسمه الفنان من زاويته التي اختارها لن يرسمه غيره وبذلك تكون لوحته حصرية وخاصة به - كما أخبرني الفنان موسى أبوسبيحة عضو المجموعة خلال أحد النقاشات.


وتتكون المجموعة من خلال متابعتي لما يُنشر بصفحتها على الفيس بوك منذ تأسيسها من عدة فنانين تنحصر موضوعاتهم في رسم الطبيعة والأشياء المادية الموجودة في الواقع مع الأختلاف الواضح في التقنيات المتبعة، حيثُ أن لكل فنان تقريباً بصمته وطابعه الخاص في الرسم، إذ نجد إضافة إلى أسلوب الأداء الواقعي والنقل الحرفي للمشهد المراد تصويره، الأسلوب الأنطباعي بخامات الزيتي والمائي وحتى أقلام الفحم والرصاص والباستيل الزيتي، بلوحات صغيرة المقاسات تتناسب مع الرسم في الأماكن المفتوحة لأن الرسم هناك لا يتم على دفعات ومطلوبا من الفنان في الأعم إكمال لوحته في جلسة واحدة قد لا تعقبها جلسة أخرى في حالة عدم إنهاء الفنان للوحته، والأمر هنا يتطلب سرعة الإنجاز لأن المشهد يتبدل بتبدل الضوء الساقط عليه، وفي كل ما رسم الفنانون أرادوا سواء أعلنوا ذلك أم لم يعلنوا عنه تبليغ رسالة وسوق فكرة أو التركيز على معنى، وكونهم يُبرزون وبشكل جلي جماليات المكان ومفاتن المُحيط من جبال وغابات وبحار وصخور وأمواج وأشجار وموانئ وسهول وأشجار وغيره، لا يعني أنهم لا يحملون رسائل حب وتسامح واحتفاء بالحياة في هذا الركن من العالم وتقديم الوجه الحقيقي لليبيا كجغرافيا وككوادر بشرية عالية التأهيل تعمل في الأتجاه المعاكس لمن يُسهم في تشويه وجهها الجميل وتاريخها الناصع، وفيما ينصرف البعض إلى ما لا جدوى منه، ينصرف هؤلاء الفنانين إلى تزيين وجه الحياة وتأثيث العالم بالجمال وبالفن الذي هو مبرر من مبررات الوجود إذ لا تستوي الحياة في تصوري دون فنون حتى وإن كانت في أبسط أشكالها كما في المجتمعات البدائية.


المجموعة التي تتكون من كل من الفنانون صلاح غيث وموسى أبوسبيحة وعادل التواتي وحسين أبوعجيلة وأحمد طلحة ومروان بن طاهر وعماد عريبي وعدنان القرقني ووائل الرعوبي ومحمد الخروبي انطلقت قبل سنوات بزخم قوي وعطاء دافق واستقطبت العديد من الفنانين قبل أن يخف هذا الزخم ويقل الدفق لنرى عبر الصفحة لوحات أقل مما كان يُعرض في السابق، سوى أن الدفق الذي عهدناه سابقا أخذ يعود تدريجيا ويرتفع نسقه الفترة الأخيرة، وطيلة فترة تأسسها رسم الفنانون في أماكن متنوعة داخل طرابلس وخارجها حيث رسموا واستمدوا موضوعاتهم من البيئة التي تواجدوا فيها فرسموا قوارب الصيد والبحر في طرابلس ورسموا الأشجار والخضرة في مقر وزارة الزراعة ورسموا صخور الشواطئ ومصدَّات الأمواج والمباني بل أن بعضهم رسم البعض الآخر وهم منهمكون في رسم لوحاتهم فوثقت لوحاتهم لحظات مفعمة بالحميمية والصداقة التي لا تشوبها المصالح الزائلة ولا الأغراض المؤقتة فما يجمع الفنانين أكبر من أن ينهار، ما يجمعهم هو حب الفن ليس إلا.


وفي سياق ردة فعل المتلقي على هذه التجربة يقول الفنان موسى أبوسبيحة أن النشاط لاقى استحسانا ووجد قبولا لدى من صادفناهم في أماكن الرسم وتلقينا تشجيعا كبيرا منهم، وهذا شيء يدفع نحو الأستمرار في العطاء ويدل على تعطش الناس لتذوق الجمال.


ولم يقتصر نشاط المجموعة (الورشة) على الرسم فقط بل امتد ليشمل إقامة معرض بتاريخ 26/11/2016 لبعض اللوحات المُنجزة في الهواء الطلق، وذلك بدار حسن الفقيه حسن حمل عنوان " باليتة " وهي اللوحة التي تُخلط عليها الألوان الخام، وشارك فيه بعض أعضاء المجموعة بعدة لوحات وكان لي شرف زيارة هذا المعرض والتحاور مع بعض الفنانين مثل الفنان أحمد غماري الذي عرض لوحتين بالألوان المائية، وغير أن اللوحتين تتسمان بالواقعية القصوى تلك التي تنافس الصورة الفوتوغرافية أو تتفوق عليها بحيويتها وألوانها النابضة، تحمل رسائل جمالية وتوعوية وذلك عندما رسم منظر جميل في عمق اللوحة وفي مقدمتها بيئة ملوثة بالقمامة في إشارة إلى التناقض الموجود في البيئة الليبية وكنوع من الاستنكار لهذا التلوث، إستنكار بطريقة فنية محضة.


أيضا قام الفنان أحمد غماري بإلقاء محاضرة عن الفنان التشكيلي الأمريكي أندرو وايث في إطار المجموعة أو قريبا منها وعُرِضَ شريط سينمائي تناول سيرة الفنان الأمريكي بدار نويجي بالمدينة القديمة بطرابلس وأعقب هذا العرض جلسة حوارية ونقاش مستفيض من قبل الفنانين والحضور حول تجربة الفنان وأسلوبه في الرسم وموضوعاته المفضلة.


وتعددت الأماكن التي رسم فيها الفنانون حيث رسموا في مدن القربوللي وترهونة والخمس بمنطقة النقازة وبعض مناطق الجبل الغربي وفي محمية الشعافين في مدينة مسلاته وعدة أماكن في طرابلس كما أسلفت القول في مقر وزارة الزراعة - غابة سيدي المصري - وبمصيف السندباد وشاطئ القولف بتاجوراء وبشط الهنشير ومنطقة الغيران وبمشتل الجديدة وبمرفأ قوارب الصيد المحاذي لميناء طرابلس البحري الشيء الذي أسهم في أن تكتسب التجربة تنوعا كبيرا وزخما فنيا قل أن نجده في تجارب مماثلة، بل ان هذه التجربة تعد من التجارب الرائدة في ليبيا إذ لم يسبق أن اتفقت إرادة مجموعة من الفنانين على هكذا مشروع، والأمل كبير في أن يستمر المشروع في اداء دوره في المجتمع وإنجاز مهمته الجمالية والفنية والأجتماعية والتوسع في أنشطته ويشجع على تكوين مجموعات أخرى مماثلة مهمتها إفشاء الجمال ونشر الفن.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا